8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

متن السياسة المبعثر في الهوامش وأنحائها

قالوا له بعد أن حطموا مشروع اعادة البناء والاعمار: "حسناً، يمكنك الآن ان تترك لنا السياسة والاستراتيجيا. ولتأخذ أنت الاقتصاد". ثم إذ تبين ان الاقتصاد كله سياسة، عمدوا إلى مصادرته مجدداً وخطفه.
هكذا، انتهت السياسة في أقبية المخابرات، وذهب الاقتصاد إلى "بنك المدينة".
بعد النهب والاختلاس جاء الافلاس، ثم انتهت السياسة في الجريمة، ووقعت "الاستراتيجيا" كلها في حفرة السان جورج.
اليوم، إذ خرجت ارادة اللبنانيين من الزنزانة، فان سياسة جديدة لم تظهر في ميدانها وشوارعها. لم تترجم "انتفاضة الاستقلال" نفسها في لغة جديدة وفي دولة جديدة وفي سلوك سياسي جديد.التغيير ما زال بعيداً عن متناول اليد. هل تذكرون "الثوابت"؟ إنها ما زالت قابعة كالكابوس. لم يتغير شيء في المشهد الرديء سوى اعادة توزيع للعناوين، ولم نفتقد سوى "عنجر": "الجنرال" ميشال عون في الرابية، "الرئيس" إميل لحود في بعبدا (ما زال في بعبدا؟!) "الحكيم" سمير جعجع في الأرز، "الزعيم" وليد جنبلاط في المختارة "الأستاذ" نبيه بري في عين التينة (وعلى المنصة أيضاً)، "السيد" حسن نصرالله في ضاحية الاستعراضات (مكان الإقامة سري)، "النائب" سعد الحريري في باريس ـ جدة (قريطم غير آمنة حتى الآن).
انها سياسة الجزر فوق خريطة ممزقة من تلال وقصور.
وفي هذه الأثناء يمكننا أن نلحظ "القائد" أبو العينين في الرشيدية، و"المناضل" أحمد جبريل في البقاع الغربي، و"الآمر" منير المقدح في عين الحلوة (وخلفه "المجاهد" أبو محجن"). يمكننا أن نلحظ سليمان فرنجية في محميته الزغرتاوية، و"أمير" التوحيد في طرابلس، و"شيخ" الأحباش في زواريب برج أبي حيدر. ويمكننا بعد أن ننبش معسكرات ومحميات أضيق وأصغر تؤدي إلى سراديب ودهاليز وشقق وحارات مقفلة... وكلها تود أن تأخذ الاقتصاد كله والسياسة كلها. وهي جميعها "لا تمس السيادة والاستقلال، بل حريصة عليهما أشد الحرص!".
وعلى الرغم من أن رئيس الحكومة يتسلح بمجموعة من القرارات الدولية (1636.1595) وهو مدعوم بالأساس من اتفاق الطائف ودستوره، ومحمي من قبل مواطني 14 آذار، ومسنود من قبل حكومات العالم كله (ولنكتفي بفرنسا وانكلترا وأميركا ومصر والسعودية على سبيل المثال لا الحصر). رغم ذلك، إذاً، فهو حتى الآن أضعف من أن يسترد بستاناً من مقاتلي "القيادة العامة" وأعجز من أن ينفذ بنداً في قرار دولي أو يضع بنداً من اتفاق الطائف موضع التطبيق. لا لقصور ذاتي، ولا لعوز في الجرأة والحزم، بل لأن الدولة التي يمثلها ما زالت وهمية أو مخطوفة.
لم تتمكن الخيبة منا بعد، لكنها تقترب. تأجيل المؤتمر الاقتصادي لدعم لبنان يتناسب منطقياً مع تأجيل التغيير السياسي. الحرص الطائفي على الرئاسة سيكون ثمنه الاقتصادي باهظاً. تماماً كما الحرص القومي على الوصاية كان ثمنه "باريس1 " و"باريس 2". هذا الوضع أقل شأناً وبريقاً من معادلة "هانوي ـ هونغ كونغ" لكنه أشد سوءاً.
لم نقع في اليأس بعد، لكنه بات على مرأى منا. فمن أجل "مزارع شبعا" ليست لنا حدود. ومن لا حدود له تتحول سيادته إلى معابر لتوزيع الأسلحة والعتاد والعبوات الخ. وعلى هذ المنوال نبتكر في القاموس السياسي كلمة "حوار"، وتترادف مع "الزعبرة" والاحتيال والمماطلة والتسويف والتأجيل. أي باللغة الاقتصادية: شيك بلا رصيد.
ويمكننا، والحال هذه، ان نتصور أي ميزانية للدولة اللبنانية ستكون، وأي ضريبة سيدفعها اللبنانيون.
ربما نجح السنيورة في نيويورك، لكن للأسف نجح إميل لحود في بيروت، وانتصر أحمد جبريل على اللبنانيين جميعاً، وتأمل في المشهد نبيه بري مبتسماً، وسخر ميشال عون من الجميع، واطمأنت الطوائف جميعها إلى خنادقها. وبجدية نقول ان كل المسافة التي قطعها اللبنانيون منذ شباط 2005 وحتى الآن، قد نضطر إلى التراجع عنها والعودة إلى الحال التي كنا عليها. طالما أن لا حلّ سيادياً لبنانياً للسلاح الفلسطيني. ولا حلّ وطنياً لسلاح المقاومة. ولا حلّ عابراً للطوائف لمشكلة الرئاسة. ولا قبولاً وطنياً للمساعدة الدولية.
المحرج حقاً، أن يكون للمجتمع الدولي "أجندة" اصلاحية اقتصادية سياسية متكئة على طموحات 14 آذار ومنسجمة تماماً مع الشعارات التي رفعها المواطنون والنخب السياسية، في الوقت ذاته الذي يبدي فيه اللبنانيون تردداً متعاظماً ازاء الانخراط في تنفيذ هذه "الأجندة"، كما لو انهم يخلفون موعداً وراء موعد ضربوه هم بأنفسهم مع العالم، خاسرين أكثر وأكثر اقتصاداً وسياسة وسيادة واستقلالاً... والأفدح خسارة ثقة الأصدقاء والأشقاء دفعة واحدة.
ان اللبنانيين الذين بدوا "أمثولة" في لحظة ما، كقدوة للتغيير والحرية وتحقيق النموذج، ها هم الآن كمن يعتذر عن هذا الدور ويتنازل عنه، منسحبين نحو خسارة من دون أن يدفعهم أحد. كأنهم يعتذرون عن وحدتهم، ويعتذرون عن اجتماعهم وتلاقيهم... راكضين نحو معتزلاتهم وقوقعاتهم.
نتيجة ذلك، تقف حكومة "الأغلبية" وحدها، كأقلية مهزومة، كل مشاريع قراراتها وكل خططها السياسية مؤجلة، أو موضوعة على الرف، خاضعة لابتزازات متعددة، ومساومات كثيرة أقلها أن لا تكون حكومة فعلية.
فوق هذه الخريطة الممزقة إلى اقطاعات متنابذة أو متهادنة يبدو لبنان كأرخبيل يستحيل جمعه في أرض واحدة.
وإذا تذكرنا ان لبنان يقع في الشرق الأوسط، أدركنا أي خيارات مرعبة قد يذهب اليها بعيداً عن الفرصة التاريخية التي يوفرها له المجتمع الدولي، إذا ما استمرت جماعاته هكذا، ممتنعة عن الاعتصام بالدولة وبالكيان.
ان يتخلى اللبنانيون عن ساحة الحرية من أجل ملجأ الأهل، وأن يتخلوا عن دولة الرفاهية من أجل بقشيش المحاصصة، وان يتركوا الجمهورية من أجل الغيتو، فهذا احتمال وارد... وعليه فلتكن أي وصاية، فهذا ما سيجلبه اللبنانيون على أنفسهم.
ان الوقت ينفد، وموعد تسديد الدين قريب جداً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00