ما الذي يبقى من السياسة إذا حذفنا منها المادة السياسية؟ لا شيء. صفر. فراغ. صمت أجوف... ورجال سياسة جوف.
هذا هو بالضبط مطلب المعترضين (النظام السوري وما تبقى من أعوانه في لبنان) على العالم بأسره، إذا نظر الى جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بوصفها "جريمة سياسية"، وإذا استنتج من مسار التحقيق القضائي، واتجاهه، ونتائجه المتوالية، "دلالة سياسية".
هذا الاعتراض (وهو سياسي بامتياز) بدأ منذ لحظة التفجير، إذ استنكر أصحابه على الناس شعورهم بالصدمة، وحاولوا لجم انفعال المواطنين، معتبرين الجريمة مجرد حادث مؤسف يقع يومياً في أي مكان في العالم، وحاولوا حصرها بـ"عمل جبان ومدان"... و"هلم بنا الى قضاء بقية النهار كالمعتاد"، أما أقصى رد فعل مقبول فهو بحدود "عمل رذيل" وفاعليه في خانة المجهول.
ثم تحول الاعتراض في اليوم الثالث، يوم تشييع الحريري ورفاقه، الى امتعاض وتململ من هذا الحداد البالغ الذي اعترى أهل لبنان. بل وصار تقريعاً للبنانيين على حزنهم وفجيعتهم وانصرافهم عن عاديات حياتهم نحو الغضب والاحتجاج، فكان من أصحاب الاعتراض أن دعوا: "انتهت أيام الحداد الثلاثة... لنعد الى السياسة".
طبعاً، المقصود بـ"السياسة" هنا، ليس ممارسة النسيان فحسب، بل نفي الذاكرة أصلاً (لنتذكر هنا أيضاً محاولة طمر الحفرة)،. وإذا أمكن، تصوير الجريمة كما لو أنها خلل مناخي، أو شجار عائلي.
أصحاب الدعوة الوقحة، غداة الجريمة، لـ"العودة الى السياسة"، يستميتون الآن في دعوتهم الى ترك السياسة! ويلحون بكل جوارحهم، على عدم تسييس التحقيق الدولي.
لكن ما هو التحقيق الدولي أصلاً، إن لم يكن قراراً سياسياً اتخذته أعلى مرجعية سياسية دولية؟ وما هو التحقيق القضائي ان لم يكن بحثاً وتحرياً في الدوافع (الدوافع أولاً) والوقائع السياسية؟ وما هي هوية الموقوفين على ذمة التحقيق ان لم يكونوا رؤوساً لشبكة نظام عسكري ـ استخباراتي ـ بوليسي، وطاقماً لسلطة قابضة على الحياة السياسية برمتها؟ هل كانوا فتيان كشافة أو جمعية لرعاية الأيتام؟ وما هي علاقة هؤلاء الموقوفين، بصفاتهم الرسمية، مع أركان النظام السوري وممثليه في عنجر إن لم تكن سياسية واستخباراتية: هل كان الأمر مجرد تجارة حلوى؟
ثم ان ديتليف ميليس وفريقه من المحققين الدوليين، الحريصين على سرية تحقيقهم وتكتمهم الشديد، لم يحتجوا ولم يعترضوا على أي قول سياسي في عملهم، الذي ظهر منه حتى الآن استجوابات وتحريات لا تحصى تستهدف حصراً مدنيين سياسيين وعسكريين سياسيين: هل ميليس يستجوبهم عن حياتهم العاطفية؟
ولنعد الى الضحية أصلاً: هل مات بذبحة قلبية؟ هل كان على خلاف مع رئيس دولة بوتسوانا؟ هل كان شخصاً مجهولاً، غفلاً لا يتعاطى بالشؤون العامة؟ وبالتالي لا يجوز التفكير، بأن موته تحقق بأمر سياسي وبرغبة سياسية وبقرار سياسي؟
ما معنى هذا الاصرار الديبلوماسي على حصر التحقيق ونتائجه بالفحوى الجنائية فقط، وعلى النحو التالي: مجرد شلة من الأوغاد قتلوا شخصاً بالصدفة. نسرد الفعل الجرمي، نثبته، نحاكم هذه الزمرة على نزوتها العابرة، وانتهى الأمر.
الذين يبدون غيرة على سرية التحقيق وحياديته، وعلى فصله عن أي معطيات سياسية أو منع أي قراءة في معنى الجريمة، يقولون لنا ان واحداً زائد واحد هما واحد زائد واحد. انسوا تتمة المعادلة. لا يخطر على بالكم القول: 1 + 1 = 2. وفي هذا السياق يودون إقناعنا أن لا المقرر قابل المنفذ ولا المنفذ أمر معاونيه، ولا المعاونين فعلوا فعلتهم. ومن الافضل الاستئناس بنظرية الخلل الميكانيكي، أو لنستكين لنظرية "القضاء والقدر".
لا مسؤولية سياسية عن الفعل الارهابي. هذه هي تماما الفحوى التي وصل إليها ذكاء هؤلاء. ذكاء يطالبنا ويطالب التحقيق بتمثيل دور الاغبياء الذين ستحل عليهم الطمأنينة والغبطة فور حل اللغز التالي: الانفجار وقع فوق الارض أم تحت الارض؟ أما لماذا ومن؟ فهذه أرض حرام، باب فتنة ونافذة مؤامرة .. ابتعدوا عنها.
لكن في المقابل، وبخطأ "استراتيجي" ـ اذا صح التعبير بواسطة مفرداتهم ـ يقول أصحاب نظرية "التحقيق الجنائي المجرد": "انهم يحاكمون العروبة ان هم اشتبهوا بنا او استجوبونا". اذاً، هم يصفون انفسهم ليس كأفراد أو أشخاص عاديين. انهم رموز وأصحاب شأن وخطاب وعقيدة وهم ايضا ممثلو سلطة أو سلطات سياسية. وإن يستهدفهم التحقيق فهو يستهدف ما يمثلونه حكماً.
هكذا باعلان سياسي فاقع ينقّضون ليس على فريق التحقيق بل ويستبقون كل نتيجة تصدر عنه. وبهذا المعنى يسيسون التحقيق في اللحظة نفسها التي يطالبون بها الآخرين بعدم التسييس. هذا ذكاء موصوف بالحماقة المتمادية. هذا غباء مقرون بالوقاحة.
ومن صور هذه الوقاحة، التي تصل إلى درجة البورنوغرافية السياسية، هذا السعي المزدوج، في الايام الاخيرة، للترويج لنظريتين متلازمتين، الأولى: لا يجوز تحميل السلطات السياسية ـ العسكرية مسؤولية اغتيال الحريري حتى ولو ثبت ان كل الأشخاص الذين دبروا الجريمة هم انفسهم الذين يتولون كل مناصب تلك السلطات .
والثانية: ان اعصار كاترينا الذي ضرب ولاية لويزيانا الاميركية وأحرج الرئيس جورج بوش هو المسؤول المباشر عن الضغوط التي يمارسها الاميركيون على رموز النظام الأمني في لبنان وسوريا.
هاتان النظريتان، البارعتان، افدح من سابقاتهما كمثل "إن تمت تبرئتنا فالتحقيق لا غبار عليه، وإن تمت إدانتنا فالتحقيق مؤامرة مدبرة". أو كمثل القول "تعاونا أو لم نتعاون، ان كنا أبرياء أم كنا مذنبين.. هم يتربصون شراً بالأمة العربية" أو حتى كمثل نظرية "لجنة التحقيق نزيهة ومحترفة ولا شك في حياديتها ومهنتيتها، لكن نتائجها غير مقبولة سياسياً".
الكارثة المناخية في أميركا نتج عنها سياسة معادية لسوريا، واغتيال الحريري ـ في هذا المنطق ـ مجرد غيمة صيف عابرة، صاعقة سقطت قرب فندق السان جورج.
لندع التحقيق والقضاء جانباً، في السياسة لا يلزمنا سوى اقتناع الرأي العام بفكرة ما، حتى تصبح هذه الفكرة واقعاً قائماً. وعليه، يتوجب على أي سياسة مضادة ان تنقض تلك الفكرة بفكرة معاكسة. هذه هي ابجدية اللغة السياسية ويومياتها. الصواب والخطأ يقعان في نطاق الأخلاق لا في ميزان الرأي العام.
فاذا كان الشعب اللبناني متمسك بادانته للنظام السوري وحلفائه من اللبنانيين كمتهمين بكل الاغتيالات والتفجيرات، فهذا في السياسة له قوة القانون، المسؤولية المعنوية والأدبية، على الأقل، هما بمثابة ادانة. والمسؤولية السياسية هنا، الرضوخ للنتائج.
على كل حال، من قال إنهم أهل سياسة أصلاً. فهم فعلاً لا يستحقون سوى ان يكونوا في لائحة المشتبه بهم في تحقيقات جنائية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.