8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أن نبقيه في ذاكرتنا متخلصاً من الغبار والركام

سمير قصير جثة. العاشق مقتول. نحن نعرف القتلة.
لا عبارات. لا صور. أرغب باطلاق شتيمة. أن أفرغ التجديف والبذاءة اللذين يملآن جوفي. أود أن أمزق الأسلاك والحديد بأسناني.
أريد التخلص الآن من المخيلة، من المنامات، من التذكر، من صورته التي تلاحقني: رجل بهي، مبتسم. أريد التخلص من الحزن فوراً، واتورط مباشرة في الانتقام. أحلم بالقتلة بين يدي. أريد أن ألبط وألكم وأبكي، نعرف القتلة الذين هم أنفسهم الذين كسّروا يدي ميشال أبو جودة بعد اختطافه من بيروت إلى دمشق. نكّلوا بجثة سليم اللوزي وأعدموا رياض طه. هم أنفسهم الذين تربصوا بمروان حمادة وأحرقوا رفيق الحريري وباسل فليحان. هم أنفسهم الذين دبّروا واداروا حروبنا واحتلونا 29 عاماً ولم يتركوا لبنانياً واحداً إلا وأهانوه جسدياً ومعنوياً، على حواجزهم وفي أوكارهم، وأغلب الأحيان أذونا وقتلونا بمدافعهم وبنادقهم ودباباتهم ودسائسهم ومؤامراتهم وفسادهم الأسود وغلّهم الأكثر سواداً.
لا سياسة مع هؤلاء الذين يحيلون سمير قصير ميتاً وبشير الجميل اشلاء والمفتي حسن خالد صريعاً ورينيه معوض مزقاً، والشيخ صبحي الصالح مغدوراً وكمال جنبلاط قتيلاً ورفيق الحريري جثة، ومئات اللبنانيين غائبين في سجونهم وعشرات الآلاف ضحايا.
لن أسرد لقاءاتي مع سمير قصير ولا تلك المودة المستمرة منذ عشر سنوات. لن أتذكر ضحكته المفعمة بالجمال الذكوري.
لا أفكار ولا كلمات ولتكن مقالة رديئة. مجرد سطور من غضب. ما أتفه الغضب أمام جثمان معجون بالحديد والبلاستيك والغبار. نحن امام دم مسفوك في صراع مؤلم ضد الذين قتلوا مواطنيهم وقتلوا الفلسطينيين واللبنانيين ويصدرون إرهابهم الآن إلى قلب بيروت وقلب بغداد. اننا محكومون بالملاحقة والمطاردة رصاصاً وسيارات مفخخة حتى النهاية. لايريدون حتى هدنة. يطالبوننا بالمنازلة حتى الموت. لا مكان للسياسة على مسرح التراجيديا الكاملة. لقد استنفدوا كل اللغة وكل الاحتمالات. ويتعين علينا قسراً الوصول بأسرع وقت إلى اللحظة الحاسمة: إما بقاء عصابتهم وموتنا وإما وزوالهم. لن يسدل الستار إلا في المشهد الأخير: إنتحارهم أمام ضحاياهم.
وفي مسرح الانتحار هذا، المليء بالدم، سيمضون في نحرنا وقطع رؤوسنا إلى أن يحين دورهم في الموت. لا لعب ولا أدوار، مجرد مسلخ هائل وجثث.
ما من حرب ولا حتى معركة.الشر المحض لا يتجول في الميدان. يأتي من العدم ويتجول في العدم ويعمم العدم. صرنا نقول "الأشباح" عن الذين يرتبون ذلنا ويدبرون مصرعنا. الأشباح لا تطيق حتى جثثنا ولا تتحمل موتنا.
ما أن ننساهم قليلاً حتى يطبقون بكوابيسهم علينا.
يأتي سمير قصير بعينيه الواسعتين اللامعتين، بحيويته الباهرة، ويقصفون عمره في عزه. يأخذونه إلى حتفه بكراهية مريعة. ولا مقالة له بعد اليوم، لامصافحة منه لنا، ولا عناق منه لجيزيل، لا حضن لابنتيه، لا شاب وسيم ذكي وسط مليون ونصف مليون متظاهر. لا استيقاظ بعد انفجار. جسم منتهك مذبوح، متروك لنا.
ماذا نفعل بالبطولة، بالشجاعة، بألم اللحظات الأخيرة في صباح الأشرفية. على أي وجه نحفظ حبوره وجماله وصباه المشتعل وحياته الصاخبة من دون ان نفتعل اسطورة ركيكة.
بلا أي تعب، ولا كآبة، مكوّم على المقعد. هكذا انتهت المطاردة هناك على حافة الحرية الموصدة بالموت والـ "ت. ان. ت" ولن يكون له هواء، ولا مكتب يذهب اليه، ولا اتصال هاتفي من الزوجة، ولا فكرة في الرأس تتوهج فوق شعره الملّوح بالشيب. لا نزهة ولا اجتماع. نوع من الهدوء التام قبل الاستسلام للعدم. كيف ندبر موته في الذاكرة بلا غبار ولا خجل. كيف أجمع صورته الأخيرة مع موته، وصورته ذات ليلة عام 2001 في عشاء رومانسي مع جيزيل خوري، فيما "اشباح" جميل السيد على الطاولة المجاورة؟
كان حباً يشتعل في جمهورية مرتعبة، وصار جثة مطفأة في جمهورية مشتعلة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00