8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المهمّ الآن أن تنتصر المقاومة على نفسها

في صيف العام 2000 ساير حزب الله الخطاب السياسي السوري مسايرة عمياء، ومن غير تردد، فتبنى القول بأن "الانسحاب الاسرائيلي من طرف واحد" من جنوب لبنان هو انسحاب غير مقبول، بل هو بمثابة "مؤامرة اسرائيلية لفك وحدة المسار والمصير". ومع حزب الله ذهب ايضاً رئيس المجلس النيابي إلى أبعد من ذلك. فاستباقاً للانسحاب رفع الاستاذ نبيه بري شعار "المقاومة لتحرير الجنوب والجولان" تهديداً ووعيداً للاسرائيليين كي يفهموا أن الانسحاب لن يجديهم نفعاً ومن الأفضل أن يبقوا حتى تتم "الصفقة الكاملة" بين سوريا واسرائيل... وان استلزم الأمر بقاء الجنوب أرضاَ مشتعلة.
ولم تُعتبر هذه "المكيدة" الاسرائيلية المتمثلة بالانسحاب نصراً وانجازاً تاريخيين إلا بعد أن فرض ايهود باراك هذا الانسحاب كواقع لا رجوع عنه، ضارباَ عرض الحائط برغبات القيادة السورية وتمنياتها.
تلك التجربة، هي عينة من أمثلة كثيرة، عن مساوئ الامتثال لاملاءات الخارج، وتقديم مصالح هذا الخارج على مصالح الداخل.
وحال الامتثال هذا، يعود اليوم مع مشكلة سلاح "الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" وشقيقاتها من المنظمات التابعة للادارة السورية، فيقدّم حزب الله اعتبارات تلك الجماعات، التي ارتضت أن تكون أداة للـ "الحرتقة" على اعتبارات المصالح اللبنانية وارادة اللبنانيين.
فالدفاع عن السلاح الفلسطيني، خارج المخيمات وداخلها، هو على الأقل اهانة متمادية لأهل الجنوب وللذاكرة الجنوبية، بقدر ما هو اساءة ممعنة للشعب الفلسطيني نفسه. فهذا السلاح الذي لا وظيفة له (سوى النيابة البائسة عن الجيوش السورية المستكينة على الحدود)، جر الويلات على لبنان وقرى الجنوب تحديداً، ولا الفلسطينيون ينسون ولا اللبنانيون الشيعة خصوصاً ينسون الاقتتال الوحشي والمدمر في ما سمي بـ "حرب المخيمات" تحت شعار "لا للعودة إلى ما قبل 1982". بل أن "حركة أمل" والشيعة عموماً الذين ذاقوا الويلات من السلاح الفلسطيني الفالت كانوا الأكثر حماسة لالغاء "اتفاق القاهرة" المشؤوم وللانقضاض على آثاره وتبعاته. فكيف يبادر حزب الله اليوم لتبني تلك الأكذوبة التي تقول ان شراذم مسلحين، بائسين ومتبطلين تحركهم أجهزة استخباراتية فاسدة "ستحرر" فلسطين. بل وكيف فجأة تصبح العودة، إلى ما قبل 1982 منتهى الغايات، والهدف الأسمى؟
الأخطاء من هذا النوع تتكرر، وبسبب الامتثال ذاته. فشعار "شكراً سوريا" بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، المرفوع يوم الثامن من آذار، كاد أن يُفقد الحزب كل التعاطف والدعم والتأييد التي حظي بها من غالبية اللبنانيين، واستلزم جهداً هائلاً واستثنائياً من الحزب ومن أمينه العام، كي يتجاوز آثاره السلبية والخطيرة التي كادت أن تؤسس لفتنة. فلماذا يبدو الحزب اليوم قريباً من الانزلاق إلى خطأ أفدح وهو يهيئ جماهيره للاستخفاف بتقرير ميليس أو حتى للتشكيك فيه تمهيداً، ربما، لرفضه. ثم لماذا الامتعاض من ترسيم الحدود؟ أهو الخوف ان يكون مصير المزارع كمصير الغاز لدير عمار.
وبين البندقية ـ الرمز المهداة إلى رستم غزالي وبندقية أحمد جبريل وصحبه، ثمة خوف على بندقية المقاومة.
فهذه البندقية التي استحصلت على الشرعية الدولية وامتلكت حقها القانوني في الوجود لا يجوز لها ان تبدد مشروعيتها عبر التحاقها المتهور بجماعة الانفاق والسراديب والمعسكرات "المهربة" إلى ما وراء ظهور اللبنانيين.
لقد كانت ثكنة فتح الله (التابعة لحزب الله) ثمناً من أثمان فرض الوصاية المخابراتية على بيروت. وفي ذاكرة حزب الله أمثلة كثيرة من هذا النوع. ولهذا السبب عليه مسؤولية كبرى الان في تبديد مخاوف اللبنانيين وشكوكهم، طالما انه يبث الكثير من الرسائل التي فحواها "بيدنا قرار الحرب والسلم". فحتى لو أخذنا هذا الأمر بأنه ليس تهديداً ولا ابتزازاً، يحق لنا أن نتساءل: أليس في ذلك تحدياً لمعنى الدولة والكيان؟ أليس هذا التعبير يعاكس ارادة اللبنانيين بالاستقلال وبناء المستقبل؟
وأبعد من ذلك، فاذا ما حوّلنا الهمسات إلى كلمات، نتساءل، بصدق وغيرة: ان حزب الله بجهازه الأمني أثبت تفوقه مرات عدة على إحدى أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم: الموساد، وأفشل الكثير من عملياته، وسجل انتصارات استخباراتية في هذا المجال في لبنان وخارجه، وكان له نفوذ واضح على مفاصل ومداخل الحدود البرية والبحرية والجوية وهو ايضاً "مشتبك" مع الأجهزة الأمنية الأخرى، تنسيقاً وتعاوناً وتبادل معلومات.
لماذا، إذاً، يبدو اليوم هذا الجهاز المهم والقوي (بغض النظر عن شرعية وجوده من عدمها) متقاعساً، على الأقل، بمساعدة اللبنانيين على درء مخاطر مسلسل التفجيرات والاغتيالات التي روعتنا طوال الأشهر المنصرمة؟ فاذا كان اختصاصه أمنه الذاتي فحسب، وأمن "الضاحية" و"الجنوب" فقط فليعلمنا بذلك بوضوح وصراحة. فهل ما يمنعه عن المكاشفة هو الاحراج المتأتي من الاعتراف بوجود "دولة حزب الله"؟
بالتأكيد، كان انضواء الحزب تحت سقف الطائف ودستوره، خطوة ثقيلة خطاها بجرأة وألم، لكن الأهم من ذلك برأينا، هو أن يقرر التخلص من عادته القديمة: العض على جرح الآخرين، وان يتحمل وزر خطايا حلفائه "الاستراتيجيين" اكان ذلك عبر الحدود الايرانية العراقية (على الضد من ارادة شيعة العراق!؟) أو عبر الحدود السورية اللبنانية وصولاً إلى فلسطين. فهذا الوزر انما يقع على كاهل لبنان أولاً وأخيراً. وهو الوزر نفسه الذي جلب الويلات الى ارض الجنوب تحديداً. واستباح لبنان منذ العام 1969 ساحة للحروب بالوكالة والنيابة. واذا كان اللبنانيون اليوم، باجماع تاريخي اسلامي ـ مسيحي، يرفضون أن يكرر التاريخ نفسه بغباء قاتل، فمن غير المقبول أن يورط حزب الله نفسه في هذه المهمة الانتحارية.
بهذا المعنى، نعم انتصرت المقاومة على الاحتلال، لكن المهمة الأصعب هي أن تنتصر هذه المقاومة على نفسها... كي لا يتحول السلاح إلى مهنة وإدمان على طريقة أحمد جبريل وبقية الأزلام. وهذا هو رهاننا حتماً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00