8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هوياتنا التي يصنعها ما نبجّله من عمراننا

شهدت بيروت في الأيام القليلة الماضية، وبعيداً عن الأضواء، حدثاً ثقافياً ـ فكرياً شديد الأهمية تمثل في مؤتمر "العلمنة والقومية الدينية والدولة ـ الممارسات البصرية والذات العامة"، الذي انعقد في قاعة وست هول (الجامعة الأميركية في بيروت) ونظمه "مركز الدراسات العربية والشرق أوسطية في الجامعة الأميركية" بالتعاون مع معهد فريديريش إيبرت.
أوراق المؤتمر يبدو انها تترجم ما استجد على طرائق البحث والتفكير في مجال الدراسات الانسانية والعلوم الاجتماعية.
وعناوين هذه الأوراق تدل على أساليب بحث تتجاوز حدود الاختصاصات والتقسيمات الأكاديمية التي كانت سائدة، إذ هي تدمج حقولاً عدة من العلوم وتجمع ما بين السياسي والفني والفلسفي والمعماري والسوسيولوجي والانتروبولوجي والابستمولوجي... الخ.
مثالاً على ذلك محور "الحركات الدينية القومية: ايقونات بصرية" الذي تضمن ورقة بعنوان "الأمة والدين والموقع: تعبير الحداثة والهوية من خلال شاحنة باكستانية".
كذلك محور "الأجسام في الفضاء: الجماهير القومية والدينية والعلمانية" وفيه ورقة "المشاهدة ـ الدولة: الاحتفالات الوطنية والميدان العام في الهند وتركيا". وأيضاً محور "السياسة والتصور البصري" الذي تضمن أداء مسرحياً لربيع مروة بعنوان "قطع الرأس: الحياة قصيرة لكن النهار طويل".
وعن الفضاءات العامة، هناك ورقة مثلاً بعنوان "سياسة الجسد: المرئي والسمعة والسلطة غير الرسمية" وورقة "تصور الحداثة، السيطرة على المكان: الاصلاح الاجتماعي في مصر القرن العشرين".
المؤتمر تضمن 11 محوراً مختلفاً و20 ورقة بحثية، وجلسات نقاشية وعرضاً ادائياً مسرحياً وفيلماً سينمائياً. وشارك فيه 32 باحثاً وفناناً، على مدى ثلاثة أيام فقط.
مشروع المؤتمر استغرق التحضير له وقتاً طويلاً ، وكاد أن يتوقف أو يتأجل بسبب حادث اغتيال الرئيس رفيق الحريري والأحداث التي تلته. لكن اصرار المنظمين على ان بيروت في هذا الوقت تستحق كل جهد، وأن يأتيها المشاركون رغم كل المخاطر، هو الذي جعل انعقاد المؤتمر ممكناً. تقول مهى يحيى: "في أواخر آذار، بعد سلسلة التفجيرات، قررنا التحدي، والمضي قدماً في انجاز العمل، وقد استجاب المدعوون بحماسة، اذ شعروا انهم قادمون ليشهدوا لحظة تاريخية".
مهى يحيى وأليـ شينار (Alev Cinar) التركية، وسريروبا روي (Sriropa Roy) الهندية، تعاونّ سوية لصياغة فكرة المؤتمر وسرعان ما حظين بموافقة ودعم مؤسسة (S.S.R.C) Social Science Reaserch Concel الأميركية.
الدافع لهذا المؤتمر، حسب قول مهى يحيى، "عبر قراءاتنا نحن الثلاثة، هما المختصتان بالعلوم السياسية، وانا المؤرخة والمهندسة في التنظيم المدني لاحظنا تقاطعات مهمة في مجال عملنا وفي الظواهر التي رصدناها في بلداننا: لبنان، تركيا والهند. وانتبهنا ان اكثر الكتابات التي تتناول العلمانية تعتبر هذه الأخيرة على تضاد وتعارض مع الدين.
وبنظرنا فان الدولة العلمانية ليست كذلك، فهي غالباً ما تفرض نفسها عبر سيطرتها على الدين والمؤسسة الدينية من حيث وضع الحدود وترسيم الدور الذي يلعبه الدين في المجتمع والدولة. وبرأينا أن العلاقة بين الدولة العلمانية والدين ليست علاقة تضاد بل هي علاقة تبادلية إذا صح التعبير".
أما الملاحظة الأخرى، التي شكلت الحافز لهذا المؤتمر، فهي، كما تقول مهى يحيى: "في أكثر الدراسات التي تتناول العلمانية والفضاء العام لا نجد تركيزاً (او انتباهاً) على الممارسات البصرية. لا أحد يتناول هذه الممارسات البصرية ودورها في اعادة صياغة الذات العامة".
في البدء قررن، ان تعمل كل واحدة منهن في حقل معين: السيدة يحيى في الإعمار، والسيدة سينار في الافلام، والسيدة روي في الاحتفالات الوطنية.
على ما يبدو، فان خلفية العمل قائمة على سؤال "الهوية القومية كيف تتكوّن؟" و"كيف تلعب الممارسات البصرية دورها الحيوي في تكوين الهويات المتغيرة دوماً".
تعرّف مهى يحيى (العاملة في مركز الدراسات العربية والشرق أوسطية في الجامعة الأميركية ـ بيروت) معنى "الممارسات البصرية" بوصفها "جملة تعبيرات تبدأ من نطاق تعريف الذات الفردية أو الجماعية (الأزياء ، الموضة مثلاً) وتطال الاعمال التي تقوم بها الدولة (النصب، التنظيم المدني...) أو تتصل بصناعة الأفلام، أو الترويج السياحي، أي انها لغة معينة تُستنبط وتتطور. المثال على ذلك، عندنا، ساحة الشهداء، هويتها وتكوينها عبر التاريخ وصورها ووظائفها المتعددة والتفاعل الذي يحدث بين المكان والجموع".
اللافت أن مهى يحيى قدمت ورقتها الى المؤتمر بعنوان "صنع جماهير وطنية" وهي محاولة رصد للحظة معينة في تاريخ لبنان وتاريخ الهند، لحظة بدء تبلور الهوية الوطنية في الهند بين عامي 1947 ـ 1949، آخذة في كيفية بناء مدينة شانديغار التي اتخذ قرار بنائها عندما انفصلت باكستان عن الهند فخسر اقليم بنجاب الهندي عاصمته. بناء عاصمة جديدة للإقليم، بحسب كتابات نهرو المساهم الأكبر لهذا المشروع، فإن المدينة الجديدة (شانديغار) لن تمثل عاصمة إقليم فقد عاصمته واصيب أهله بالاحباط، بل ستمثل هوية الهند الجديدة.
وقد بنيت المدينة وفق تصور الدولة للمجتمع ودور الدين فيه. فكان هناك محاولة من المهندسين لتحديد وتأطير دور الدين وجعله محصوراً فقط في الأحياء السكنية. ومؤسسات الدولة تشيد على قمة الجبل حيث تكون هناك الساحة العامة ويكون مبنى البرلمان وقصر العدل ومجلس الشيوخ.
أما في ما يتعلق بلبنان، فقد رصدت الباحثة اللحظة التاريخية عام 1926 عند وضع الدستور اللبناني، وبدء مشروع بناء مبنى البرلمان بوصفه تجسيداً للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
وتطرح هذا الموضوع لفهم كيفية بناء الهوية تحت الانتداب الفرنسي، ولذا لاحظت أن مبنى البرلمان لم يكن ضخماً متعالياً ويسيطر على الفضاء المحيط به، كما هو "التكتيك" المعماري ـ السياسي المتبع عادة، بل كان برلماناً غير قادر على ادعاء الهيمنة، حتى ان زائر ساحة النجمة بالكاد يلحظه.
في الحالتين، الهندية واللبنانية، رصدت الباحثة محاولة صقل الهوية الجديدة في الدولتين، كما حاولت ان تعرف ما فعلته كل دولة على حدة، لـ"خلق مواطنها".
تلاحظ الباحثة كيف ان ساحة النجمة لم تكتمل يوماً وكيف ان عدم الاكتمال هذا متصل بعدم اكتمال مشروع الدولة والهوية. وبالمعنى العمراني كانت الصعوبة في ذلك عقارية، إذ أن الدولة لا يسعها امتلاك عقارات تابعة لاوقاف دينية، أو ازالة دور عبادة وهذا ما يحيلنا مجدداً الى أحد عناوين المؤتمر، أي دور الدين والدولة والمجتمع والعلاقة القائمة بينها في تظهير الهوية الذاتية للفرد والجماعة.
وقد لاحظت الباحثة في سياق دراستها مراحل اعادة الاعمار ما بعد الحرب، ان كل شيء كان قابلاً للازالة والهدم، ما عدا دور العبادة. وهذه الأخيرة، بعد اعادة الاعمار، تحولت ايضاً عن وظيفتها القديمة كأماكن للعبادة يقصدها السكان، وباتت لها وظيفة جديدة تمثلت في تحولها "ايقونات" الهوية اللبنانية. وهذا التحول في الوظيفة يحيلنا بدوره مرة أخرى لسؤال "العلمنة والقومية الدينية والدولة ـ الممارسات البصرية والذات العامة" (عنوان المؤتمر).
تشدد مهى يحيى على أن المؤتمر شهد محوراً آخر شديد الأهمية هو "العنف والممارسات البصرية" طارحة كمثال على ذلك فيلم لقمان سليم ومونيكا برغمان، "ماسكر" (المجزرة) وعرض ربيع مروة "قطع الرأس" وورقة "انتهاك الجسد: من أبو غريب الى امستردام" (تعذيب السجناء العراقيين واغتيال المخرج الهولندي ثيوفان غوغ). وتشير الى انماط صور العنف والثقافة البصرية العالمية، ولعبة الاخفاء أو التعميم، الكتمان والنشر.
الأفكار والأبحاث التي تناولها المؤتمر توحي بدلالات ذات أهمية في توقيتها البيروتي. فالعاصمة تشهد اليوم تغيرات دراماتيكية تتصل ولا شك بطروحات وعناوين المؤتمر. وتلاحظ الباحثة: "ما بعد 14 شباط تعود العلمانية كإقتراح قوي وله مبرره، خصوصا ان البلد يتغير بسرعة هائلة وفي الوقت ذاته لا يتغير.." لكنها تستدرك قائلة "لكن علينا أن نعرف أي علمانية نريدها؟" نافية "العلمانية التركية" أو "العلمانية الفرنسية" أو "العلمانية الأميركية".
بدورنا نقول، استلهاماً من كل ما تقدم: ربما علينا تأمل الممارسات البصرية التي تولدها الدولة من جهة ويبتدعها الجمهور اللبناني راهناً، كي نستدل على علامات الهوية الجديدة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00