مع اغتيال رينيه معوّض فتح باب الزنزانة ليدخلها سمير جعجع. مع اغتيال رفيق الحريري فتح باب الزنزانات ليخرج منها سمير جعجع. هكذا دُشنت مرحلة، وهكذا اختتمت مرحلة من تاريخ لبنان.
تاريخ السجن الذي عاشه سمير جعجع هو ذاته تاريخ احتجاز السياسة اللبنانية والاقتصاد اللبناني والاجتماع اللبناني في الزنزانة العسكرية، الفاشية الطابع.
كان الانتقام من سمير جعجع شديد القسوة، يوازي حقداً عميقاً على تاريخ الممانعة المسيحية، التي لم تخلُ بدورها من الخطايا الكبيرة. لم يتم الانتقام من "الحكيم"، الذي لم يكمل دراسته للطب، بسبب دوره الحربي، فهذا لم يكن موضع حنق طالما أن أعداءه أيضاً يريدونها حرباً مستمرة ويريدون الارادات متحاربة لأمد طويل، ويودون إطالة النزاعات قدر الامكان.
كان الانتقام منه، لأن حربه الأخيرة كانت من أجل "الطائف"، للوصول إلى السلم، ولأنه خرج سريعاً، وعلى نحو غير متوقع من لغة الفيديرالية والكانتونات إلى منطق حل الميليشيات والعيش المشترك "المتوازن" وبناء الدولة، فخلع بدلته العسكرية وتحوّل من قائد ميليشياوي شرس إلى رئيس حزب سياسي. وكل هذا فعله من دون إذن أو موافقة. هذا ما كان غير مقبول. وكان يجب تحطيمه كشرط أساسي لاختطاف الطائف وإخضاع الجميع. عوقب على صوابه الوحيد لا على خطاياه الكثيرة
كان يجب اغتياله رمزياً، عبر قتل مسيحيته أولاً وانتزاعه من كنف الكنيسة على أسوأ صورة ممكنة: تفجير كنيسة سيدة النجاة. وكانت الرسالة واضحة "لا نجاة ولا ناجين"، وقد فهمها الجميع.
كان يجب حرمان سمير جعجع حتى من البطولة والشهادة، مجرد جسم يذوي تحت الأرض، رجل ضعيف ينطفئ في عتمته، وماثل في مخيلة أقرانه من القادة والأمراء والساسة: عينة نموذجية لإنعاش ذاكرة من يفكر بالممانعة والخروج على الوصاية.
كان لا بد من سمير جعجع في أقبية فولاذية ـ إسمنتية باردة وموحشة، وكان لا بد من ستريدا وحيدة، منذور جمالها للوحشة، كبنيلوب الانتظار الكئيب والملحمي. وبين الحين والآخر كان لا بد من شاب رمزي عيراني مذبوحاً في صندوق سيارته، لكسر رأس الأمل، وكان لا بد من 7 آب بين حين وآخر لتحطيم عظام الرجاء.
كان المسيحيون يخسرون وكان المسلمون ينهزمون. وسرعان ما تحوّل "الطائف" إلى تهمة وذهب لبنان إلى المهانة.
سمير جعجع هو دافع الأثمان بامتياز، ابن بشري الورع دينياً وغير المتورع عسكرياً، دفع ثمن القرار الكتائبي بقتل طوني فرنجية متورطاً برصاصات الاغتيال العائلي كقائد كوماندوس (مافياوي الطابع)، ودفع ثمن قرار بشير الجميل ـ اسرائيل بالسيطرة على الجبل. فحمل وزر المذابح المتبادلة والخراب العميم والهزيمة القاسية. دفع ثمن ارتباكات وارتكابات الرئيس أمين الجميل من شرق صيدا إلى ضواحي بيروت الشرقية، ثم دفع ثمن "خيانة" إيلي حبيقة لمعسكره، وأيضاً كان عليه أن يدفع ثمن تاريخ التعامل مع اسرائيل. وكذلك دفع الثمن الباهظ لقرارات العماد ميشال عون الطائشة كلها حتى الآن. فمع الجنرال ذهب جعجع إلى تدمير ما هو أعز أمر عليه: "المجتمع المسيحي".
ما أراده من كل جوارحه، وما سعى إلى بنائه: كيان مسيحي قوي، اضطر أخيراً، وانساق إلى تدميره. خراب ذاتي ونهاية مدقعة.
المفارقة الدرامية ان الرجل العسكري الذي انهزم في كل معاركه، فاز فقط في الحب، لكن هذا الحب أيضاً كان يجب أن يتحول إلى تراجيديا، حيث الرومانسية تحترق في الفرن السياسي. وصارت ستريدا طوق جعجع "زوجة السجين"، الموقوفة على الحرمان. هذا الحب منع جعجع من الموت.
ربما كان قدر هذا الرجل النحيل، الأصلع، ان لا ينجز أياً من مهامه، فالمولود لعائلة فقيرة في ضاحية بيروت الجنوبية (الشياح 1952) لن يكمل دراسته للطب، والشاب الكتائبي لن يكمل سيطرته على حزبه، والقائد العسكري لن يرث من بشير الجميل الا نصف "القوات اللبنانية"، والرجل السياسي لن يصل إلى السلطة، والسجين الذي لن يكمل سجنه المؤبد، واذ يخرج اليوم لديه الفرصة مجدداً ليكمل زواجه وغرامه، وربما يؤسس بيتاً وعائلة بعد تأجيل مأسوي.
11 عاماً من العزلة والصمت والقسوة والكثير من القراءات الفلسفية والدينية. هذه الرهبنة العسكرية ـ اذا صح التعبير ـ أو هذا التصوف السياسي، حيث الروحانية تتكفل بنبضات القلب وضوء العينين وكهرباء العقل، ستكون خارج السجن كفيلة بجعله غريباً، مزعجاً كشعور دائم بالذنب، سيعود سمير جعجع، كآت من الماضي، بهيئة شبحية على الأرجح، ورغماً عنه سيكون بمثابة تذكرة بالغائبين الجدد والقدماء: جورج حاوي، سمير قصير، رفيق الحريري، وقبلهم كمال جنبلاط، بشير الجميل، المفتي حسن خالد، رشيد كرامي، رينيه معوض وغيرهم.
سيعود مكتسباً الحكمة، ربما، وبجسم عليل (رغم صحته الجيدة) ميالاً للتأمل، والصمت، ضعيفاً أمام الحب، ممتنا حتى لسجانيه، إذ انه اغلب الظن، استنفد قدرته على الحقد أو رغبته بالانتقام.
لن يكون خروجه مناسبة للاحتفال، رغم الحاحنا على هذا الخروج، بل سيكون مناسبة للكآبة العامة، مع طلته سنتذكر ذنوبنا وخطايانا ومآسينا الشخصية وكل الاثمان الباهظة التي دفعناها دماً ودموعاً.. وستنبعث ذاكرتنا الجمعية ككابوس لا ينتهي. وكأن العفو الذي منحناه لأنفسنا صار خطيئة إضافية اقترفناها في سبيل النسيان. فليس قائد القوات اللبنانية قديساً ولا أنداده الكثر الذين تملصوا من أي عقاب، ولا سجانوه الذين، بعد الحرب، اقترفوا بسجنه جريمة حرب أيضاً. العفو هنا على سوية الجريمة.
أمثولة سمير جعجع الأولى: إذا حذفنا الذاكرة لن ينقضي التاريخ ولن ينصرم.
أمثولته الثانية: الحب هو سيدة النجاة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.