انه الموت وحده الذي "يتنفس" في العراق. انه الفكرة الحقيقية الوحيدة التي تضيء سماء بغداد بلا توقف. الموت بوصفه الخيار الوحيد المتاح امام الجميع، والذي يصنع اليوم والغد، كما لو انه "الدستور" السيد والنافذ. انه الحال والفعل، أو هو الناظم والمسيطر، يتحرك ويحدث ويحضر دون حاجة لسياسة أو ارادة أو رغبة أو حتى حرب. موجود هكذا في التراب والهواء والماء والنار. حاضر في الصورة وخارجها، كامن ومتحقق كما لو انه الثواني والدقائق والأيام كلها.
نحو ألف قتيل سقط في بغداد، في يوم واحد متصل الأحداث، وفي موقع واحد ممتد من "جسر الأئمة" وحتى "مرقد الكاظم". ألف قتيل دفعة واحدة: "قسم من القتلى سقط في انفجارات وقسم آخر توفي غرقاً بعد انهيار الجسر وقسم ثالث مات مسموماً بعد ان تناول مواد غذائية مسمومة"، حسب قول وكيل وزارة الصحة العراقية، يضاف اليهم ذلك العدد الكبير من القتلى الذين توفوا سحقاً تحت الأقدام.
قد يقال انه يوم كربلائي بامتياز، أسود ومرعب، خيم على مئات الآلاف من الشيعة العراقيين الوافدين الى مرقد الامام الكاظم في ذكرى مقتله. هذا يماثل القول الديني "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء"، يماثلها كالنبؤة عن عراق اليوم. الموت في حضرة الموت، الموت يحضر على الذين يحيون ذكرى ميت جليل كإستجابة مروعة من التاريخ. إستجابة مميته وبفعل قدري، لا يمل من تذكير العراقيين بكربلائهم المتجددة. الموت غدراً وقتلاً وسحقاً وغرقاً. أنواع الموت كلها "تحتفل" بحياة العراقيين وأجسامهم. أعمار مقصوفة باستمرار، مباغتة ومتواصلة كلعنة ميتافيزقية تخترق أمكنة العراق وناسه.
مجزرة بلا فاعلين حدثت يوم الأربعاء الماضي. بات الموت لا يحتاج حتى لقتلة. يحدث هكذا كسقوط من السماء. لم يلزم لهذه الكارثة سوى شائعة واحدة سرت بين الحشد. الشائعة "أبلغتهم" بالموت تفجيراً فهربوا منه الى موت آخر: دهساً أو اختناقاً أو غرقاً أو سقوطاً من علٍ أو حتى من تسمم غذائي.
حتف جماعي كانتحار لا إرادي. حيث الهرب من الموت يؤدي ايضاً الى الموت. قدر بائس ولا يُصدَّق ككذبة هائلة وعبثية.
الموت يتكاثر في العراق لا بالارهاب وحده، بل من الاعتياد عليه ومن الاستسلام له. خسارة الحياة تحدث كطقس وطني، أو ككرنفال شيطاني. سلطة الارهاب مؤكدة لا بكثرة أعماله ومنفذيه، بل لأن أهل العراق باتوا متيقنين من أن لا صاد ولا مانع لجبروته. باتت شائعة كافية ليحقق هدفه. يقول "إرتهبوا" فتأخذهم الرهبة الى الموت. صار الخوف حاكماً وصارت الرعية تذهب جماعياً الى الموت خوفاً. هذا هو الاقتراع الجنوني الذي يجعل الارهاب سلطة مطلقة ومنتصرة.
لم يعد الارهاب المشتعل على طول الأرض العراقية، يحتاج سوى أن يرسل خبراً حتى يهرع ضحاياه المحتملون الى الموت. طلب النجاة لا يفضي في العراق إلا الى مفارقة الحياة.
وتحت وطأة كل أنواع الموت، الذي بات هكذا شائعاً سائداً ويومياً واعتيادياً، لا يفعل العراقيون الكثير أو هم ما عاد بمقدورهم مغالبة أقدارهم الدموية، طالما أن الخوف وحده ما يسيرهم، وطالما أن عراقيين كثرا (ويعاضدهم رفاق لهم في المعتقد قدموا من بلاد أخرى) ما عادوا يعرفون سوى القتل والارهاب اسلوب حياة وطريقة تواصل مع الجميع.
الهول ما عاد من الموت، بل من أرقامه، نرى كيف أن الناس لا تلتفت كثيراً للجثث، لا ترتعد فرائصها من مشاهد المجازر وبقع الدم والاشلاء. حتى أن كارثة الألف قتيل لم تغير من وجهة الحشد ونيته في الوصول الى مرقد الكاظم وممارسة طقوسه وشعائره، التي ويا للمفارقة مكرسة لقتيل تاريخي، هو جزء من ملحمة دموية تحتل حتى الآن المشاعر والذاكرة الجمعية لأهل العراق.
لا يبقى من كثافة الموت العراقي، الكثافة الثقيلة والهائلة سوى السخافة أو اللامعقول التافه والسخيف: مشهد مراكمة الأحذية وتجميعها.
وفق أي عادة أو طقس أو معتقد يتم هذا الفعل بعد كل مجزرة عراقية؟ نرى في مكان المذبحة أكواماً من أحذية الضحايا. بشر لا يبقى من أثرهم شيء سوى الأحذية. لا أثواب ولا متعلقات شخصية، ولا صورهم ولا أثر من حياتهم سوى الأحذية. هذا الفعل الغرائبي، الذي يحيل الأحذية الى رمز للموت ودلالة على الأموات، يشكل اليوم إهانة موغلة للحياة.
الموت في العراق اليوم ليس كربلاء وليس عاشوراً ولا قدراً إلهياً ولا حتى ارهاباً إجرامياً، انه فحسب التفاهة التي يمثلها الحذاء.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.