إنه صباح السادس عشر من شباط 2005، بالحدس نعرف أن الجنازة قد انطلقت من قصر قريطم، منزل المقتول بإصرار وحشي على أيدي متوحشين. بالحدس وحده، عرفنا أن القتلة يريدون الاستيلاء على جثمان الشهيد، واننا نحن، ومن دون أن يكلفنا أحد، مناط بنا مهمة تشييعه، واننا نحن أهل بيروت، أثناء نومنا المضطرب في الليلة السابقة، قد قررنا جميعاً، كل فرد لوحده، كل عائلة على حدة، ان ننزل لنلاقيه، لنسترده إلينا، ونأخذه الى مثواه الأخير.
هكذا كانت عشرات ألوف المنازل في العاصمة تستيقظ في ذاك الصباح، كما لم تستيقظ من قبل. رائحة القهوة هي ذاتها، سجائر الهمّ مشتعلة، رائحة خبز وجبن... عائلات ترفع النعاس ولا ينقشع الغمّ. أهل بيروت تحت الصدمة، لكن السخط بدأ يتحول الى فكرة واحدة: فلنخرج جميعنا... هلم بنا الى الجنازة.
المعجزة الأولى
في الخارج كان النسيم المنعش والكئيب، الشمس باردة، الغيوم متفرقة، الرايات السوداء ترتجف على الشرفات... والصمت المشؤوم في الشوارع. إنه واحد من الصباحات كالتي تنتظر فيها الامبراطوريات قدوم البرابرة، أو كالتي تتهيأ فيها المدن للثورات. صباح النذير بالبدايات العصيبة.
لم نخرج بعد. صور الشاشة تنقل مشهد النعش من القصر، وما زلنا غير مصدّقين، تلمع في رؤوسنا الصور الرهيبة للانفجار والحرائق والجحيم الذي صنعه المجرمون عند خليج السان جورج قبل يومين. مزيج من الأسى والبأس في قلوبنا. مزيج من الخوف والتصميم في عقولنا. وتمر في خواطرنا أيضاً صور أهل السلطة بكل تفاهاتهم ووضاعتهم والملامح "الاسخريوطية" على وجوههم. نتذكر أيضاً صور رجال الوصاية وقادة الاحتلال الأخوي بدناءاتهم وشراستهم وشبههم بأحط أنواع الجلادين. شيء من القرف أيضاً ما دفعنا نحن، ذاك الصباح، للخروج وراء النعش، "لا" باكية مؤلفة من مئات ألوف العيون. "لا" وقورة بحزنها مؤلفة من مئات ألوف الناس. "لا" ثائرة مصنوعة من عشرات ألوف المواطنين.
تسير الجنازة في الشارع الأول، فيهبط سكانه، بهدوء، من المصاعد، وعلى الأدراج، وتنفتح بوابات البنايات، والرعشة تسري في الأبدان. تصل الجنازة الى شارع آخر، وأيضاً يغادر السكان شرفاتهم الى الرصيف فالشارع، التحاقاً بالحشد. عند التقاطع الأول، تأتي من الجهات الأربع الأسر بالآلاف ناشرة العدوى في الذين ما زالوا في بيوتهم، أو على الشرفات... نظرات صامتة بين السائرين وبين من يطلون من النوافذ، سرعان ما يفهمها الأخيرون، فينكسر تردد المترددين ليلتحقوا في الصفوف، ناظرين الى بعضهم البعض كما لو أنهم يكتشفون، للمرة الأولى، ما يجمعهم، وما يهبهم سمات وهوية وصفة. يكتشفون أن زمناً مديداً مضى من دون أن يحملوا مواطنيتهم ولبنانيتهم على محمل الجد والامتحان. أو أنهم يكتسبون شعور المواطنية للتو، في اللحظة ذاتها التي أحسوا بها بأنهم يشتركون مع الآخرين بالمشاعر عينها وبالخواطر نفسها، وكما لو أن لبنانية كل واحد منهم تحققت لحظة خروجه من البيت الى الجنازة. ففي ذاك الصباح كانت الجنازة من شارع الى شارع ومن طريق الى طريق ترسم لبناناً وتبتكره مجدداً من قلب الدمعة.
كان الناس إذ يتركون منازلهم دفعة واحدة، سيدات وربات بيوت وأطفالاً وشباناً ورجالاً وعجائز وأكابر ومتواضعين، ومتعلمين وأميين، وأثرياء ووجهاء وفقراء، يتحركون فرادى بلا طوائف ولا أحزاب ولا رايات جماعات ولا ألوان عصبيات، مكسوري الخاطر، ساكنين. وما إن ينتبهوا لحالهم، ولاجتماعهم، ولتمظهرهم كمواطنين، حتى تطفو لهنيهات بهجة خفيفة لتيقنهم أنهم مقبلون عفوياً وتلقائياً على أمر جلل، لم يصدقوا مرة أنهم بقادرين عليه. أي أن يكونوا هكذا، رغم الفجيعة، معاً وسوية، يرسمون بوجه الجريمة ومقترفيها صورة لأنفسهم كما يحبون هم: مواطنون لبنانيون يقررون بإرادتهم الحرة، بلا أوامر، بلا إذن أو موافقة من أحد، أن يخرجوا وراء نعش الرجل الذي قُتل، لأن الذين اغتالوه رأوا فيه تلك "اللبنانية" اللعينة. فكان "مروق" اللبنانيين على أروع ما يكون، أي أن يأخذوا بالحرية علماً عليهم، ويأخذوا بالجنازة درباً لهم، على غير ما اشتهى الأوصياء وخططوا.
فكان ذلك أولى المعجزات: صباح من جنازة يوقظ لبنانية اللبنانيين.
استرداد الساحة
كانوا أشتاتاً أولئك المشيّعون، طالما أنهم ليسوا تظاهرة حزبية، ولا هم في استعراض حزبي مشهود. وكانت وجهتهم الأخيرة ستصنع بدورها معجزة إضافية. فهم ما إن وصلوا الى خلاء ساحة الشهداء حتى باتوا جمهوراً هائلاً، آتين من أصقاع لبنان وأطرافه، ومن جهات بيروت كلها، فرأوا في أنفسهم، على نحو مباغت، كيف أنهم أنجزوا في يوم واحد ما صعب عليهم لعقود عدة، بل وأن ينتبهوا على حين غرّة كيف أن هذه الساحة التي تستقبلهم الآن، عادت لتكون "ساحة البلد"، أي ذاك "الوسط" الذي يتذكره كبار السن بوصفه مركز المدينة ونقطة وصول وانطلاق ومكان لقاء ونواة العاصمة وقلبها.
في ذاك النهار، يوم 16 شباط 2005، سيكتشف اللبنانيون ميدانهم، في اللحظة نفسها التي أدركوا فيها حاجتهم الى ميدان يسعهم جميعاً. فـ"ساحة الشهداء" كانت دائماً موجودة، لكن لم ننتبه إليها من قبل، طالما أننا لم نجد وظيفة لها قبل ذلك اليوم. كانت مجرد خلاء ما إن نصل إليه، حتى نستعين بالذاكرة لنتخيّل ما يجب أن نملأ به هذا الخلاء، ولم نكن نظن أن جنازة ما هي التي ستحيي الساحة، وتجعلها قبلة اللبنانيين لأشهر عدة، ومقصداً يتجهون إليه بغرض التظاهر والاعتصام والاحتفال.
كانت الساحة، من غير قصدنا ولا تخطيطنا، تستعيد تاريخها وتوجزه في يوم التشييع.
بهذا المعنى، بدأ عمل التاريخ الساخر. فهو لا يمر في لبنان إلا وينزل هناك في تلك الساحة التي تتوسط بيروت، باسطاً أقداره وأحداثه البليغة.
"ساحة المدفع" التي نشأت مع انبعاث بيروت الحديثة، وفق التخطيط العثماني، سرعان ما سيتغير اسمها الى "ساحة البرج". وما بين 1914 و1918 كان عليها أن تتحوّل ميداناً لاعدام رجالات الاستقلال الأوائل، مختتمة بذلك الزمن العثماني.
وفيما بعد، كان على الساحة، التي تدوّن التاريخ، أن تكرّم ذكرى الشهداء لتصير "ساحة الشهداء"، مدشنة ـ رمزياً ـ بداية التجربة الكيانية اللبنانية منذ العشرينات وحتى أواسط السبعينات. وطوال الحقبة الاستقلالية ستختزل "ساحة الشهداء" لبنان والعاصمة فتأخذ اسم "البلد"، مختزنة في سيرتها التاريخ اللبناني وتاريخ التجربة اللبنانية اجتماعاً وسياسة واقتصاداً. فهي المكان الاستثنائي الذي انعقدت عليه المدينة، وهي مركز الثقل الذي شد أطراف لبنان لتكتمل بها "الهندسة" الجغرافية والعمرانية للدولة والكيان.
مع اندلاع الحرب عام 1975 وانفراط الاجتماع اللبناني الى فرق متنابذة متحاربة، تحوّلت الساحة من صرّة البلد الى خندق فاصل، والى مِزَقٍ متفتق، والى خلاء ميت وأرض موت فاصلة. فكانت أيضاً، بهذا المعنى، المكان الذي يرمز الى نهاية "الصيغة اللبنانية"، في طبعتها الأولى، وجمهوريتها الأولى.
ثم مع انتهاء الحروب المتعاقبة على لبنان، كانت العودة الى الساحة غامضة وملتبسة، تماماً كغموض والتباس سنوات السلم الأولى. ومرة جديدة ستترجم ساحة الشهداء الحال اللبنانية الى مشهد واضح ورمزي مكثف. فمع عنوان "إعادة الاعمار والبناء"، الذي ترافق مع إرادة النسيان وتجاوز الذاكرة، ستبدأ الجرافات بإزالة المعالم التاريخية المتهالكة، والمخرومة برصاص الحرب وقذائفها. سيرة مؤلمة من الجرف والازالة، لتتحول الساحة الى أرض خلاء مستوية، وفارغة.
وعلى الرغم من الارادة الجامحة لإعادة الاعمار، والزخم الهائل الذي بدا عليه مشروع إحياء وسط بيروت، كعنوان رئيسي لقيام "لبنان الجديد"، وكمثال عمراني، هندسي، على تأسيس الجمهورية الثانية، ظلت الساحة أرض حيرة وارتباك. أي أيضاً، مرة جديدة، ستكون هي الترجمة المشهدية الماثلة للأنظار لحال الحيرة، والتردد، والنقصان، في مضامين الاستقلال، وفي معنى الكيان والدولة... طالما أن كل ذلك يقع تحت إرادة الوصاية الأمنية والمخابراتية المانعة لاكتمال النصاب الاجتماعي والسياسي.
لهذا السبب، لم يجد القائمون بأمر إعادة الاعمار صعوبة في أن ينجزوا بأناقة وترف كل أجزاء وسط المدينة، عدا الساحة الواسعة نفسها. فقد ظلت هكذا أرضاً مستوية فاصلة، مفزعة بفراغها الغرائبي وممتنعة عن الاعمار. فكانت إشكالية ساحة الشهداء "الموقوفة" دلالة بارزة على الحجر والمنع المفروضين على إنجاز الدولة وإنجاز الاستقلال. فالسجال الصامت والخلافات غير المعلنة إزاء مصير الساحة وكيفية توظيفها وإعمارها وتشكيلها وإعادة إدغامها بدورة حياة العاصمة... كانت كلها تدل على أن العجز الهندسي ـ العمراني هو بالأصح عجز سياسي عميق قوامه النهي الدائم من قبل سلطة الانتداب السوري عن تقرير وجهة المدينة ـ العاصمة نحو استقلالها، وعن تقرير "عقيدة" الجمهورية نحو الديموقراطية.
بخبطة واحدة، بفعل واحد، تقررت وجهة العاصمة، وأقرت عقيدة الجمهورية. فلحظة وصول النعش والمشيّعين الى ساحة الشهداء كانت هي لحظة الولادة الجديدة للساحة.
نصب الشهداء مجدداً
أيضاً، في الوقت نفسه، أعدنا اكتشاف نصب الشهداء، الذي يختزل بسيرته كذلك، تاريخاً سياسياً لبنانياً بامتياز. فهذا النصب الذي كان موضع تشكيك بلبنانيته و"قلة أصالته" لأنه إيطالي التصميم والصنع، استحق بنظرنا هويته اللبنانية عن جدارة، فهو لم يشهد زمن الازدهار فحسب بل بقي في مكانه متعرضاً لكل ويلات الحرب وشظاياها وقنابلها، شاهداً أخرس على سنوات الدمار. ثم ما ان حل السلم حتى عانى أولاً من سجالات مريرة حول جدوى ترميمه. ليعاني بعدها تهجيراً مديداً وانتظاراً طويلاً قبل أن يتم التوافق على تبنيه مجدداً. فقد كان هناك وجهة نظر بالتخلي عنه نهائياً، ووجهة نظر تقول بتجديده كلياً مع تغيير موقع تثبيته، فبدل أن يتوسط الساحة، يركن في أحد الجوانب أو في مكان آخر. وكان الحل الأخير الذي اعتمد هو ترميمه مع إبقاء بصمات الحرب عليه كشاهد تذكاري وخيار جمالي، يجمع التواريخ ويرمز بسيرته وشهادته على سيرة مكانه وعاصمته. كذلك تم إقرار إعادته الى موقعه الأصلي في وسط الساحة، إيذاناً باستئناف تاريخه، وتاريخ بيروت في آن معاً
كان المأزق بعد ذلك متى وكيف يعود النصب؟ هنا ستضيء الأحداث التي شهدها النصب، المشهد السياسي الكبير الذي كان يحاصر لبنان ويحاول الإطباق على رفيق الحريري ومشروعه. إذ نشب نزاع مكتوم ومحتد بين رئيس الجمهورية اميل لحود ورئيس الوزراء الشهيد رفيق الحريري، حول من له أحقية القيام بمراسم إعادة التمثال وتنصيبه. فكلاهما كان يدرك القوة الرمزية، السياسية، التي تختزنها هذه المراسم في هذه المناسبة، فمن سيقوم بها هو الذي سيكون بديهياً، أمام الملأ صاحب السلطان.
يمكن القول ان لصاحب مشروع إعادة الاعمار والبناء والمسؤول عن ترميم النصب وإحيائه، وهو "الأب الروحي" لوسط بيروت، له الأحقية المعنوية والسياسية في المبادرة الى إعادة نصب الشهداء، ولكن كما حصل، بإرادة الوصاية، من خطف لمقام الرئاسة وارتهان البلد وسياسته، تمت في لحظة ليلية، وعلى غفلة من اللبنانيين، عملية اختطاف للتمثال... حتى يتسنى لرئاسة الجمهورية أمر التنصيب.
هكذا أيضاً تكون الحادثة المتعلقة بالساحة ومعالمها شاهداً رمزياً على حال الأسر والاختطاف الذي يعانيه البلد تمديداً وتسويفاً لا يطاقان.
مجدداً، يبدو أن التاريخ أصر أن يمارس سخريته المريرة، وأصر على المرور مجدداً في تلك الساحة، وفق ولعه الشديد بالمفارقات. فالمكان الذي كان فارغاً، محيراً، وفاقداً لأي قوة تعبيرية، وعاطلاً عن أي وظيفة... فجأة، عاد وانفجرت فيه الطاقة الرمزية دفعة واحدة ولتحتشد في مشهد واحد شحنة هائلة من الدلالات والمعاني.
فنحن، هناك وراء الجنازة، في وسط البلد، في ساحة الشهداء، في تأبين وطني لشهيد صار لحظة سقوطه ومن فور مقتله شهيداً جديداً للاستقلال. وكنا هناك، أهل الأشرفية والدورة وبرج حمود وسن الفيل والصيفي والجميزة وأهل الباشورة والبسطة والمزرعة ورأس بيروت، ومعهم أيضاً من استطاع الوصول من أهل مناطق لبنان... نؤلف ونبتكر جمهوراً من مواطنين.
من فور وصولنا، نحن الذين نود استرداد الحريري إلينا، كي لا يخطفوه، وجدنا أمامنا نصب الشهداء وقد تناسب بمشهده مع ما نود التعبير عنه، أن نبدو ساذجين، لكن صادقين وعاطفيين، تماماً كما هي السذاجة الفنية التي تغلف النصب وتفيض منه العاطفية. فطوقناه واسترددناه لنا، رمزاً للجمهورية، محرراً وأليفاً.
نصب الشهداء، منذ أن أعيد تنصيبه، وجدناه أقل قوة مما تخيلناه، أو كما نتذكره قبل الحرب، أو كما تبرزه الصور التذكارية ضخماً وعالياً. بدا مع عودته الجديدة متواضعاً وقليل الأثر ومصاباً بالضآلة، ولا يشع منه إيحاء لطالما افترضناه فيه. كان وجوده الجديد يدعونا للحيرة، أو لعدم الاكتراث تقريباً. وساهم التصميم الجديد لمحيطه وقاعدته، في جعله شبه مختنق، وشبه متخف. ونحن كنا نمر به ونجد مثلاً أن شجرة عيد الميلاد المضاءة والمهيبة، القريبة منه، أقوى حضوراً وأثراً.
لكن في يوم 16 شباط المشهود، وفي الأيام التي تلت، برز التمثال كأنه انبثق فجأة، وعلا، إذ صار نقطة ارتكاز للشبيبة وللمتظاهرين ولحاملي اليافطات وللخطباء الذين يعتلون منصته. ثم انه تزين بالاعلام اللبنانية والشارات السود والزرق والحمر والبيض وباتت جدران قاعدته لوحاً للكتابات العفوية.. وما لبث ان صار بؤرة للكاميرات الفوتوغرافية والتلفزيونية ونواة كل تظاهرة واعتصام، وتحت ظله كانت خيم الشباب.
هكذا عاد تمثال الشهداء رمزاً وبات حالة تعبيرية، مشهدية، متصلة بالتعبيرات الاصلية الموجودة فيه، كتمثال حامل الشعلة وتمثال الشهيد الممدد.. مكتسبا من كل ذلك طاقة تعبيرية دالة على 14 شباط و14 اذار في السياسة والثقافة. وبهذا المعنى ايضا، عاد نصب الشهداء ليستحق تسميته واصلا ماضيه المقطوع عن الذاكرة بحاضر يتشكل الآن.
الضريح.. والمسجد
بدا، يوم التشييع، مسجد محمد الامين غير المنجز بعد، واثناء تشييده جسماً ضخماً ونافراً، ومستجدا على التناسق العمراني المحيط به، ومفارقا لطبيعة المساجد الكثيرة في الوسط التجاري من حيث القدم والملمح التراثي، والتواضع في الحجم وانسجامها البديع مع الطابع العمراني العام.. وكان ينقصه بسبب جدته وضخامته اجازة عاطفية من سكان العاصمة الذين تهيبوه في بادئ الامر. كان يعوزه ذاك الاتصال الحميم بالناس كي يألفوه في ذاكرتهم البصرية ويتقبلوا وجوده.
على هذا المنوال ايضا اشتغل التاريخ زارعا مفارقاته. فالمسجد الذي سعى الحريري الى بنائه وانجازه وجعله معلما من معالم العاصمة، المتنكب هو في اعادة اعمارها، لم يكتمل ليشهد الحريري افتتاحه، بل تحضر يوم السادس عشر من شباط ليستقبل في جنباته جثمان بانيه.
في ذاك اليوم صار المسجد، اذ قصدته الحشود المختلطة الطوائف، أليفاً وحضناً لهم، فكان له ان بات معلما جديدا داخل الذاكرة التي تتشكل الان وفي قلب الساحة الجديدة، مسجدا للمؤمنين والمصلين، ومرقداً للشهيد، ونصباً عمرانياً رمزياً يدل على تلك الأبهة التي ارادها الحريري لعاصمته.
ضريح الشهيد وأضرحة رفاقه الشهداء في الباحة الملاصقة للمسجد تحولت الى محجة ومزار لجموع اللبنانيين على مدار العام المنصرم، كملتقى كئيب للحزن والغضب، وأيضاَ للتعبير السياسي، الجماهيري والعمومي. فمرقد الموت هذا صار رمزاً للمحنة اللبنانية، ومعلما لتوحد اطياف المجتمع اللبناني على جملة من التطلعات والتعبيرات والتوق القديم للحرية والاستقلال، في لحظة نادرا ما تتكرر في لبنان.
الضريح ـ المزار المستجد اضفى على اسم "ساحة الشهداء" شرعية اضافية، اذ ضم شهداء جددا لاستقلال جديد، قيد التحصيل والانجاز.
الطقوس المصاحبة لزيارة الاضرحة، من انشاء النشيد الوطني ورفع الاعلام اللبنانية واضاءة الشموع ووضع الزهور والاكاليل، والكتابة على العرائض... جعلت الساحة كلها ميدانيا واسعا، اوسع من مساحته، ينبض بالعاطفة ويلملم التعبيرات والايحاءات في خطاب سياسي لبناني، جماهيري، فيكون ضريح الشهيد والساحة مجددين لتلك الوظيفة التاريخية التي اضطلعت بها ساحة الشهداء: ربط لبنان كله والعاصمة كلها على صورة جامعة واحدة. وهذا ما سيتحقق كمعجزة أخرى في 14 اذار.
بعد مرور عام على الاغتيال واندلاع انتفاضة الاستقلال، برزت "ساحة الشهداء" مبدلة اسمها كما تفعل مع كل انقلاب تاريخي، لتكون "ساحة الحرية"، وتتوضح صورتها مجدداً، ميداناً لتاريخ لبنان وأحداثه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.