ثبّت الكاتب العراقي صموئيل شمعون في الصفحة الأولى من روايته "عراقي في باريس" (الصادرة عن منشورات الجمل، 2005) 13 صورة ذاتية، تكاد لكثرة تنوع هيئاتها وتلون سحنها وتعبيراتها، أن توحي بأن صاحبها يمتهن التمثيل، أو هو متقلب الأحوال والمهن والاقامة، تقلباً متطرفاً. فهو الاعرابي والساحر الهندي والسائح... وهو أيضاً بهيئة مصارع رياضي، أو هو مهندم كـ "مثقف عربي" نموذجي، الخ.
وصور صموئيل شمعون هذه، على كثرة هوياتها، تحمل الوجه ذاته، المازح واللاهي والمتنكر، وصاحب الوجه المخاتل يحمل اسماً مخاتلاً أيضاً: أهو مسيحي لبناني، أم يهودي، أم كلداني عراقي أم هو أشوري؟ أهو صموئيل أم شموئيل؟
من التباس الوجه والاسم والهوية، يأتي التباس الأدوار التي سيعيشها صموئيل شمعون من مسقط رأسه في ناحية الحبانية بالعراق إلى بيروت وعمان ودمشق وقبرص والقاهرة واليمن وتونس ثم في باريس وأخيراً في لندن.
والكاتب لن "يؤلف" رواية (تخيلاً وصناعة) بل سيسرد سيرته فحسب، وبهذا المعنى فهو الراوي لا الروائي، وصموئيل الراوي ايضاً هو بطل الرواية الذي يقضي حياته منذ الصبا محاولاً الوصول إلى هوليوود ليكون نجماً سينمائياً، ثم في مرحلة الشباب يكرس حياته لانجاز سيناريو سينمائي. بهذا المعنى ستكون حياته هي ما سيعيشه في الوقت الذي يخطط فيه للحياة التي يبتغيها.
على هذا الالتباس الوجودي سينشأ التباس آخر. فصموئيل الذي يصرف أيامه وعمره لينجز السيناريو السينمائي عن أبيه الأبكم والأصم، يجد نفسه وقد كتب سيرته "عراقي في باريس" وضمن هذا الكتاب سيقع نص السيناريو المفترض "البائع المتجول والسينما" (قصة طفولة) بوصفه هو النص الروائي الذي يصبو إليه.
شمعون اراد انجاز سيناريو، فكتب رواية "البائع المتجول والسينما". وأراد نشر هذه الرواية، فأنجز سيرته "عراقي في باريس" التي ستبتلع الرواية ("البائع المتجول...") وتحولها إلى أوراق يحملها بطل السيرة.
عراقي اراد الوصول إلى هوليوود فيدخل زنزانة المخابرات في دمشق، يخرج منها واصلاً الى بيروت الشرقية زمن الحرب فيقع في أقبية الخطف لدى الكتائب، ومنها ينجو من الموت بأعجوبة، هارباً من لبنان الى الأردن، متشرداً ومفلساً، وفي عمان يجد وظيفة متواضعة في مكتب، لكن لسوء الحظ سيكون صاحب المكتب معارضاً سياسياً، وينقض رجال المخابرات ذات يوم مصطحبين الراوي ورب عمله إلى زنزانات التعذيب، وبصدفة قدرية، سيموت رئيس المخابرات في حادثة سير، ما يحيل مصير شمعون ورب عمله إلى وزير الداخلية، فيخرج ناجياً... وهذه المرة إلى بيروت الغربية منخرطاً من دون قصد تقريباً في العمل مع منظمة التحرير. فتتحول سيرته إلى قصة نموذجية لسيرة رجال منظمة التحرير حرباً وتشرداً وتقلبات في السياسة والأفكار على حافة الموت والقتل والعبث.
لكن هذا كله ليس الا تمهيداً للسيرة التي سترسو في باريس، حيث بات صموئيل شمعون متشرداً، بالمعنى الفعلي، في العاصمة الفرنسية. وهنا سيُفتح الباب على سيرة المتشرد، المثقف العربي، الذي يحلم بأن يصير سينمائياً، لكنه يظل مع التباس اسمه وهيئته ذاك "التائه" الذي يظنه الجميع بأنه يهودياً. ربما ما من التباس بهذه القوة: المثقف العربي بات هو ذاته "اليهودي التائه".
عالم المقاهي والحانات والكحول والكتابة، "مجتمع المثقفين" العرب المقيمين في المهجر الباريسي، عالم المال الاعلامي العربي هناك، عالم المشردين ومحطات المترو، والمدافن، والحدائق العامة. وما من معاناة او دموع أو شكوى وتذمر... مجرد سرد للوقائع وسخرية مضمرة وخفة روحية وبطل لا يفعل شيئاً سوى التهام الحياة كما هي، يعبها ويتنفسها ويتقبلها مستغرقاً مثلاً في تقنيات استعمال الجرائد لتدفئة الجسد في صقيع الشتاء الباريسي في محطة القطارات، مقتنصاً المتع، متخلياً عن أي أمان زائف، مغامراً بلا "بطولة" تقريباً.
بهجة كاملة لسيرة البؤس، ملحمة فردية قاسية، ومأسوية... بلا دموع ولا تأوه. بل نشعر بأن السرد هو قهقهة عالية وماجنة.
والتشرد والعوز هما الثمن للحفاظ على الحرية والحلم، كي لا يقع في فساد الارتزاق، فهذا الهارب من الادقاع الأخلاقي الذي تنشره الديكتاتورية في العراق، والطفل الذي يهرب من الفقر إلى تهويمات السينما، والصبي الهارب من أقلويته في وطن الأغلبية الغالبة والمتسلطة يتحول إلى مدمن لا انتماء ولا التزام، لا مع عمل ووظيفة ولا مع مكان ولا مع امرأة ولا مع لغة... بل ولا مع جسمه. يتحول إلى تائه ما عاد يطيق حتى أن يصحح للآخرين بأنه ليس يهودياً.
انه يهودي في الظن، سينمائي مؤجل، عربي ناقص، آشوري الى حد ما، فلسطيني في لحظة، عراقي "خائن"، مسيحي بلا كنيسة، كاتب بالصدفة، متشرد يملك الشقق والحانات كأمير فاسد، تمتد حياته ما بين ياسر عرفات وروبرت دونيرو، يسرد لنا مفارقات اليومي العجائيبة، بقدر ما يروي بصيغة الحلم أصدق الوقائع الهذيانية الطابع (في بيروت ينجو من الاعدام بسبب جدال سينمائى بينه وبين الجلاد. في باريس يلتقي بسائق تاكسي ينقل أموات في رحلات ليلية، ينقل له رسالة من صديق فرنسي، قتل في بيروت، فيتعرف على قبره في المقبرة المقابلة لفندقة).
نص لاهث، مفعم بالفكاهة والمرارة، حيث القسوة والأسى يتحطمان في سياق المرح العنيد. راو لا يكل عن الركض في ماراتون خرافي، مخلفاً وراءه الازدراء العميق والصامت ازاء بلاد العروبة، حيث التخلف والفساد والتزلف والكذب والرياء والجهل والتعصب والكبت... ومخلفاً وراءه كل حذلقة وتشاطر، عارياً حتى بلاطة الرصيف، متجرداً حتى ركن بارد في محطة قطار.
وقد تكون رواية "عراقي في باريس" رواية عن المثقفين... لكن، ويا للمفاجأة، ممتعة، مشوقة... خالية من "تصفية الحسابات"، بلا أحقاد وضغائن. انها على الأرجح بيان تسامح، وحجة للهو ولإعلاء شأن الخفة الانسانية، بنص هو على شبه أن يكون بمذاق النبيذ، حلو ومر وحرّيف ومنعش ومعطّش ولاذع وسلس.
وأميل إلى الظن أن هكذا رواية، تضفي على ملحمة المنافي العراقية (والعربية) قيمة أدبية انتظرناها طويلاَ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.