8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سخاء مفرط أبداه التاريخ في ذلك اليوم

إنه يوم 13 آذار 2005، الأحد الكئيب والساكن، وخدر النوم المتكاسل. "جولة أفق" عبر الهاتف الخلوي إلى الزملاء والأصدقاء: ما هي التحضيرات للغد؟ قلق من امتحان سياسي، وإصرار عليه. هل سيأتي الناس؟ هل يقع حادث أمني مفتعل؟ خوف من المجهول، خوف من الاخفاق.. إذ كان طيف "مفاجأة" 8 آذار ما زال يتراءى في الأذهان، مع شعاراتها ويافطاتها: "شكراً سوريا"، "حافظ الأسد باني بيروت"، "الوفاء لبشار الأسد"، ولم يكن شهر انقضى على الاغتيال، ولم يكن شهر مر على كل التظاهرات والاعتصامات والمسيرات التي تطالب بالحقيقة وبالحرية والسيادة والاستقلال، ولم تكن ايام قليلة قد انصرمت على بدء انتفاضة الاستقلال و"ثورة الأرز" المتعاظمة منذ 28 شباط في ذاك العام، وها نحن نكتشف في 8 آذار أن هناك لبنانيين في موقع آخر، يتظاهرون، وإن على الشاكلة نفسها وبالرايات اللبنانية لشكر سورية و لـ"وحدة المسار والمصير" في حشد وصفته إحدى الصحف بأنه "أعظم تظاهرة في تاريخ لبنان".
في ذاك الأحد كان رئيس الجمهورية، متكئاً على 8 آذار، يصف جريمة اغتيال الحريري بأنها "رذالة"، ويخوّف اللبنانيين من انسحاب الجيش السوري فـ"الجيش اللبناني لا يمكنه الدخول إلى أماكن معينة"، ويعلن أن لا مؤيد للمعارضة ولا داعم "كونوا على ثقة، الأميركيون لديهم مشاكل كثيرة في العراق، ولا يرغبون بمشكل إضافي في لبنان". فيما الرئيس السوري يتعهد لمندوب الأمم المتحدة تيري رود لارسن "بسحب كل القوات مع أجهزة المخابرات من لبنان بما يتطابق وقرار مجلس الأمن رقم 1559".
كما هناك 11200 من شباب المعارضة رسموا بأجسادهم أكبر علم للبنان، وفي المساء سترسم لوحة بشرية أخرى تمثل الحقيقة بالشموع، لكن الرئيس يحاول احباط تظاهرة غد، في 14 آذار قائلاً: "إذا استمرينا على هذا النحو تظاهرة من هنا وتظاهرة من هناك، فيكفي ان يستفيد منفذو جريمة الاغتيال من رمي قنبلة يدوية، مإذا يحصل وقتذاك"؟
الرئيس نفسه، يعترف في ذاك النهار "لا يزال الأمن ممسوكاً"، ويعترف أكثر بأنه هو الذي احبط ارسال الجيش إلى الجنوب عام 1993 قائلاً "كان ثمة قرار للمجلس الأعلى للدفاع عام 1993 بإرسال الجيش إلى الجنوب تبلغته من دون أن أنفذه. وكان جوابي: ابحثوا عن قائد جيش آخر".
لقاء "عين التينة" (هل تتذكرونه؟) صاحب تظاهرة 8 آذار يتحدى ويلتقط حلفاء سوريا أنفاسهم، ولعبة تشكيل حكومة برئاسة عمر كرامي لا تزال بأيديهم ومصير الانتخابات النيابية يناورون به.
في ذاك الأحد، المكفهر سياسياً ومعنوياً، كان علينا قضاء 24 ساعة من الانتظار، حابسين انفاسنا، حتى طلوع فجر 14 آذار.
انها التاسعة صباحاً من يوم الإثنين، وبقفزة واحدة من السرير إلى التلفزيون، الكاميرات ترصد الناس الآتين إلى بيروت، وترصد أحياء بيروت وهي تتهيأ للنزول إلى الساحة، الوجوه وإيقاع الحركة يوحيان بالثقة والهمة. والصورة لا تكذب وهي تشير بأن المواطنين اللبنانيين مصممون على المشاركة والاتجاه نحو ساحة الحرية، الجو صاف ومشمس وإذ أخرج إلى الشرفة أرى الجيران جميعهم يتهيأون.
أصل إلى ساحة رياض الصلح مجتازاً محلة البطريركية وحيّ زقاق البلاط، منتبهاً إلى ان اغلبية السكان تسير أيضاً بالاتجاه نفسه. ساحة رياض الصلح مكتظة وممتلئة، أتجه إلى شارع المصارف الذي تصب فيه الآن الجموع الجديدة. "غير معقول"، أقول لنفسي، كيفما نظرت بحر من البشر هنا، فكيف هي حال ساحة الحرية.
عندما أتذكر ذاك اليوم الذي شهده العالم قبل عام، لا أرى الحشود المليونية، بل طيف سمير قصير ببدلته الكحلية وشال المعارضة على كتفيه وابتسامته الرائعة. أتذكر الضريح الذي استدعى كل هؤلاء الأحياء، كل لبنان، ضريح مطمئن لوطنه، فيما القتلة يأكلهم الخوف من المشهد.
كيف نفسر 14 آذار كيوم تاريخي استثنائي غير مسبوق إلا بوصفه يوم الاستقلال الثاني، وبالتأكيد لن يتكرر مثله، سخاء مفرط أبداه لنا التاريخ في ذاك اليوم المشهود.
بدت السياسة هامشية إزاء روح الاحتفال، وإزاء التصميم الهائل للبنانيين على الاجتماع وعلى إنجاز جسم واحد من أجسادهم. قوة أخرى أتت بهم غير السياسة، روح من يريد الحياة دفعة واحدة في لحظة واحدة وفي مكان واحد.
بدا أن تعب الشابات والشبان على امتداد شهر من التظاهر والاعتصام والتحركات السلمية قد ألهمت الشعب اللبناني كله، وأوقدت فيه التفاؤل والأمل والشجاعة، وبدا أن المدينة وقد اظهرت روحها ورسمت ألوانها، نجحت في استدعاء جهات الجمهورية إليها، فتركت العصبيات والولاءات والروابط الأهلية نفسها لتنقاد إلى حال مدينية جامعة على صورة عفوية شبابية، نابضة بالحرية (حرية الأفراد وحرية الوطن في آن واحد). علم جديد هذا العلم اللبناني، كأنه زينة. يافطات وشارات وهتافات ورسوم على الوجه والجسم، كأننا إزاء عمل فني عظيم وضخم.
انه أول استثناء فعلي في تاريخ التظاهرات الجماهيرية العربية، لقد انتهت حقبة كاملة يوم 14 آذار، لا شرعية إلا لتظاهرات الأفراد الأحرار، المتمايزين بفرديتهم وعفوياتهم ونوازعهم وأعمارهم وتصوراتهم عن أنفسهم وعن العالم، يعلنون انحيازهم للحياة وللانفتاح على مجريات العصر، يواكبونه بشجاعة، منفصلين عن "القطيعية"، آخذين القدر بأيديهم، طالبين "الحقيقة" التي تخيف ذاك التقليد العريق الحاكم في ذاك المشرق، تقليد السر الدفين والصمت والخوف.
لم يأت الناس ليسمعوا كلمات المنصة، بل لم يأتوا مع احزابهم وطوائفهم وزعمائهم. جاؤوا ليشاهدوا أنفسهم وليعلنوا عن أنفسهم وعن وجودهم وعن "سياستهم" وخياراتهم، كما هم في حقيقة عيشهم وسعيهم وفوارقهم وأذواقهم ولغاتهم. ليسوا هنا احتجاجاً فقط ولا احتشاداً فقط ولا تأييداً فقط ولا وفاء لرفيق الحريري فحسب ولا ولاءً للبنان فقط، إنهم هنا لأسباب إضافية، أعمق وأكثر قوة. إعلان هائل عن هوية تتشكل في لحظتها، تستدعي كل ارهاصات ما يجعل من لبنان لبناناً، أي تلك الفكرة عن وطن من حريات ومن بهجات ومسرات وحب حياة جارف.
هل كان ذلك من صنع سفراء أجانب وإيحاء خارجي، أميركي؟ تلك هي رطانة عربية بائسة إزاء مشهد 14 آذار. رطانة لا تجيد سوى استصغار الناس، والمواطنين، وتعظيم "العدو" وإرجاع كل الأقدار إلى قوة "المؤامرة" والمتآمرين.
من خيم قليلة، من علب شموع وشالات، من عدة كاميرات. ومن بضعة عشرات الشبان فقط، أتت "ثورة الأرز"، وكانت كل يوم على حافة الانطفاء والاحتواء، ومعرضة لخطر الابتلاع والطمس. من مجازفات متوالية، ومن دعم خفي كان يأتي من جهة ضريح الشهيد، تحولت الساحة يوم 14 آذار إلى طوفإن غامر، حين أعلن اللبنانيون انتسابهم صراحة إلى هؤلاء الشبان القلائل، شبان وشابات أحضروا إلى خيمهم فرشاة اسنان وموسيقى وحمّاماً متنقلاً وسندويشات ومرطبات وأعلاماً وكتب الجامعة.. فأنجزوا لبنان ومستقبله كما لم يحدث مرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00