8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رصاصٌ طائش.. رصاص موجّه

بادر موظفو المجلس النيابي لحظة انتخاب "الاستاذ" نبيه بري رئيساً للبرلمان اللبناني، للمرة الرابعة على التوالي، إلى اطلاق الزغاريد ورش الأرز، تعبيراً عن ابتهاجهم الحماسي بفوز زعيمهم بمنصبه مجدداً. فكان هؤلاء الموظفون يُظهرون ولاءهم المستديم للاستاذ الرئيس، وهم المفترض بهم أن يهبوا ولاءهم لسدة الرئاسة وحدها، وللسلك الرسمي المنخرطين فيه. ولكن بما أن هذا السلك لم يدخله من هم خارج دائرة المقربين والمحازبين والموالين، بدا هكذا امتداداً لنظام المبايعة والولاء الذي أرساه الرئيس نبيه بري داخل الطائفة الشيعية وداخل حركة امل وداخل مؤسسات الدولة والبرلمان.. دعامة وحيدة لزعامته القوية حيناً والواهنة أحياناً.
واذا كان هذا الحال غير استثنائي في النظام السياسي اللبناني، خصوصاً في جمهورية الطائف، فان مبادرة عناصر الأمن التابعة لمجلس النواب الى اطلاق النار في الهواء ابتهاجاً بالمناسبة ذاتها، بدت، هكذا، خروجاً عن الانضباط العسكري والتحاقاً بحال ميليشياوية، ربما ما زالت تدغدغ مخيلة من كان له ذاكرة وافرة من زمن الحرب. وحال حراس المجلس وعسكرييه المنقلبة في لحظة واحدة من الالتزام بالمسلكية الرسمية الى الانفلات الغرائزي الميليشياوي، في ممارسة تعبيرية نارية، وتخريبية... تدل ايضاَ على ان الكثير من الأفراد العسكريين يهبون ولاءهم ويبذلون سلاحهم ورصاصهم لـ"الزعيم" لا للدولة، ولشخص الرئيس نبيه بري، لا لرئاسة البرلمان، وهذا فساد في نظام الجمهورية الثانية ودولتها. فحال حرس البرلمان يكاد يكون هو نفسه حال الحرس الجمهوري و"الأمن العام" و"أمن الدولة" .. الخ.
والابتهاج "العفوي" الذي ابداه موظفو البرلمان وعسكريوه، قد يكون مفهوماً ومبرراً، وإن كان خروجاً على القانون والاعراف، بل ويمكن استيعابه والتغاضي عنه، وفقاً لمقتضيات الحال اللبنانية.
اما وقد مرت ساعات على الحدث، قبل أن تشتعل فجأة بيروت والضاحية وقرى البقاع والجنوب رصاصاً ابتهاجياً أودى بعدد من القتلى وعشرات الجرحى، فهذا لا مسوغ له ولا تبرير الا أن ثمة من اعطى الأوامر ونظم ورتب لهذا الاشتعال الذي باغت اللبنانيين ما بعد ظهر يوم الثلاثاء الماضي فظهرت الرشاشات الخفيفة والأسلحة المتوسطة، وحتى المسدسات من على الشرفات وفي الشوارع، كما لو أننا يوم 6 شباط 1984، حين خرجت الميليشيات من الخفاء الى العلن ملتهمة العاصمة التهاماً نارياً.
وبعد 15 عاماً على انتهاء الحرب، وبمناسبة رسمية، ديموقراطية، دستورية، طلعت على اللبنانيين جماعة الرئيس المنتخب واتباعه والموالون له بوصفها ميليشيا ما زالت على سلاحها، مستنفرة، جاهزة، مستقوية على الدولة وعلى قوانينها، وما زالت معتصمة بعصبيتها المدججة بالقنابل والرصاص، وهي علي استعداد لإخراج نفسها على السلم الأهلي واستفراز المواطنين والاستكبار عليهم وايذائهم بلا مبالاة واستهتار كاملين. اما وقد سقط ضحايا فهذا ما لم يدفع الرئيس البرلماني المنتخب لا للاعتذار من المواطنين ولا لزجر اتباعه وكبحهم.
وعلى الأرجح، فان الأوامر بنصب الحواجز التي توزع الحلوى، بفجاجة وفظاظة، وبالتعبير عن الابتهاج رصاصاً وقنابل، اتت كرسالة ميليشياوية موجهة الى "الخارج" بعدما ابدى هذا الخارج تحفظات فعلية على اعادة انتخاب رئيس حركة أمل رئيساً للبرلمان اللبناني مرة جديدة، على الرغم من كل ما جرى بعد 14 شباط الماضي. وهذه الرسالة المغمسة بدم اللبنانيين الابرياء، تبدو استمراراً لتقليد برعت فيه الجماعات المسلحة اياها ارهاباً وانتفاضات وحروب زواريب، ثم انقضاضاً على المغانم والحصص والثروات العامة، ونهباً وتشبيحاً.
وفي ساعات الرصاص الطائش، بادرت جماعة أخرى هي حليفة قوية للزعيم "الاستاذ" سيد البرلمان العتيد، الى عمل اشد وقعاً فاطلقت بدورها رصاصاً غير طائش عبر الحدود اشعلت بعض مناطق الجنوب اللبناني قصفاً وتوتراً عسكرياً.
واذا كان هذا استمراراً لسياق "مقاوم" الا ان تلازمه مع رصاص الابتهاج، بدا وكأنه رسالة إلى "الداخل" هذه المرة، بقدر ما هو موجه الى خارج الحدود، والى ما وراء الخط الازرق والى قلب القرار 1559.
ما بين رصاص "الابتهاج" ورصاص "المقاومة"، ما بين رسالة موجهة الى الداخل ورسالة موجهة الى الخارج، كانت جمهورية الطائف مرة أخرى تحت تهديد السلاح، مكسورة الخاطر، ومتزعزعة.
واذا كانت المطالبة بنزع سلاح المقاومة قد تصنف في خانة "الخيانة" فان المطالبة بنزع سلاح الميليشيات قد تصنف في خانة "الردة". وعلى هذا النحو تساهم جماعات تظاهرة الثامن من آذار في دولة التغيير المزعومة، منتظرة الفرصة السانحة للانقلاب عليها رصاصاً طائشا أو صائباً.
لا عزاء لجماعات 14 آذار الخائبة لا في رئاسة الجمهورية، ولا في رئاسة البرلمان ولا حتى في كل الانتخابات وانتصاراتها. وهنيئاً للقوي قرابينه من اللبنانيين عسى ان ننال رضاه ورحمته.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00