نزل شبان المنظمات الطلابية إلى ساحة الشهداء، غداة محاولة اغتيال مي شدياق. وجاءهم أيضاً زملاء شدياق الإعلاميون. وانضم الى هذا التجمع، الذي يُفترض به أنه من جمهور 14 آذار، جمع من الذين يُفترض أنهم يمثّلون جمهور 8 آذار.
هذا المشهد "التوحيدي" يبدو أنه جاء بقرار سياسي، أو تنفيذاً لإرادة الطبقة السياسية التي دأبت في الآونة الأخيرة، على تسويق فكرة "آذار واحد".
هذا "التوحُّد" الرمزي بين جمهورين، كان في ذاك المساء بائخاً ومائعاً وباهتاً. كان عبارة عن تكتلات مرتبكة. يرسم الإحراج بينها خطوطاً وهمية وحدوداً "مهذّبة". كانت الابتسامات صفراء ومجعلكة وتافهة.
كان التجمع الذي يراد منه التعبير عن "الوحدة الوطنية" عبارة عن تجاور لقماشات ممزّقة غير صالحة للستر، والأسوأ من ذلك أن هذا الذي يسمى "رصّ الصفوف" (بحسب رطانة قديمة وسائدة) جعل الجموع فاقدةً سماتها وعلاماتها. فلا هي "حيوية" 14 آذار هنا، ولا هي "نظامية" 8 آذار هناك.
كنا ننظر الى كائن اصطناعي أشوه، ومغلف بفلكلوريات "الوحدة الوطنية" الساذجة. كما لو أن الطبقة السياسية التي أرادت هذا التوحّد، كانت ضمناً تُضمر الإطاحة بالـ"آذارين" معاً. إذ مَنْ قال إن التوافق (وهو سنّة اللبنانيين) يقتضي طمس الاختلاف، ونفي الألوان، ومحو الفوارق. التوافق يقتضي طرفين أو أكثر، بل ويقتضي أن يحفظ كل طرف منهما طرفيته، لا أن يبتلع أحد الطرفين الآخر.
ما جرى في ساحة الشهداء مساء الإثنين الماضي في 26 أيلول، هو حفل تكاذب فادح. وهو ليس خارج سياق السياسة الجارية في هذه الأيام، بل نموذجها وعيّنة منها. وقد نتج عن هذه السياسة تشظّي تحالف 14 آذار، فيما باتت قوى 8 آذار حزباً واحداً قوياً، وهو على الرغم من أقلّويته وهزيمة خياراته، على وشك مصادرة كل التواريخ الممتدة من 14 شباط إلى 14 آذار.
بمعنىً آخر، إن الممثلين السياسيين لـ 14 آذار يقدمون مجاناً وبسهولة فائقة كل السلطة التي منحتهم إياها الأغلبية الشعبية إلى الآخرين. وتحت عنوان "التوافق" وشعار "الحوار" لا ينخرط هؤلاء الممثلون في مفاوضات، إنما يتطوعون لنمط آخر هو "تلبية المطالب". وهذه الأخيرة هي لائحة متكاملة تنص على التخلي عن روح 14 آذار وخطابه بالكامل.
في ذاك المساء، كانت الشلّة المتّشحة باللون البرتقالي (التيار العوني) تنظر بحذر إلى الشبان المتّشحين بالأخضر (حركة أمل)، وتتجاهل عمداً وتبتعد عن حَمَلة الأعلام الاشتراكية. فيما صبايا "القوات اللبنانية" يرمقن الكتلة السوداء (فتيات "حزب الله") بنظرة فضولية صامتة كما لو أنهم إزاء مشهد إكزوتيكي.
أما كتلة حزب الله المتراصّة، فبقيت هكذا متراصّة، تشارك بسلوك مَن يراقب عن بعد. تتقدم قليلاً صوب تمثال الشهداء ولا ترفع صوتاً. شعور مضنٍ بالوحدة والانعزال هو على الأرجح ما كان يستبدّ بإناث حزب الله، اللواتي وجدن أنفسهن غريبات ليس معهن أحد من "فتيات" لقاء "عين التينة" المنقرض (هل نسيناه أم تناسيناه؟).
بدورها كتلة العونيين، كانت في وضع حرج أيضاً. فعلى الرغم من "القرابة" المسيحية التي تجمع العونيين بـ"القوات اللبنانية"، بدوا هذه المرة لا يتجاذبون أطراف الحديث، ولا يتشاركون في هتاف واحد، ولا حتى يخالطون بعضهم بعضاً كما في الأيام الآذارية. ناهيك عن استنفارهم وريبتهم من كتلة الشبان الاشتراكيين، وتجاهلهم التام لوجود أمل وحزب الله. فكانوا هناك فحسب في معرض المنافسة وتثبيت الحضور.
كتلة تيار المستقبل جاءت هاتفة، صارخة، نازلة من جهة التباريس إلى الساحة. تجمّع من شارات زرقاء وأعلام لبنانية بقيت طوال الوقت جسماً مستقلاً لوحده، قريباً من الاشتراكيين والقواتيين، لكن من دون اختلاط أو توحد.
المواطنون أيضاً كانوا هناك وبكثرة نسبية. لكنْ هذه المرة جاؤوا فاقدين الطاقة والحميّة والحماسة. كانوا هناك بدافع الحنين إذا صح التعبير. حنين يشوبه الإحباط. كانوا ينظرون إلى بعضهم بعضاً كما لو أنهم يريدون التثبّت من أن شعورهم بالمرارة هو نفسه بين الجميع، وليس فقط شعوراً فردياً لأيٍّ منهم. كان كل واحد منهم يريد التيقّن من أن ما جذبه إلى 14 آذار ما زال كامناً في نفوس أقرانه.
لكنهم أيضاً كانوا مستغربين هذا "التوحّد" بين الجمهورين العتيدين، التاريخيين. توحّدٌ في المكان وتمزّقٌ فاقعٌ في الجموع. وبسبب هذه المفارقة، كان المواطنون العاديون سرعان ما ينسحبون من الساحة خائبين، مستنكرين بصمت وانكسار.
على هذا النحو توحّد آذار اللبناني في أيلول. وإذا استعرنا لغة رئيس المجلس النيابي، يمكننا القول أن المشهد المستجدّ هذا كان بمثابة "سنونوة الربيع" التي ضلّت الطريق فشهدت على الخريف الكئيب وبشّرت به. هذه "السنونوة" الكاذبة هي الحقيقة السياسية الوحيدة التي تمخّض عنها "التوافق" اللبناني العتيد.
ربما ما حصل ليس نفاقاً، وربما ليس حفلَ تكاذب فقط. لكن ثمة ما هو أسوأ من مشهد ساحة الحرية الأخير، إنه المشهد السياسي العام الذي يبدو على غرابته ووقاحته كلوحة سوريالية بريشة رسام رديء.
هناك معضلة بين الجميع من جهة وحزب الله من جهة أخرى. لكن التحدث عن هذا الأمر شبه ممنوع أو هو "تابو". هناك مناكفة تصل إلى حد العداء بين التيار العوني من جهة والحزب التقدمي من جهة أخرى. لكن "لا يجب التطرّق" إلى هذا الموضوع. هناك حلف حقيقي (ينكره الجميع) بين حزب الله ولحود. وحلف لا نعرف ماهيته (يؤكده الجميع) بين حزب الله ووليد جنبلاط. وفي الوقت نفسه هناك عداء مستفحل بين لحود وجنبلاط: معادلة تشبه الاحتيال.
هناك "مساكنة" بين رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية، رغم انجاز كل معاملات "الطلاق": هل هذا حلال أم حرام؟
هناك القرار 1559 الذي يطابق اتفاق الطائف نصاً وروحاً (كفى تدجيلاً وزعبرة في التأويل). الكل يتنصل من الـ 1559 والكل يتمسك بالطائف: معادلة تشبه الخدعة.
الولايات المتحدة، رسمياً، هي "دولة صديقة". أيّ كلام آخر هو مجرّد رأي، وجهة نظر، أو حتى ترّهات إيديولوجية. نحن نعيش في دولة ولسنا أعضاء في حزب واحد. هل يجب إعطاء دروس بالأصول السياسية والقانونية للذين يشاركون في البرلمان والحكومة، كي يكفّوا عن الظن أنهم فقط محاربو أميركا وكل ما هو أميركي. الثمانينات "وأمجادها" انتهت إلى غير رجعة.
ثم هناك القرار 1595. للتذكير فقط: هذا القرار ليس صادراً عن مجلس وزراء لبناني. وليس صادراً عن جبهة حزبية، وعلى وجه التعيين ليس صادراً عن الإدارة الأميركية، وبمعنى آخر، ليس مادة للسجال بين حارة وزاروب، بين مذهب وفرقة، بين طائفة وعشيرة. لا دخل لمزاج ذاك الزعيم فيه ولا لرأي ذاك الرئيس. ولذا فهو أيضاً ليس مادة للتسلية والترفيه في برامج الـ "توك شو" اللبنانية.
أخيراً، مع "توحّد" أيام آذار كلها في يوم أيلولي واحد، في مشهد السكاكين المخبأة خلف الظهور، يمكننا أن نتنبأ بمشهد أشد تنويعاً وإرعاباً سيتشكل في أواخر تشرين المقبل، حين يصدر التقرير الدولي ويعلن الحقيقة. حينها قد تلمع السكاكين أمام العيون بارزة مستنفرة منقضّة على بعضها بعضاً. وهذه المرة حبل الكذب سيكون طويلاً جداً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.