في منتصف التسعينات وبعد تجربة قصيرة، قررت ألا اكتب مقالات تتسم بنبرة سياسية تجريدية مملة وقاصرة بالتأكيد.
وها انا اضطر هنا، عسى ان يكون اضطراراً أخيراً، ان اكتب مساهمة متواضعة، ومبتسرة حتماً، توضح حماستي في التوقيع على البيان الذي حمل عنوان "ليبراليون عرب: صرخة ضد التبسيط"، ونشر في صحف عربية عدة قبل اسبوع تقريبا. البيان الذي لم اشترك في صياغته، هو "صرختي" الشخصية، أو افضل من ذلك نسبياً، لأنه خال من نبرتي النابية، ومتخفف من عصبيتي الزائدة.
اضافة الى ذلك، ان نص البيان كان بالنسبة لي "مخرج طوارئ" لم أتبينه بمفردي من قبل، على الرغم من انه يبدو دعوة للتفكير اكثر من كونه خلاصة منجزة او "وصية" تامة.
انه "صرخة" فحسب، اي كأنه آت من غضب مكتوب ومن يأس ولوعة شديدي الوطأة. وشخصيا وجدت في هذه الصرخة صوتي كلبناني ما ان تراءى لي أمل 14 آذار حتى طعنته الطوائف مليون ونصف مليون طعنة سامة. وأيضا كمواطن من "الشرق الأوسط" او كفرد عربي يحيا في هذا العالم، من دون قدرة لا على ان أكون لبنانيا ولا عربيا ولا كونيا.
بدأ الامر، وفق وعيي الشخصي، مع "الظلامية" او "العسكريتارية". هذان كانا خيارنا القسري خلال عقدين من الزمن، مع ما ادى اليه كلا الخيارين الى القضاء على ما تبقى من مقومات دولنا ومجتمعاتنا والى افقار وامية وحروب اهلية، معلنة ومستترة، وفساد تام. خيار بين شرّين، اختزل اعتباطيا كل افق وكل مستقبل. والاختزالية الثنائية هذه كثيرة ايضا، على نحو "الطائفية" او "العلمانية"، الرجعية او التقدمية، الاصالة او الحداثة الخ.. وبمعزل عن خيانة اللفظ لمعناه وانقلاب العبارة على مضمونها، كما اختبرنا وعايشنا، يمكن القول أننا كنا محكومين على الدوام (اذا جازفنا واختزلنا بدورنا) بثنائية الدمار والدم، التخلف والتقهقر.
يبدو هذا ما نواجهه مجددا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين مستأنفين نمطاً جديداً من الثنائية الاختزالية: الديموقراطية او الديكتاتورية، العولمة او الهوية، الاسلامية او الصليبية، ومن دون تجاوز الثنائيات السابقة، بل على العكس من ذلك، يتم اعادة شحنها من الماضي وتكديسها مع "البضاعة" الجديدة. وهذا على ما يبدو هو دأبنا منذ اكثر من قرن ونصف القرن على الأقل.
ما بين لبنان ومصر وفلسطين والعراق وسورية، بل ما بين السودان والصحراء الغربية وطرابلس الغرب والسعودية والصومال والكويت وقطر واليمن.. وصولاً حتى الحدود الافغانية ـ الباكستانية تدور رحى الثنائيات القاتلة، وتشهد صراعا شاملاً يجد ذروته الدموية في العراق وقاعه البائس في الصومال وزواريبه الخربة في غزة او الفلوجة. وهو صراع، على تبايناته المحلية، يشكل جغرافيا واحدة ملتهبة ومستعصية على اي تبسيط او وضوح.
واذا كان في وجه من وجوهه صراعاً بين الداخل والخارج، فهو صراع دواخل متذررة بامتياز. واذا كان صراعا بين ايديولوجيات فهو ايضا صراع بين عدميات. وعلى الأغلب نحن امام حرب غرائز منفلتة ووحشية. وبوصفي ليبرالياً اخطأت كثيراً، اذ تحمست لإسقاط نظام صدام حسين فحطمني تحول الواقع الى مسلخ عراقي ـ عراقي. أو لأني لبناني نشطت من اجل اسقاط الهيمنة والنظام القمعي، سرعان ما يأّسني الاستنفار الطوائفي وانتصار العصبيات. ولأنني ليبرالي ديموقراطي عربي راهنت على التسامح والسلم فخذلته ليبرالية اميركا في السياسة الاسرائيلية. ولأني عجزت عن الفهم كيف ان بعض اهلي تحول الى الانتحار العدمي وبعضهم الآخر يقبع في عتمة البؤس، ولأنني متشظٍّ في الافكار والعواطف.. أعطيت صوتي لهذه الصرخة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.