أفردت هدى بركات فصلاً خاصاً بعنوان "سامية" في نهاية روايتها "سيدي وحبيبي" (دار النهار ـ بيروت)، وهي التي جعلت الرواية كلها بلا فصول يسردها الراوي البطل "وديع".
ولأنه كان من المستحيل على الراوي إتمام روايته، طالما أنه اختفى، كان لا بد لعشيقته وزوجته، والشاهدة على سيرته، "سامية" أن تتولى هي اختتام خبر الرواية ومنتهاها.
اختفاء البطل ـ الراوي قبل أن ينهي روايته، هو الذي يمنح كلمات الرواية في صفحاتها الأولى دلالاتها "...لكن حياة المرء تكتسي المعنى في غفلة منه. وقد يغفل عن معنى حياته طيلة عمره". على هذا النحو لن يهب وديع معنى لـ"سيرته"، ولا تستطيع حبيبته سامية بدورها أن تكشف عن معنى لحياة بطلها، رغم محاولتها ذلك، فهي على الأرجح، في محاولتها لفهم أسباب اختفائه، لا تقدر إلا على فهم معنى هذا الاختفاء فحسب.
مع قراءة رواية هدى بركات "سيدي وحبيبي"، نحدس بأن الكاتبة، منذ روايتها الأولى "حجر الضحك"، ترسم، بامتياز، منحى لبنانياً صرفاً في الكتابة الروائية، نكهة لبنانية خاصة ومزاج لبناني، وهذا حدس لا برهان عليه، سوى هذا اللااستقرار والتقلب والمغامرة، وغياب الفواصل بين الخير والشر، بين الجد والهزل. لكن كل هذا أقل من أن يثبت "لبنانية" الرواية، إذا أخذنا بالاعتبار، تلك التفاصيل التي لا تزن شيئاً، ومع ذلك تلعب دوراً حاسماً في جعل روايات بركات على هذا الامتياز: ان تمثل روحاً لبنانية في الفن الروائي.
من تلك التفاصيل التي نقتطفها، أسلوب عيش الحب والجنس، هذا الخليط بين الوجدانيات والكحول والمخدرات والشطحات الأخلاقية. وهذا الانشداد القوي لشوارع الطفولة والانطلاق غير المتردد نحو أي مكان في العالم.
بالطبع هناك نمط العيش الخاص في زمن الحرب، الذي يتخلل معظم كتابات بركات، ويشكل الاطار الزمني وسينوغرافيا "سيدي وحبيبي"، وأيضاً ذاك الحراك الاجتماعي السريع والحاد، صعوداً وهبوطاً، ثراء وفقراً، بلا انفعالات وبلا مآس، أو حتى بلا مبالاة تقريباً. فلبنانية الشخصيات هي في اهتمامها الدائم بالمكانة المعنوية وبـ"لذة" العيش واكسسوارات التبجح، وهذا الاهتمام الخاص بالطعام وتناوله... وكل هذا ممزوج بنزوع قوي لـ"الابتعاد" عن الأهل.
ربما لا يكفي ذلك تماماً للتدليل على اجتراح "لبنانية" ما في الفن الروائي، إنما نستطيع أن نضيف صفة "الانفتاح" (على غموض معنى هذه الكلمة) على عقلية شخصيات الرواية. فهي لا تكون شخصية "موظف" أو "فلاح" أو "عامل" وفق الترسيمات التقليدية، إنها شخصيات تخترق وتنفتح على احتمالات التقلب والتحوّل، بل انها تبدل أسماءها بسهولة، وهذا تماماً ما يعني "اللااستقرار" اللبناني، اجتماعاً وسياسة وأخلاقاً.
"سيدي وحبيبي"، كلمتان يقولهما البطل وديع عن مديره في العمل، في الصفحات الأولى من الرواية، فنظن أنها رواية عن هذا المدير، عن العلاقة التي تجمع الراوي برب عمله. لكن هذا الظن يتبدد مع مطلع الصفحة 17 فحسب. ولن ندري من هو هذا المدير الذي خصه الراوي بـ"حب نبيل" ولا سبب ابتداء الرواية بالكلام عن هذه العلاقة إلا بعد الصفحة 157، ولن نعرف اسماً لهذه الشخصية إلا في الصفحة 181 (الرواية كلها تقع في 191 صفحة). وبالطبع لن نجد في الرواية ما يبرر هذا "الحب النبيل" ولا دوافعه. وأغلب الظن أن هذا المحور للرواية، يبدو وهمياً، يبدو التباساً مقصوداً، وتمويهاً إرادياً، لا من المؤلفة، بل من البطل، الذي نحى والده جانباً منذ سن المراهقة، باحثاً عن ذاك المثال الأبوي، لا ليلعب دور الوالد أو الأب الروحي، بل ليكون ذاك الصنو، والرديف الايجابي إزاء صورته هو التي يتخيلها سلبية وساقطة، وبهذا المعنى "سيدي وحبيبي" لا علاقة لها بجدلية السيد والعبد وفق الشرح التبسيطي، لكنها تغدو أعقد من ذلك مع سيرة وديع، هو ابن طاه، يعمل في منزل رجل ثري، "يتباهى" باستمرار بجلبه الى المنزل العائلي فضلات وبقايا مطبخ وسفرة العائلة الثرية التي يعمل لديها.
وديع، الذي يعاني من قصر قامته وسمنته وشراهته وقلة حيلته إزاء أنداده في الصفوف المدرسية، والذي ينصاع للمعلمة السمينة، رغم مقته الشديد لجبنها وضعفها إزاء التلاميذ، وحبها وعنايتها به، سرعان ما يجد نفسه خارجاً من الطفولة الى المراهقة، بالتزامن مع وفاة والدته المزرية، إذ تم إهمال غسل الكلى "لا أرى من موتها سوى سائل البول الأصفر يمتزج بحمرة الدم". بعدها تأتي القطيعة مع الأب، وعلى الوتيرة المفاجئة نفسها ينتقل وديع الى عالم "الزعران" في المدرسة والشارع، الزعران الذين كانوا يضطهدونه هو ورفيقه أيوب، سرعان ما يحتضنونه، وهو سرعان ما سيشق طريقه وسط العصبة واصلاً الى منافسة زعيمها "الروديو".
وعلى نحو مفاجئ، سيتغيّر إيقاع الرواية، وفق تغيّر إيقاع سيرة وديع، الراوي والبطل، فجأة مع جملة "أعرف أني مغرم بسامية" تبدأ حكاية الغرام والحب والمعاشرة الجنسية المحمومة، بعد صفحات قليلة من المراهقة المتأزمة بانعدام الثقة الجسمانية. ومن عصبة أولاد المدرسة، يقفز وديع الى عالم المسدسات والأسلحة والقوة العارية. بل وفجأة يتحول الزعيم (الروديو) الى مرافق شخصي لوديع المنخرط في تجارة المخدرات والسلاح، والقتل.
لكن هدى بركات، لا تؤلف الرواية، لتسرد "سيرة"، إنما لتستكشف تلك المناطق الغامضة التي تنشأ تماماً في وسط المسافة ما بين شخصيات تتلاقى وتتصارع مع أقدارها.
تدرك هدى بركات أيضاً، أن السرعة اللاهثة لتحولات وديع تستلزم منها تحكماً إيقاعياً، ولذلك تمر الرواية في مونولوغات داخلية، تشكل برأيي عصب الرواية الفعلي، أو هي "الشطحات" التأليفية التي تعصم الرواية عن خفة الحكايات.
يقول وديع "أراني أسير في طريق طويل يذهب حتى الأفق، على جانبيه بيوت صغيرة وبنايات قصيرة. الضوء قوي ومشع والألوان باهرة كما في ألعاب الفيديو. وأنا أتقدم بتؤدة شاهراً مسدسي بيدي. مسدس كبير ذو فوهة واسعة كمدفع صغير. لكنه خفيف جداً لا يتعدى وزنه وزن برتقالة. أسير حانقاً غاضباً مهتاجاً لا أدري لماذا. لا أطلق الرصاص على أحد عن بعد. حين أوجه مسدسي باتجاه انسان ما يتوقف عن السير لأقترب منه حتى ألامس رأسه بمسدسي، ثم أطلق. وكما في لعبة الفيديو أحرز نقاطاً كلما قتلت واحداً. النقاط تسجل مباشرة في جسمي، أصبح أكثر طولاً. أتقدم وأطلق في الرأس، تغلظ عضلات ساعدي. أطلق في الرأس، يتسع صدري وتنتفخ دفتاه. أطلق، منكباي أكثر عرضاً واستدارة. أرتوي طلقة طلقة. وأنتفخ بقوتي وجمال جسمي. أشعر بعرفان عارم وأنا أنقل نظري بين الجثث (...) وموسيقى ربانية صاخبة تملأ المكان. موسيقى ربانية نازلة من قبة السماء تنسكب عليّ، كأنها تباركني وأنا أرديهم واحداً واحداً". (ص9).
في مونولوغ آخر (ص108) يقول وديع "تكبر كرة راحة الحلقوم باضطراد حتى يصبح فمي بحجم غرفة الصالون ويلتصق رأسي الكبير بزجاج النوافذ التي تضربها رؤوس الأشجار وكأن على عينيّ الهائلتين مباشرة. وقبل أن أختنق تماماً تروح كرة الحلقوم تصغر وتتضاءل في فمي حتى تغدو بكبر حبة العدس، ثم يصغر رأسي ويصغر حتى لا تعود أمي تراه على كتفي".
يمكن القول ان تهمة "التاريخية" قد تضر الرواية إذا ما ألصقت بها، لكن في تراكم روايات هدى بركات نرى مشهداً خلفياً وإضماراً مستمراً في رواياتها لجعلها "تؤرخ" ذاك العصف الشديد الذي عاشه الاجتماع اللبناني منذ السبعينات وحتى اليوم. مشهد الحرب، والهجرة وتحطم البنى السياسية والاجتماعية، مشهد الثراء غير المشروع الذي سيطر على علاقة اللبنانيين بالأخلاق وبالمال، مشهد الانقلابات الأخلاقية التي يتجاوز فيها السلاح مع الجنس والبراءة والقتل.
"سيدي وحبيبي" التي تذهب براويها الى الغياب والاختفاء تنصب "الشاهدة" سامية رواية للمعنى الذي لم يلتقطه وديع لحياته، معلنة كجملة ختامية "وأنا أعرف تماماً أنها رواية مستحيلة".
سامية التي أتخيلها الآن جالسة في أحد بارات قبرص. فيما وديع، الذي تخيلته كتلميذ في ثانوية رمل الظريف الشهيرة في زمن الحرب بتخريج القبضايات والزعران، جالساً في مجاهله يقرأ هذه الرواية بالذات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.