شكّل حدث 14 شباط 2005 صدمة كبيرة الارتجاجات والارتدادات في الثقافة اللبنانية ولغتها. بغتة، يكتشف المثقفون اللبنانيون في لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وعبر قتل جسده وحضوره، أن هدف القتلة هو القضاء نهائياً على الفكرة اللبنانية.
كان هذا مفاجئاً. القتلة وهبونا الوضوح أخيراً: رفيق الحريري كان يمثّل لبنان ـ الفكرة المستقبلية. هذا الوضوح الذي كان مفتقداً الى حد كبير في نظرة المثقفين الى مشروع رفيق الحريري السياسي ـ الاقتصادي، وفي موقف الحريري من الثقافة وأهلها.
من الصعب تجاهل تأنيب الضمير، لكن من الأجدر القول أن المثقفين أدّوا خلال السنة المنصرمة قسطاً مهماً في معركة الحرية، دماً وحبراً. وكان هذا أيضاً مفاجئاً. فما كانوا يعتبرونه شأنهم وحدهم، قضيتهم التي لا يناصرها أحد، كان ثمنها دم الحريري ذاته، "غريمهم" التقليدي منذ أن برز على المسرح السياسي، رجل مال وأعمال ثم رجل سلطة.
على الأرجح، لن يعترض أحد بعد اليوم على تحول رفيق الحريري الى أيقونة لبنانية، وإلى رمز يدخل الذاكرة الدرامية للبنان الحديث. لن يجادل أحد بعد اليوم باستثنائية هذا الرجل. لن يتردد أحد في القول أن مقتله كان حدثاً تاريخياً.
على هذه الخلفية، سعى الشاعر يحيى جابر في تأليف سيرة شعرية بعنوان "بيانو من أرقام: رفيق 14 شباط". وإذ وسمها المؤلف بأنها "شعر ـ رواية" فذلك ليس قائماً على الالتباس، بل على تداخل القصد والأسلوب، فالكتاب يسرد سيرة، ثم يحيل هذه السيرة الى مادة شعرية.
يكتب يحيى جابر "ها أنذا يا رفيق، أبحث عن أرشيف أنفاسك، لأدوّنك، أخرجك من وثيقة الوفاة، وبالحروف نفسها أكتب وثيقة لولادتي". أي أن الكتاب، إذ يتوسل سرد حياة وموت رفيق الحريري، يسرد، في الوقت نفسه، "سيرة" المؤلف الشاعر. إنه اللقاء الرمزي بين يحيى جابر ورفيق الحريري، لا للتغلب على الغياب العنيف فقط، بل تعويضاً عن الافتراق المديد الذي حكم العلاقة بين الحريري والشاعر في زمن غياب لبنان واغترابه عن ذاته:
"لم أصافحك يوماً، بأي يد أكتبك
لم أجالسك، كيف أحاورك، بأي لغة أحبّرك
لم أجاورك، كيف تقيم بي، تسكنني وأسكنك؟".
يقول يحيى جابر ذلك، وبصيغ مختلفة، على امتداد كتابه، كأنما في محاورته لحياة الحريري وموته يصوغ هويته، ولغته (سياسة وثقافة). ولا يتردد الراوي ـ الشاعر في تصعيد هذه المحاورة الى حد أن يتقمّص صوت رفيق الحريري، ويتوحد فيه، فيصبح النص مكتوباً بضمير المتكلم "أنا رفيق الحريري". يكتب جابر تخيلاً، وباستفاضة رحلة حياة الحريري من بساتين صيدا الى أرض السعودية الى بيروت الى يوم 14 شباط. يكتب أيضاً، تخيلاً، ما تقوله الزوجة نازك لحبيبها القتيل، ويكتب حتى رفيق الحريري في ما يقوله بعد موته. إنما أيضاً كل هذا هو، الى حد كبير، السيرة المتخيلة ليحيى جابر نفسه، طالما أننا هنا إزاء حياة وطموحات وأحلام لبنانية فحسب.
يجمع يحيى جابر في ممارسته للكتابة بين ميول واشتغالات عدة من أجل إنجاز "بيانو من أرقام". فشغفه بنسج المشاهد الدرامية يتقاطع مع حرصه الدائم على تشكيل سينوغرافي مسرحي لهذه المشاهد. ثم أنه يعمد باستمرار الى مقاربة السرد الروائي، قدر المستطاع، داخل التأليف الشعري، كما أنه لا يتورع عن الاستفادة من وضوح فن المقالة الصحافية وإيقاعها البرقي والخبري. والأهم، هو هذا الشغف العنيد بالغرف من المتداول الشفوي اليومي، ومن دون اقتصاد.
ونزوع جابر للتحرر باستمرار من الأشكال الأدبية ومحاولاته الدؤوبة لتخطي حدود الأنواع الفنية، والقفز فوق فوارق الأساليب التعبيرية، يجعله واحداً من المواهب القليلة التي تستطيع المغامرة الى أبعد من المتوقع، لكن في الوقت نفسه هناك دوماً في المقابل تحفّظ كبير من النقد تجاه مغامراته، وربما لهذا السبب نلاحظ تمنع أهل النقد (حتى في المساهمات الصحافية) على مقاربة نصوصه. فمن الصعب على القراءات المتحفظة أن تجاري اندفاعاته وتجاربه ومقامراته باللغة وبالأسلوب. موهبة كبيرة محيِّرة، هذا لسان "صحافة الأدب" تجاه نصوص يحيى جابر، التي هي متولدة من نوازع سينمائية ومسرحية وروائية (وحكواتية)، لكنها في جسم شعري وفي قوام قصيدة.
هناك ملمح أصلي في كل كتابات يحيى جابر: الدراما، وثمة اصرار منه على ابراز قيمة الكوميدي أو التراجيدي في كل جملة وفي كل عبارة. لديه حس "الغروتسك" (التطرف في التعبيرية) أولاً. ويسعى في كل قول الى انتزاع الدمعة أو انتزاع الضحكة. ولع دائم بالمفارقات وولع في لصق كل فعل بضده. وهو على طول الخط تصويري بنفس حكواتي مستفيض ونهم، حتى لتبدو كل قصيدة عنده وكأنها سيرة حياة من الولادة الى الموت.
مقابل هذا، ثمة ميل عمومي الى اعتبار الشعر نصاً متقشفاً، مرهفاً، اختزالياً، رصيناً، متخففاً من الانفعال. أو هو كابت للنوازع العاطفية، واقتصادي، بخيل، مترفع. وبهذا المعنى يتحمل يحيى جابر وزر المواجهة، في لحظة اعادة النظر بتعريف القصيدة وبالشاعرية، بل وبحدود الأشكال التعبيرية المضطربة. فهو يشكل اليوم نموذجاً جيداً للاشكالية المطروحة حول "وظيفة" الشعر (والكتابة). فالحظر على القصيدة السياسية بات ساقطاً، والحظر على الارث الشفوي بات ضعيفاً، والحظر على السرديات والغنائيات بات غير مقنع في الوقت الذي نجد فيه قصائد ليست ببعيدة عن لغة المقالة أو لغة الموسوعة أو لغة الفهارس، أو حتى لغة البحث الفلسفي.
لا مانع إذاً، ان يتوغل يحيى جابر كيفما شاء في مسالك الكتابة، من زاوية الكاريكاتورية الى المسرح الشعبي، الى السينما التعبيرية السوداء، الى مونتاج الفيديو كليب، إلى التسجيلية الشفوية، وصولاً الى القصيدة الحديثة وأصوليتها الصارمة. لا مانع أيضاً عنده من العاطفية ومن المباشرة السياسية فهو حريص على حريته وعفويته وعلى خلطته التي تلم عناصر نصوصه من مقالع متباعدة، ومتنافرة.
يكتب يحيى جابر بحماسة من أجل الوصول الى نص كلي. ولهذا السبب، فان طموحه الملحمي يجعله مندفعاً الى جعل كل كتاب مضمراً لسيرة مفتوحة من المهد إلى اللحد، وبلغة رشيقة، مرحة، حتى ولو كانت في سياقات تأريخية ودرامية. وهو بذلك يتشبه بأكثر علامات الكلاسيكية بروزاً: المعنى الكامل، الحكاية الملحمية.
لا شك في ان ذلك يرتب وزراً هائلاً على جسد قصيدته، التي تبدو في أغلب الأحيان (منذ كتابه الثاني "الزعران" 1991) راكضة الى خارج جسمها، أو كأنها مبنية من حجارة حطام مسرح، وقطع نيغاتيف سينمائي، وصفحات منتزعة من مخطوطات منسية، ومن تلافيف روايات ومرويات يومية.، لكنها مبنية ببراعة واتقان، حتى ولو كان هذا التهجين يبدو للكثيرين مدوّخاً.
في كتابه "رفيق 14 شباط" يطرح الشاعر على الطاولة مجدداً، اشكالية الأدب والسياسة بوصفهما ممارسة واحدة لفن القول والحياة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.