مجدداً في الكنيسة ذاتها التي شيّعت سمير قصير، ثم شيّعت جورج حاوي.. نشيّع جبران تويني. لقد باتت كنيسة الشهداء، كنيسة مار جاورجيوس، قاتل التِنين عند خليج بيروت.
هنا في هذا الفضاء البيزنطي، أمام المذبح المشعّ بالأيقونات وتحت رهبة صور الملائكة والقديسين، وبجانب الأعمدة الثقيلة، التاريخية، كنا مكتنفين بالسواد والغضب، ناظرين الى السقف حيث مشهد لقيامة لعازر، مبتغين للبنان قيامة مماثلة، مستنجدين بمخلّص جديد، مناشدين في قلوبنا المرتجفة، أن يأتي مار جاورجيوس ليقتل التِنّين الجديد، الذي ينفث في وجوهنا الموت والنار.
وبحضرة الموت، كانت رؤوسنا تنحني متوهجة بنعمة الرجاء، حزينة إزاء طيف اليأس المراوغ. كنا هكذا كورود سوداء ذابلة، مرتجفين أمام التوابيت المغلفة بالعلم اللبناني، نصفق كتعزيم عنيد لطرد الشياطين، لطرد صرخات الفاجعة من صدورنا.
إنه نهار "النهار"، وقد بددت التراتيل أنّات الثكلى، فيما الضوء يتسرّب رماحا من نور لتصرع شبح الظلمة في عيوننا. وفيما الكنيسة، كمعجزة، صارت أوسع من عِمارتها. صارت هي كلَّ ساحة النجمة، كلّ شوارعها. وصارت أيضاً "ساحة الحرية" كنيسة سقفها السماء ومبنى "النهار" مذبحها.
لم أعرف من هوَ الشيخ المسلم الذي وضع كتفه حاملاً نعش جبران الى داخل الكنيسة، لم أعرف أن التصفيق البكائي كان يشتعل لأخت الشهيد، بهية الحريري. لم أعرف أن التصفيق الساخط، العنيف، الغاضب والأقوى كان لرجل التحدي وليد جنبلاط. لم أعرف أن تصفيق الحب كان لمروان حمادة. لم أعرف أن التصفيق الدامع كان للأب غسان تويني... لم أعرف كيف صارت نائلة عاصفة حياة. لم أعرف أن لبنان يسمع وجع كلمات سعد الحريري ويردد بلا كلل قسم جبران تويني كوداع بهيّ.
لم أعرف ما الذي حدث أمس، في بيروت، ما بين كنيسة مار جاورجيوس وكنيسة مار متر.. لم أشهد كيف كان اللبنانيون العزّل، الجميلون، يحملون أمواتهم الى الغياب. لم أر شيئاً، لا الحُلم ولا الكابوس، لا الحزن ولا الألم.
يوسف بزي








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.