8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

خطيئة أن نأخذ الوليّ بالمولى

في أواخر التسعينات أشارت إحصاءات عدة إلى وجود ما بين ثمانمئة ألف ومليون عامل سوري في لبنان، وهو عدد غير طبيعي في بلد لا يتجاوز عدد سكانه من المواطنين المقيمين الأربعة ملايين نسمة على أبعد تقدير. ومن المعروف تماما ان تدفق هؤلاء العمال عبر الحدود لم يكن يخضع لا لطلب سوق العمالة ولا لأي نوع من التحكم والسيطرة من قبل سلطات الحدود اللبنانية. فهذا التدفق كان نتاجاً لثلاثة أمور متلازمة: الاستباحة السياسية والأمنية لسيادة لبنان من قبل الدولة السورية ومخابراتها وقواها العسكرية من جهة أولى، وتفشي البطالة المزمنة والمتفاقمة على نحو هائل في أصقاع سوريا وبواديها ومدنها وأريافها من جهة ثانية، وانطلاق ورشة الاعمار بعد الحرب في لبنان من جهة ثالثة.
تضاف إلى ذلك الاغراءات الناتجة عن التفاوت في مستوى الدخل بين لبنان وسوريا، ما يشجع حتى المزاولين أعمالهم في سوريا، والذين لا يعانون من البطالة أصلاً، على البحث عن عمل في لبنان.
وعلى الأرجح، كان ثمة قرار "استراتيجي" من قبل الدولة السورية، بضخ أكبر عدد ممكن من الشبان والرجال السوريين عبر الحدود إلى لبنان. وما حرصها العنيد على أن تكون وزارة العمل اللبنانية بيد "بعثي" أو "قومي سوري" سوى دلالة وافية على هذا القرار.
يمكن القول أن سوق العمل في لبنان منذ مطلع التسعينات استوعب، على امتداد عقد من الزمن، مئات الألوف من هؤلاء العمال، في مشاريع لا تحصى لاعادة الاعمار والبناء، واستفاد على نحو ملحوظ من العمالة السورية ذات الأجور المنخفضة (بالمقارنة مع مثيلتها اللبنانية).
وعليه، لا يمكن اغفال تعب العمال السوريين ومساهمتهم المهمة في انعاش الاقتصاد اللبناني اولا، وإفادة الاقتصاد السوري ثانياً. بل ولا يمكن إنكار حاجة لبنان لهؤلاء العمال، خصوصاً وانهم لا يشكلون منافسة ضارة في المهن التي يفضلها اللبنانيون ويسعون إليها.
كل هذا معروف ومفهوم، ولا علة فيه على الاطلاق لولا خطيئتين: العنصرية، والظلم السياسي.
سنفترض ان النظام السوري هو أحد أفضل الأنظمة السياسية في العالم، وهو حريص على مواطنيه وعماله أشدّ الحرص، ويسعى من غير كلل من أجل مصلحتهم داخل الحدود وخارجها من "القائم" إلى "المصنع" ومن الجولان إلى اسكندرون. وعليه سنتساءل كيف أن بلدا توازي مساحته اضعاف مساحة لبنان، ويبلغ عدد سكانه أكثر من أربعة أضعاف عدد سكان لبنان ولديه مساحات زراعية شاسعة وموارد نفطية وصناعية ومائية وبشرية، وامكانات طبيعية كبيرة تفوق امكانات لبنان اضعافاً عدة... ومع ذلك يجد مواطنه نفسه مضطراً للعمل في أي مهنة، مهما كانت وضيعة أو شاقة في لبنان، الذي عانى حرباً متصلة طوال 15 عاماً، وعانى حروباً متقطعة، ساخنة وباردة، وعثرات خطيرة طوال 15 عاماً أخرى، بل يفضل مئات الألوف من العاطلين والمتبطلين السوريين أن يمارسوا عطالتهم ويعيشوها في ضواحي بيروت، على ان يبقوا بعطالتهم في بلدهم.
بالتأكيد هذا ليس مردّه الى "تفوق" لبناني مزعوم، ولا علاقة له باختلاف أسلوب العيش وأنماط الحياة، طالما ان هؤلاء العمال لا يتذوقون من هذا الأسلوب وذاك النمط (اللبناني) سوى الحسرة والتعب. انما السبب، هذا الاعتقاد العنيد بأن النظام السياسي في سورية هو أفضل الأنظمة في العالم، وأنه لم يفشل أبداً لا في قراراته الاقتصادية ولا في إدارته لشؤون بلده المالية والتربوية والاجتماعية، وانه لن يحيد عن "صوابه" الاشتراكي.
هذا "الصواب" التاريخي حكم سوريا أربعة عقود ولبنان لثلاثة عقود، بإرادة حديدية صلبة، ولذلك فما وقع على المواطنين اللبنانيين وقع على اخوانهم من المواطنين السوريين، وما أصاب لبنان أصاب سوريا. هذا لا مفر منه. وإذا كان اللبنانيون قد "تمردوا" وامتعضوا من النظام السوري وأعوانه في الدولة اللبنانية، فإنهم ذهبوا في انتفاضتهم السلمية مذهباً حضارياً، وبرعوا في "ثورتهم" المدنية على أبهى صورها وأجملها في التاريخ العربي المعاصر.
لكن ثمة لطخة عار كبيرة أصابتها، فالعنصرية التي تبدت من قبل الرعاع والدهماء بحق العمال السوريين العزّل قتلاً وإيذاءً وإهانة، صدرت عن ثقافة عنصرية كامنة في المجتمع اللبناني، أكان ذلك تجاه اللاجئ الفلسطيني أو خادمة المنزل الآسيوية، أو العامل المصري أو السوداني أو الأثيوبي أو السوري. هذه العنصرية المقيمة في الوعي اللبناني، ظهرت بأبشع صورها في لحظة احتدام سياسي سوري ـ لبناني فوقع العمال السوريون ضحية لها، في أعمال خسيسة وجبانة، تشكل وصمة خزي على المجتمع اللبناني.
فاذا كان ثمة أذى مديد أصاب اللبنانيين، فقد كان مصدره النظام السياسي السوري وقواه المخابراتية والعسكرية. لكن الأذى الذي أصاب السوريين كان مصدره ليس الحكومة اللبنانية، بل اتى من قبل الشعب اللبناني، وهذا فارق جوهري.
من هذه الوصمة، استطاعت الادارة السورية ان تجد الوسيلة الجيدة لتعوض عما لحق بها من حرج بالغ ازاء شعبها طوال الاشهر المنصرمة، والاداة الفعالة للاقتصاص من "التمرد" اللبناني.
لا ينتقص من واقع عنصريتـ"نا" اختلاط الوجود السوري بين مدني مسالم وعامل نشيط وعنصر مخابرات بطاش ووضيع وجندي عسكري مرهوب الجانب بلا انضباط ولا قواعد سلوكية. ولا يقلل من فداحة هذه العنصرية، الأضرار البالغة التي سببها "الوجود" السوري طوال 30 عاماً. ولا يخفف من قبح الاستعلاء والتمييز اللبنانيين حقيقة الذل والمهانة والخوف التي سببتها المافياوية العسكرية والسياسية على امتداد الحقبة المنصرمة.
ان لطخة العار هذه، العنصرية المقيتة، لن تؤذي العمال السوريين والأجانب فحسب، بل هي في نهاية المطاف تصيب اللبنانيين في مقتل. فالنزوع العنصري والشوفيني سرعان ما يلتهم حامله، كمن يأكل بدنه، وهو نزوع ينتهي بصاحبه إلى خسارة شرطه الانساني.
ان تبادر وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية في سوريا السيدة ديالا الحاج عارف إلى الاعلان عن مقتل 37 عاملاً سورياً في لبنان وعن تعرض 150 عاملاً آخر للأذى الجسدي، فهذه مناسبة ليست للتمعن في النوايا السياسية السورية، ولا هي مناسبة للتمحيص الخبيث في دقة الأرقام، ولا هي مناسبة لتقديم جردة حساب لبنانية مضادة (وهي ضخمة على كل حال). لكنها بالتأكيد لحظة وقوف امام ما يخصنا نحن، أمام مسؤوليتنا المعنوية والمادية والثقافية إزاء ظاهرة العنصرية التي تسم ـ بلا شك ـ المجتمع اللبناني، أكان ذلك في نظرتنا إلى العاملات الاسيويات أو إلى أبناء المخيمات الفلسطينية أو إلى العامل السوري.
وهذه الظاهرة ليست أمراً يمكن اغفاله بحجة انشغالنا في سعينا للاستقلال والسيادة وبناء الدولة، فهي حتماً الترجمة المباشرة لـ"التمييز" الوطني الذي اسمه: الطائفية. فالسياق الثقافي والفكري الذي ينتج الطائفية ويديمها ويكرسها مبدأ للهوية، لا يفضي إلا إلى العنصرية بوصفها معياراً للتعامل مع الآخر.
ان الادعاء بانتمائنا إلى الثقافة الديموقراطية لا يتعايش مطلقاً مع ثقافتنا العنصرية والطائفية. وهذا هو "الاستحقاق" اللبناني بعيداً عن شعارات "الاخوة" و "العروبة" اللتين لهما الشأن الأشد فداحة في العنصرية من امازيغ الدول المغاربية إلى أكراد الدول المشرقية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00