8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بيروت العائدة "بجرعات كبيرة"

ماراتون بيروت "مننطلق من جديد" الذي جرى الأحد الماضي، في يوم مشمس وناصع الالوان، كان مشهده التفاؤلي والاحتفالي سياسياً بامتياز وثقافياً بالتأكيد.
الحدث الرياضي الحاشد (17 ألف مشارك)، الذي حضره رئيس الوزراء وبعض أصدقائه من الوزراء والنواب مشاركين بالركض والهرولة سعياً للخفة وللروح الرياضية الابتهاجية. هذا الحدث بمشهده الرائق وشعاره "من أجل ميّ شدياق" (الجريحة من محاولة اغتيال) يندرج في محاولة تشبه سؤال سولجنتسين، كما عرّبه وضاح شرارة، عن روسيا. فنقول انها محاولة "على أي وجه ندبّر لبنان".
في يوم الماراتون العالمي هذا، كان لبيروت موعد مسائي مع مهرجان الأفلام الوثائقية الدولي الذي امتدت عروضه على مدى ستة أيام عُرض فيها أكثر من ستين فيلماً من مختلف دول العالم، لجمهور معظمه من الشباب.
ثم اشتعلت بيروت بالمواعيد الثقافية الكبرى. معرض "إقرأ بالفرنسية وبالموسيقى" الفرنكوفوني هو الأضخم حتى الآن. ويأتي هذا العام بحشد من الكتّاب الفرنسيين وزملائهم من اللبنانيين... وتحية حارة لسمير قصير، وندوات وحفلات موسيقية وتواقيع كتب ومحاضرات. والمشهد هذا "رسالة" فرنسية للبنان ما بعد 14 آذار: العناية مستمرة والرهان كبير.
في الوقت ذاته، البعثة الثقافية البريطانية تستضيف ورشة تدريب مسرحي ما بين ممثلين ومخرجين لبنانيين وبريطانيين وعرضين مسرحيين في الصنائع، في المبنى ذاته الذي كان يشغله "الأمن العام" اللبناني. إخلاء أمني وحضور ثقافي... برعاية بريطانية.
"زيكو هاوس" الذي كان قد انتهى من مهرجان "فنون الشارع". هذا المهرجان الذي صدم بيروت بيافطات لأشعار لوركا، وبالنزول الى الشوارع والساحات والميادين مع العروض الأدائية والحركية والتمثيلية... يستضيف الآن المعرض التجهيزي لفصيح كيسو، الفنان اللبناني ـ السوري، المغترب في أستراليا.
المركز الثقافي الاسباني، بالتعاون مع المعهد السمعي البصري في الجامعة اليسوعية، أقام أسبوع سينما دون كيشوت (سبعة أفلام قصيرة، وسبعة أفلام روائية).
مجلة "زوايا" الثقافية الشبابية، اختارت بيروت لجملة نشاطات وعروض وندوات على مدى ثلاثة أيام، حيث الفنون الجديدة والتعبيرات الشبابية تحاول بلورة وسائطها ومؤسساتها وشبكة تواصلها عبر بلدان العالم العربي وشبابه وفنانيه.
وابتداء من 17 تشرين الثاني، ينطلق أسبوع "أشغال داخلية" الثالث: عروض، معارض، كتب، أفلام، محاضرات، ندوات، فنون فيديو، وفنون تشكيلية وأكثر من 160 شخصية ثقافية من العالم وممثلي متاحف عالمية ووسائل اعلام ومؤسسات ثقافية دولية، ومفكرين عرب وأجانب، وفنانين من جنسيات مختلفة في "مسرح المدينة" (السارولا سابقاً).
عدد المؤتمرات التخصصية يكاد لا يحصى هذا الشهر، واللافت منها مؤتمر "الاعلام والعلاقات الأوروبية ـ الشرق أوسطية"، بحضور خبراء من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والنمسا، إضافة الى العرب منهم.
في هذا الوقت بدأت التحضيرات لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب، وموسم الكتب الجديدة. وهناك باستمرار حضور متواتر للفرق الموسيقية الأجنبية، خصوصاً موسيقى الجاز. وبالتوازي مع هذا كله، أجندة واسعة لجامعات الكسليك واليسوعية والأميركية لنشاطات ثقافية ومؤتمرات، فيما البعثات الأجنبية (الاسبانية، الألمانية، الفرنسية وحتى الايطالية) تكثف من أعمالها وبرامجها الثقافية داخل مراكزها وخارجها.
وراء الجمعيات المدنية التي تعنى بشؤون الثقافة والفنون، يتزايد الدعم والتمويل من المؤسسات الأجنبية، ويمكننا أن نحصي أكثر من عشرين ممولاً دولياً للفنون والمؤتمرات وورشات التدريب.
فالتغير الذي أصاب المزاج السياسي منذ 14 شباط الماضي، ترجم نفسه في الحقل الثقافي، بعودة قوية وحضور أقوى للتعاون المحلي ـ الدولي، خصوصاً مع الدول الغربية. فالحماسة الأوروبية الأميركية، الرسمية منها أقل من القطاع الخاص، تجاه بيروت كمركز للحضور في المنطقة ومكان للالتقاء بالعربي ـ الاسلامي باتت اليوم في ذروتها بل وتنبئ بالمزيد والتوسع.
بمعنى آخر، هذه الحماسة هي هجوم سياسي يلاقي ما ذهب إليه اللبنانيون في أقل من عام واحد. اذ ان تعبير اللبنانيين عن توقهم لاسترداد مشروعهم الديموقراطي والليبرالي في هذا الحيز الصغير من الشرق الأوسط، و"انتفاضهم" السلمي من أجل الاستقلال والحرية والتشبث بالقيم التي قام عليها لبنان ـ الفكرة، كان لا بد أن يلاقيهم فيها العالم المعولم.
لكن في اللحظة التي يبدو فيها لبنان مرتداً الى جماعات وطوائف وعصبيات متنابذة أو مسلحة أو خارجة على الدولة، ويبدو فيها لبنان مهدداً من الداخل ومن الخارج، وتتقاطع عليه الممانعة الايديولوجية ـ العروبية ـ الاسلامية، والالحاح الأميركي على قلب كل شيء والاطاحة بكل شيء، والمطالبة الدولية بتغيير كل شيء... تظهر بيروت كمدينة ـ جزيرة، حيث "الحوار" الخفي، الثقافي أولاً، والسياسي أخيراً، بالقدرات المحلية وبالمال الأجنبي، وبالمبادرات الفردية وبالدعم المؤسساتي. وفي هذه المدينة حيث تشتبك اللغات والأفكار والفنون علناً، وبقوة الصورة التلفزيونية ووسائل الاعلام المسموعة والمكتوبة، وبهدير المطابع وأصوات المنصات والمنابر وبلاغة الشاشة وأثر المسارح... يحدث "تدبير" للسياسة وللمدينة ـ الدولة، اذا صح التعبير. فعلى هذا "الوجه" تقوم الآن السياسة التي سعى إليها الشباب نفسه صاحب ساحة الحرية.
وهذا يتم بشراكة لا لبس فيها بين الدعم الأجنبي ومؤسساته الخاصة والمشاريع المحلية. وهي "شراكة" سياسية بامتياز على النحو ذاته الذي نراه ما بين برنامج 14 آذار والارادة الدولية.
وربما كان هذا رد بيروت على الاستعراضات الميليشياوية هنا، وعراضات المبايعة الطائفية هناك، وعروض الحرائق الاقليمية هنالك والتهديدات الارهابية في كل مكان. بل ربما هذا هو اقتراح بيروت للشرق الأوسط، بتفاؤل مفرط لا تؤيده البصيرة السياسية.
بيروت "المشتعلة" فنوناً وثقافة، والمحتفلة بالحياة من الحمرا الى فردان الى وسط المدينة ومونو والجميزة ورأس بيروت، ومن "البيال" الى "مسرح المدينة" الى الصالات المتناثرة والقاعات المتكاثرة... ليست عاصمة للبنان الجماعات والزعامات، بل هي عاصمة لفكرة مهددة بالاغتيال.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00