8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ميليس والتقرير وأحوال الحُفْرة..

إنه صباح يوم الجمعة، وجه من حقيقة الجريمة، التي أودت برفيق الحريري، يظهر مع التقرير الاجرائي للجنة التحقيق الدولية. زوجتي على وشك السفر الى أميركا. الخوف من الحقيقة والرغبة فيها في آن يأخذاننا الى التشاؤم قبل الظهر والى التفاؤل بعد الظهر. أهمس في أذن الزوجة المغادرة غداً الى نيويورك: تدبري وظيفة هناك. فالبلاد من بغداد الى بيروت مروراً بدمشق قد تذهب كلها الى الحفرة. ثم أعود وأبوح لها: لا مبرر للهجرة، أميركا آتية إلينا، لتشيلنا من الحفرة.
ملايين البشر الذين يعيشون هنا تختزل الحفرة مصائرهم وذاكرتهم وتواريخهم. فمن الحفرة التي اختارها صدام لنفسه الى الحفرة التي اختاروها لجسد رفيق الحريري (لا داعي للمقارنات الساذجة) تمتد حياتنا وتترمز جغرافيتنا. ومن خيط الجريمة الى إبرة المؤامرة تتطرز يومياتنا وسياساتنا كستارة هائلة تُظلم علينا.
بدأت لجنة التحقيق الدولية عملها من الحفرة، وها هي تقول إنها ستعود مرة جديدة إليها. بدأت انتفاضة اللبنانيين من الحفرة، وربما تأتي الفتنة وتعيدهم إليها.
إنها الآن طريقنا. حفرة التراب والنار والدم والحديد والموت والألم، تبدو وكأنها أفقنا الوحيد، كأنها الامتحان الأخير.
الحفرة هي الحقيقة. لكن المفارقة أن النجاة هي في الذهاب الى الحقيقة والجحيم في البقاء بالحفرة. والمفارقة الأسوأ، ان من أحدث الحفرة أراد ردمها، ومَنْ ذهب ضحيتها أراد نبشها.
هكذا بات ديتليف ميليس، رئيس لجنة التحقيق الدولية سيد مصيرنا وعنوان قولنا. مَنْ أراد الزواج اليوم عليه انتظار نتيجة التحقيق التي سيتوصل إليها ميليس، مَنْ أراد بناء منزل أو إقامة معرض فني أو نشر كتاب أو الشروع في عمل وتجارة، ومَنْ يفكر في الهجرة أو البقاء، ومَنْ يريد أن يسرف في ماله أو مَنْ يود استثماراً، أو حتى انجاب الأطفال... عليه أن ينتظر كلمة ميليس الأخيرة التي سينتشلها من قلب الحفرة.
على الأرجح، ليس مصير موظفين كبار، وقادة ورؤساء على المحك فحسب، بل هو أيضاً مصير جسمنا القضائي، وهياكل دولتنا ومنظومتنا الأمنية، وقناعاتنا السياسية، وحتى ولاداتنا الحزبية أو الطائفية.
ليس مستقبل الكيان اللبناني وحده ما ستحدده تداعيات الحقيقة الصعبة التي سينطقها ميليس. فالنظام الحاكم في سوريا سيتدعم أو سيتداعى جراء تلك الحقيقة. ولنذهب أبعد من ذلك: مصداقية الأمم المتحدة، وصدقية الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. وصلابة الموقف الفرنسي الأخلاقي والسياسي. فكرة العدالة الدولية التي باتت عنواناً لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. والتي أتاحت للمرة الأولى إعلاء مبدأ "التدخل الانساني" على مبدأ السيادة القومية.
من حفرة الاغتيال قد نشهد للمرة الأولى في تاريخ المشرق الحديث تفوق السلطان الحقوقي القضائي على أي سلطان آخر. لأول مرة قد تتقدم العدالة على القوة ويرتفع سيفها أعلى من المسدس.
هذا تفاؤل مفرط، ربما. لكنه يستحق المجازفة والمراهنة عليه. بعد البلقان، الشرق الأوسط يحتاج لميلوسوفيتش آخر. وبعد أميركا اللاتينية تبحث بلادنا عن بينوشيه جديد أكثر جبناً وتفاهة.
ما بين الجريمة والحقيقة سنرى حفرة أخرى حيث يقبع المزيج المرعب من العسكريتارية والمافيا. ومن حفر الموت سنجد الفرصة لحياة جديدة تبدأ من رقم 14 شباط وتستمر مع رقم 14 آذار وتصل الى رقم ما في خريف بيروت المقبل.
سياسات من نميمة الآن، حزازات من شائعات الآن، زواريب جماعات وضغائن الآن. دوران عبثي حول الحفرة. مشاريع فتن ومشاريع حرب، مشاريع اقتتال ومشاريع صفقات. كل هذا نشاز وتشويش على ضابط الايقاع ديتليف ميليس.
ومع أنه مجرد قاضي تحقيق أجنبي، ها هو اليوم سيرسم قدر جيلنا والجيل الذي يأتي من بعدنا. في يده اليوم رقاب رؤساء وقادة وأسياد بلدان. هذا حدث يبتدئ منه تأريخ مفارق لتواريخ المشرق التعس.
في الأسبوع الماضي التقيت أحد الأقوياء من حلف "الموالين". حرج وصمت ورغبة في تبادل الأسئلة والحوار الديبلوماسي. أطرح سؤال الحقيقة. فيجيب: "انتهى الأمر. لم نعد مقتنعين بهذا البلد وسنذهب الى المواجهة وسننتصر". أرعبني، عقد لساني وانسحبت خائفاً.
قبل أيام التقيت أيضاً أحد أذكى المقربين من "الموالاة" وأكثرهم ثقافة وفطنة، وأيضاً دقائق من الحرج والارتباك. وما إن تبادلنا الكلام حول السياسة والجريمة والتحقيق حتى بادرني بالقول "كل ما يحدث الآن هو المسرح... وللتلهي. الحقيقة هي في الكواليس: لقد تخرج أمس 1500 مقاتل، والخير لقدام". بدت نبرته تبشيرية، مزهوة بما تقوله.
إنهم يبشروننا بالخراب، يهددوننا، يرعبوننا، كلما سألنا عن الحقيقة. ترهيب متصل: إما أن يكون الأمر لنا وإما الموت، إما سلطتنا وإما القتل. هذا لسان حالهم منذ انقلاباتهم الأولى وثوراتهم الأولى وأحكامهم العرفية الأولى و"بيانهم الأول".
أرجوك يا ميليس، ليس لدينا سلاح إلا كلمة "الحقيقة" فلا تبخل علينا بها.
حفرة بيروت، التاريخية حقاً، هي الآن البوصلة، وبعد أسابيع إما أن يستيقظ الناس ليقولوا "صباح الخير" بابتسامة ناصعة، أو أن يفيقوا صارخين "النجدة".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00