كنت في طريقي لاجراء هذا التحقيق حين شاع خبر تسهيل عبور الشاحنات بين لبنان وسوريا عبر نقطة المصنع ـ جديدة يابوس الحدودية، تاليا خبر تسهيل القوات الاميركية لعبور الشاحنات السورية بين العراق وسوريا.
وحدث هذا بالتزامن مع أخبار عن تشديد الاجراءات بحق الشاحنات الآتية من سوريا إلى الأردن.
في هذا الوقت، لا نعرف طبيعة سير الشاحنات عبر الحدود العراقية ـ الايرانية، والاردنية ـ العراقية، والتركية ـ السورية، والتركية ـ العراقية أو حتى الأردنية ـ الإسرائيلية.. لكن الشاحنات المتنقلة اليوم في هذا الاقليم الملعون تبدو وكأنها تختصر السياسات غير المفهومة وغير القابلة للقراءة ما دامت كواليسية وبوليسية، وما دامت هكذا اما ناكرة للكيانات الوطنية بالمطلق، وإما مذعورة متشنجة مستكينة فجأة لعصبيات وطنية تُنبش نبشاً من قبو الايديولوجيات المتأزمة.
عن ما يجري بين لبنان وسوريا، كانت هذه الرحلة ما بين ضهر البيدر وجديدة يابوس:
لم أجد سيارة "سرفيس" لتقلني إلى شتورة، ولا حتى سيارات "التاكسي". فالسائقون القلائل أخلوا الموقف باكراً ولم "يجدوا زبائن اليوم" كما قال الشاب الذي ينظم العمل في الكاراج.
الباصات الصغيرة (الانات) متوافرة، لكن عليها ان تنتظر طويلاً لتجد عدداً كافيا من الركاب، الذين باتوا قليلين هنا عند جسر الكولا، منذ ان غادرت اعداد كبيرة من العمال السوريين بيروت وضواحيها، ومنذ ان فترت حماسة اللبنانيين في الذَهاب إلى دمشق واجتياز الحدود، خصوصاً بعد اشتداد الأزمة الحدودية.
محطة شارل حلو أيضاً المخصصة للسفر المباشر بين بيروت ودمشق تشهد انخفاضاً حاداً في عدد السيارات والرحلات، فالسائق اللبناني أحمد قال انه كان قبل شباط 2005 يقوم أحياناً برحلتين في اليوم، والان يمر يومان من دون أي رحلة، وأحياناً يذهب إلى دمشق براكبين أو ثلاثة بدلاً من خمسة ركاب.
في الطريق إلى شتورة كانت الشاحنات ترافقني كالمعتاد، وهي الآتية من مرفأ بيروت ومن المناطق الصناعية اللبنانية ومن المستودعات التجارية المنتشرة في العاصمة وضواحيها، تبدو وكأنها مسرعة استثنائياً باتجاه نقطة المصنع، ما دامت اخبار اليوم (الأربعاء الماضي) تقول ان الحدود مفتوحة وإن هناك تسهيلات للعبور نحو سوريا.
اجتزت طريق المديرج ـ ضهر البيدر ولم الحظ سوى ثلاث سيارات من تلك المخصصة للسفر بين سوريا ولبنان، فيما كان شهرا تموز وآب في السنوات الماضية، يشهدان مئات السيارات العابرة يومياً للحدود. كذلك لم الحظ سوى باصين فقط من تلك الباصات السياحية الضخمة.
في العقود الأخيرة، ما بين المريجات وجديتا وشتورة، وبر الياس ومجدل عنجر والمصنع، أي من باب البقاع وحتى باب الشام، نشأت حال اقتصادية وأسواق ومصالح تجارية ومالية ضخمة تعتمد على انفتاح الحدود والعبور والتبادل والسفر بين لبنان وسوريا، وتحول هذا الشريط، ببلداته وقراه وطرقه؛ من الاقتصاد الزراعي الى الاقتصاد السياحي والتجاري. واذا كانت شتورة تاريخياً هي محطة الاستراحة. فهذه النواة توسعت على طول اكثر من 25 كيلومتراً من المحال التجارية والمصارف والمطاعم ومكاتب الخدمات والتسويق والترفيه.
ان اعتماد اهل تلك المنطقة، بما خص موارد رزقهم وعيشهم، على حركة التنقل والتبادل عبر الحدود، وارتباط مصالحهم بل وحتى علاقتهم الاجتماعية بدمشق ونواحيها، كان أكبر بكثير من اعتمادهم على بيروت.
في المريجات، داخل سوبر ماركت على الطراز البقاعي، اي الذي يحوي مطعم سندويشات وكافيتيريا لخدمة المسافرين والعابرين، كان عدد الزبائن يوازي ربع العدد المعتاد في مثل هذا الوقت من السنوات الماضية.
صاحب السوبر ماركت قال "ان قيمة المبيعات والحركة انخفضت بنسبة 70 في المئة.. حتى الخليجيون لم يمروا من هنا هذا العام".
بالنسبة إليه "هذه كارثة.. فنحن ما بين حزيران وآب فقط يكون لدينا عمل فعلي. إننا نعتمد على هذه الأشهر القليلة للتعويض عن السبات الشتوي. أعمالنا تختلف عن أعمال بيروت. نحن موسميون وكل أشغالنا تعتمد على الحركة بين سوريا ولبنان".
ويوضح حجم الكارثة بالقول إن لبنان ربما خسر العمال السوريين، ولكن البقاع خسر "العائلات السورية": فـ"السوريون ينفقون أكثر. الخليجيون سياحتهم في الجبل والعاصمة وإنفاقهم هناك. اللبنانيون لا يتبضعون من عندنا وإنفاقهم في محلاتنا لا يتعدى السندويشات والمشروبات. لكن السوريين يتسوّقون ويتبضّعون وينفقون بسخاء، فقط عندنا".
وبلغة مقتضبة ومباشرة يقول هذا التاجر "بما ان سوريا خرجت، وبما اننا صرنا أصحاب سيادة على أرضنا، لا شيء يمنع من قيام أحسن علاقات وتعاون مستمر وبكرامة مصانة للجميع.. الشعب السوري أطيب شعب. أنا ضد الممارسات بحق العمال السوريين وضد الإجراءات الحكومية السورية. أنا مع حق الجيرة. وكل ما يحدث هو ضد الشعبين. خذ مثلاً الآن: يمر العابرون ولا يشترون شيئاً، فاليوم عند الحدود تعمد الجمارك السورية الى مصادرة أي بضائع لبنانية".
على الرف، كانت الجرائد اللبنانية والمجلات الفنية على حالها، وغير مباعة. وفي الكافيتيريا لم ألحظ سوى سائق واحد مع عائلة مسافرة، ومسؤول فلسطيني وأسرته ذاهبان الى دمشق، والسكون مطبق على الجميع، أما موقف السيارات في الخارج فكان خالياً تقريباً.
في شتورة، كانت الحركة قليلة جداً والمحال شبه خالية. وبدل ازدحام المسافرين والعمال والمارة وضجة الأعمال، كان الهدوء ثقيلاً تحت الشمس الحارقة. أما الساحة الكبيرة حيث تنتشر عشرات محال الصيرفة وتبديل العملات فكانت بدورها تشهد حركة خفيفة، محلية الطابع.
ثلاثة محال للصيرفة دخلتها، وفي كل واحدة منها، كانت الجدران تتزين بصور حسن نصرالله وحافظ الأسد ورفيق الحريري وسعد الحريري وباسل الأسد وبشار الأسد ونبيه بري وآيات قرآنية، سوية متجاورة محتشدة على الحوائط وعلى زجاج الواجهات، كأنما زينة هذه المحال من الصور الكثيرة تحاول قولاً سياسياً يناسب الأهواء جميعها ويرضي القناعات كلها.
الصرّاف، المتديّن، الذي وضع يافطة تقول إنه متخصص أيضاً بـ"الطب العربي" والمداواة بالأعشاب نفى أي تبدل بالأحوال وقال "كل شيء على ما يرام" وأكد أن أعماله لم تتأثر أبداً وأدار وجهه وسكت كأنه يريد إنهاء الحديث ويودّ أن أغادر.
الصرّاف المجاور له تماماً كان أكثر ترحيباً، وهو اختصر المقدمات ووقف كأنه يصرّح لكاميرا تلفزيونية قائلاً: "عندما مات الحريري انقهرنا وحزنّا.. لكن لا بد أن تعود الحياة بين سوريا ولبنان. علاقتنا ومصالحنا مع سوريا والسوريين حتماً". وأكد أن "الأعمال انخفضت نحو 60 في المئة مقارنة مع السنة الماضية.. وإذا استمر الوضع هكذا سأغير طبيعة عملي".
عدا بيروت، ما من مكان في لبنان يتوفر فيه هذا العدد من المصارف وفروعها، كما في شتورة. فالبنوك وشركات التأمين متواجدة ومتمركزة هنا على مقربة من الحدود السورية بسبب وفرة المصالح المالية السورية التي تجد حاجتها في المصارف اللبنانية، إيداعاً وتحويلاً واعتمادات مالية.
ويمكن القول إن القطاع المصرفي في شتورة مزدهر جداً بالاعتماد على حاجات أهل البقاع، مزارعين ومغتربين وتجاراً، ولكن أيضاً بالاعتماد على الزبائن السوريين.
مساعد مدير فرع شتورة لأحد المصارف اللبنانية شرح وقائع الحال الآن بالقول: "في البداية، ما بين شباط ونيسان 2005 حصل سحب لبعض الودائع العائدة لزبائن سوريين، لكن الأمور عادت الى وضعها الطبيعي نسبياً". وبرأيه أن "العملاء السوريين لديهم ثقة كبيرة بالقطاع المصرفي اللبناني بغض النظر عن الأوضاع السياسية في البلدين".
وبسبب وظيفته واطلاعه على الحركة الاقتصادية لاحظ أيضاً أن "الحركة التجارية وصلت بالانخفاض الى حدود 80 في المئة بسبب حال القطيعة والخوف، لكن في الأيام الأخيرة بدأنا نلحظ تصاعداً معقولاً في حجم الأعمال التجارية والمالية هنا".
ويعتبر هذا الموظف أن العلاقات عبر الحدود تتعدى المصالح، فهي تقوم على الروابط العائلية والمصاهرة. أما في السياسة، وحسب رأيه، فإن "كل لبناني يطلب علاقات بين سوريا ولبنان تحكمها قوانين ترضي الطرفين وتكون متوازنة وعلى أساس معاملة الند للند".
ويضيف: "كاقتصادي، وبعيداً عن العواطف، ثمة حقيقة تقول إن أي خسارة في لبنان هي خسارة لسوريا. نخسر بالبضائع فيخسرون بالترانزيت، وهكذا دواليك".
وينهي بالقول: "لبنان لا يحتمل عدوين. لدينا عدو هو إسرائيل، فلا يمكننا بالتالي أن نعادي سوريا أيضاً".
اشتباك العلاقات اللبنانية ـ السورية هنا لا يمكن حصره بالشاحنات أو بحركة التنقل أو بالاستيراد والتصدير.
قطاع الهواتف الخلوية وخطوطها، يعبّر مادياً ورمزياً، تكنولوجياً وبشرياً، بالارقام وعبر الأثير عن مدى الترابط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، خصوصاً ما بين البقاع وسوريا، بغض النظر عن أي خلل سياسي أكان هيمنة أو قطيعة.
قبل خمس سنوات، قبل انشاء شبكات الهاتف الخلوي في سوريا، كان المواطنون السوريون يشترون من سوق بر الياس ـ شتورة خطوطاً خلوية لبنانية "كان الشغل نار" كما تقول البائعة الشابة. كل التجار والعمال والعائلات الذين لهم اقارب او صلات أو اعمال بلبنان كانوا يمتلكون هواتف نقالة وخطوطاً لبنانية لتسهيل تواصلهم وأعمالهم، أو حتى على سبيل التشاوف الاجتماعي.
ثم بعد أن باتت لسوريا خطوطها الخلوية، ازدهر ايضاً العمل في هذا القطاع، في السوق البقاعية. فاليوم، بحسب ما تقول البائعة، نجد الكثير من الزبائن يحملون هاتفين، أحدهما لبناني والآخر سوري. ويعمد تجار الهواتف والخطوط الى وضع "أنتينات" تقوية للبث سواء لتمديد التغطية الجغرافية للخلوي السوري أو اللبناني، عبر الحدود.
ومع هذا التمديد التقني، عبر الانتينات، يستطيع اللبنانيون المقيمون في البقاع استعمال الخطوط الخلوية السورية عبر شراء بطاقة "يا هلا" أو "أنا" الصادرتين عن شركة "سيرياتيل" السورية، وهي أقل كلفة من مثيلتها اللبنانية. فمقابل 11 ألف ليرة لبنانية تشتري بطاقة للتخابر بقيمة 40 دقيقة، في حين أن ثمن ذلك في الخط اللبناني يوازي ثلاثة أضعاف مثيله السوري.
بهذا التحايل التكنولوجي يشتبك الأثيران اللبناني والسوري، مبدعاً فضاء من التواصل يتجاوز فكرة الحدود والجغرافيا السياسية.
عند نقطة المصنع، كان رجال الأمن العام اللبنانيون يسيّرون الأمور كالمعتاد، لا ازدحام ولا معوقات غير طبيعية. الضابط المسؤول يبلغ حواجز الحدود أمراً بتسهيل عبوري نحو جديدة يابوس، من دون أي معالجة رسمية. كانوا يتصرفون، هذه المرة، على نحو جدي، كرجال عسكريين مناط بهم "حراسة الحدود". فمن بين عشرات المرات التي اجتزت فيها الحدود بين بيروت ودمشق، كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها رجال الجمارك ورجال الأمن العام يديرون الأمور بهذه الجدية والرصانة، اذ لم يعودوا يشعرون أنهم موجودون بمجرد مخفر، أو حاجز. انهم هذه المرة يدركون انهم مسؤولون عن حدود دولة، وانهم يتولون زمام الحركة توقيفاً أو تيسيراً، تفتيشاً أو تدقيقاً. فلباسهم وحركاتهم ووقوفهم ونظراتهم ونبراتهم، لم تش بالكسل أو باللامبالاة، بل كانت شبه "مستنفرة" ومرتبة وقوية الحضور. فثمة علامات يبثونها تدليلاً على هيبة جديدة ومكتسبة. هيبة معنوية، خالية تقريباً من الاستفزاز ومحتسبة بدقة، وهي بالضبط حسبما كنا نتخيلها برجال الحدود أو نراها في المطارات الأجنبية.
قبل وصولي الى المباني الجمركية في جديدة يابوس السورية بمئة متر، شاهدت من بعيد ارتال الشاحنات والسائقين الذين دوختهم الشمس الصيفية ممددين في الفيء القليل لظلال قاطراتهم يحتسون الشاي، فيما رجال الحدود السوريون منهمكون على ما يبدو بتفيتش دقيق مديد.
ما أن لمحت شرطياً سورياً على دراجته النارية متجهاً صوبي حتى استبد بي خوف غير مبرر، على الأرجح خوف لا مصدر له ولا سبب، فانعطفت بسيارتي مسرعاً نحو لبنان، مستغرباً هذا "الرهاب" الساذج الذي استبد بي ، قدر استبداد فكرة أن أكون الآن في مقهى الروضة بدمشق محاطاً بالاصدقاء أوجالساً في كافيتيريا برازيليا بفندق الشام.
هل اكتسبت "وعياً" حدودياً شقياً. هل اكتسبت تلك الحدود معناها الحرفي: نهاية الطريق؟
لا أعرف. لكني بالتأكيد، لست شاحنة تسير بعجلات سياسية وتتوقف بفرامل سياسية. لست سيارة تعبر بأوامر عسكرية اوتقف بايعازات استخباراتية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.