ستكون هذه هي المرة الرابعة التي تجري فيها الانتخابات النيابية اللبنانية، وأيضا المرة الرابعة التي لن ادلي فيها بصوتي.
لن أذهب بالسيارة لأكثر من 120 كلم جنوباً كي اقترع. لن أعطي ثقتي وتأييدي لأي مرشح. فمن سوء طالعي الانتخابي ان سجل نفوسي هناك، في بنت جبيل، جنوب لبنان، وهناك، كما هو معروف، "الشعب" كله أيّد سابقاً، ويؤيد حالياً، لائحة واحدة، مرصوصة متضامنة منضوية تحت رايتين صفراء وخضراء. ذاك ان المرشحين المنافسين حتى هم يبدون لي، علي ضعفهم وقلة حيلتهم وهامشيتهم، اما متنطحون للسياسة او سيئوها.
اذاً، لن اقضي نهاراً بكامله على الطريق، كي اصل الى مركزي الانتخابي وأضع ورقة بيضاء مثلاً. هذا عمل عبثي واستخفاف بقيمة الوقت وتبذير لفوائد يوم في فعل لا طائل منه. ثم ان الورقة البيضاء هناك هي عمل استفزازي، وقد يحسبها البعض عملاً عدائياً، وقد تفسر بأن واضعها إما عميل سابق لاسرائيل، أو عجوز تقليدي ما زال يدين بالولاء لزعيم اقطاعي راحل.
نعم، أعرف ان من روائع الديموقراطية جعل كل فرد، أكان من اسافل الناس أو من اعاليها، متساوياً مع اي فرد آخر، لكل منهم صوت، لكل منهم رأي، وكل منهم ناخب، ونظير نده ومخالفه، وكل منهم صاحب الحق نفسه والواجب ذاته، مع ذلك أتنازل عن حقي وعن واجبي، وعن "قوة" صوتي، للمرة الرابعة على التوالي.
سأمتنع، وبتواضع، عن الانتخاب، ذلك اني مقتنع بأن اهل الجنوب ادرى مني بمصالحهم، هم المرتبطون به أهلاً وأرضاً، وأنا المغترب عنه اقامة ومصلحة. ومقتنع بأن الطائفة الشيعية برعاياها وأعيانها لها ايديولوجيتها وسياستها وحساباتها، ولا يجوز لي الاعتراض عليها، طالما اني وضعت نفسي خارجها، واتخذت من فرديتي ومواطنيتي هوية لي.
بهذا المعنى لن ارضخ للتصنيف القانوني، الذي يحسبني جنوبياً وأنا الذي ولد وعاش وترعرع في العاصمة منقطعاً عن بلدتي الاصلية وعن نسيجها الاجتماعي. ولن ارضخ للتصنيف الديني الذي يحسبني شيعياً وأنا الذي اتخذ العلمانية مبدأ لحياته، وحتى تلك التجربة التي خضتها طوال الشهرين المنصرمين، داخل "اللقاء الشيعي اللبناني" فانما كانت محاولة لاخراج "نخبة" لبنانية من داخل "قلعة" الطائفة المحصنة الى "ساحة" الحرية اللبنانية. تجربة فاشلة بالنسبة لي لانها قامت على وهم مفاده أن مجموعة مثقفين علمانيين متلطين وراء رجل دين "متنوّر" سيقبلون قوانين اللعبة الطائفية، ويتحايلون عليها، من اجل التغلب على الواقع الطائفي وكسره. وهذا ادى، على نحو حتمي الى امرين معاً: باتوا اقل علمانية ومواطنية، وصاروا اكثر نبذاً من قبل طائفتهم.
على هذا، قررت ان لا احشر نفسي في دائرة انتخابية يذهب اليها الناخبون لـ "المبايعة" وتقديم الولاء كجماعة واحدة وكعصبية واحدة.
لا مرارة في نبرتي، ولا يأس، بل لنقل انها "واقعية" سياسية، وفيها قدر كبير من التسامح والقبول. ذلك اني انحاز الى مبدأ "التوافقية" اللبنانية وفكرة التعايش التي تفرض علينا ليس الرضوخ فقط، بل الرضى الحقيقي بما هو مختلف ومغاير ديناً وسياسة واجتماعاً.
مقابل ذلك، اتساءل متى تتوفر لي الفرصة كي امارس حقي في الانتخاب؟ أقصد ما هو السبيل لكي احصل على وضع قانوني يعترف بي، كعلماني وكمواطن فرد، هو خارج التصنيف الديني وخارج التصنيف الاهلي ـ المناطقي، يمنحني "القوة" التأثيرية نفسها التي يتمتع بها ابن الطائفة وابن "المحافظة".
وتجاوزاً، اقول اني "مواطن 14 آذار". وهذه الهوية المستجدة لبنانياً، من الصعب القول انها تمثل "اقلية" او انها مجرد حزب او فئة، او طائفة.
واذا كنت من جمهور "المعارضة"، فلست عونياً، ولا قواتياً ولا من "تيار المستقبل" ولا من "قرنة شهوان" ولا من "التقدمي" ولا من "اليسار الديموقراطي". وأمثالي احسب انهم كانوا كثيرين في 14 آذار، اي اننا ننتمي الى ذاك الضمير المشترك الذي نسميه "الوطنية"، فهل لهكذا جمهور حق مواز لحق اي طائفة مثلاً في المحاصصة الانتخابية؟ وهل يحتمل لبنان طائفة إضافية؟
سنتواضع مجدداً عن مثل هذه الأسئلة الطموحة، ما دمنا لا نملك حماسة نضالية كافية، ونفكر بوسيلة للاشتراك في الانتخابات وفقاً لقوانينها المتغيرة جغرافياً، والثابتة طوائفياً. قلت قبل ايام قليلة ان فكرة الزميل حسن، الجنوبي ايضاً، تبدو معقولة: ننتخب اثنين او ثلاثة مرشحين نعرف ميولهم الاعتراضية، او هم على الاقل ليسوا مجرد تابعين. لكننا فوجئنا بان مرشحينا المفترضين إما انهم امتنعوا عن الترشح يأساً وقنوطاً او تم رفض ادخالهم في لائحة قوية، او انسحبوا بعد اعلان ترشحهم حفاظاً لماء الوجه امام خسارة حتمية وفادحة، أو انهم ليسوا في عداد مرشحي المنطقة المخصوصة المسجل زميلنا في لوائحها.
بقي الخيار الأخير: أذهب ببساطة، إلى الجنوب وأضع ورقة كتب عليها "انتخب مواطن 14 آذار". هذه الورقة ستكون، قانونياً ملغاة.
صوتي ملغى، اذاً يوم الانتخاب سيكون عطلة، وفرصة جيدة لنزهة عائلية في ربوع الجمهورية التي أحب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.