"بابا، مين الحريري؟" سألني إبني.
قبل أن تولد بسنوات عدة، كنا نحن قد قضينا شبابنا كله في الحرب لحد ما حل فينا التعب والقرف واليأس، وفكرنا بالهجرة كثيراً. ثم جاء السلم وظهر رجل مبتسم طوال الوقت، ومتفائل على نحو لا يُصدّق، فاستغربناه. قالوا لنا أنه رجل غني جداً ويريد أن يعمّر البلد، اسمه رفيق الحريري.
بيروت وقتها كانت كلها خراباً. قالوا أنه بدأ العمل في وسط بيروت، نزلنا وتفرّجنا على الجرافات. وبعد فترة بدأ يشتغل كثيراً في الكهرباء والتلفون والطرق والأرصفة والمدارس.. وصرنا نرى أن الأوضاع تتحسن. صارت الناس تروح وتجيء وتعمل وتتوظف وتشتري وتبيع وتخطط للأحسن. وصار هناك جو من الكلام عن "استثمارات" (يعني تجارة وصناعة) و"سياحة" و"بنية تحتية" وإعمار وبناء (يعني نعمل بلد حلو ومليح).
وقتها التقيت بوالدتك وعشنا قصة حب، وكان التفاؤل بكل البلد، وخططنا أنا والماما للمستقبل. وقتها هي وأنا وجدنا وظيفة وصار معاشنا معقول، وتشجعنا على الزواج، وبعدها أنجبناك، متأكدين أن الحرب صارت وراءنا، وأن الحياة التي نتمناها ستتحقق. وقتها تأكد أنه ما في ضرورة للسفر والهجرة.
رفيق الحريري، يا عاصم، كان هو رئيس الحكومة أغلب هذا الوقت، وفي عهده تعرّض لبنان للكثير من الضربات والأزمات. أحياناً كان الدولار يجنّ، وأحياناً كان الشرق الأوسط (مطرح ما نحن نعيش) يجنّ كله بالحرب والقتل. مع ذلك كنا نستمر نحلم بحياة حلوة ومريحة، خصوصاً لأولادنا.
أنا في فترات كنت أختلف مع ما يقوله الحريري في السياسة. كنت أخاف مثلاً لما يساير رجال سياسة زعران، أو يسكت عن أمور خطيرة. أعترف لك أنني أحببته عندما استقال آخر مرة. أنا دائماً أميل للاعتراض والاحتجاج، على عكسه. لم أفهمه كثيراً وقتها وما كنت أعرف أنه كان يحاول حماية البلد من الفوضى.
أذكر لما أنجز وسط بيروت، الذي تحب أنت أن تتنزه فيه، أحسست أن هذه المدينة ليست لي، فحزنت قليلاً قبل أن أدرك أنها ستكون مدينتك أنت يا ابني. ووقتها عرفت أن الحريري كان مهتماً بالمستقبل. المهم في الموضوع أنه وحده الذي كان قادراً على أن يفعل شيئاً.
منذ 15 سنة نؤيد أو نختلف أو نتحفظ مع رفيق الحريري ـ الله يرحمه ـ يعني ما كان هناك أحد غيره يهمنا، لأنه هو بحجم الدولة تقريباً والسياسة كانت تدور حواليه.
أنا يا عاصم خارج طائفتي، وبلا حزب، ولست تابعاً لجهة سياسية أو زعيم، أنا فقط مواطن.. وأنت لازم تكون هكذا. الحريري يحب أمثالنا. ومع أنه لم يعرفني ولم أقابله، لكن كنت أشعر أغلب الأحيان أنه يعتمد على أمثالي لكي ينجح.
ـ "طيّب، بابا.. ليش قتلوه؟".
ـ تبيّن أنه لبناني، يحب لبنان مثلما نحبه.. كيف سأفسر لك: لبنان ما زال ممنوعاً علينا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.