طرق داني الباب. مقاتل سابق في صفوف الحزب وهو الآن في "القوات اللبنانية". ما إن فتح له كفاح الباب حتى انهال عليه بالرصاص، كفاح أمسك الفوهة والرصاص يثقبه. كان يحاول أن يمنع ارتفاع الرشاش إلى مستوى صدره أو وجهه. 14 رصاصة نخرت جسده، وفي انتفاضة أخيرة من كفاح النازف كنوافير صغيرة سدد ضربة لداني أوقعته أرضاً في اللحظة التي انهار فيها كفاح ووصل فيها الفرنسيون إلى الدرج.
قرروا أن أحرس كفاح في المستشفى. بتروا قدمه من فوق الركبة واستأصلوا الكثير من أعضائه وأحشائه. شهران كاملان أنام على كرسي متربصاً بمسدسي في الطبقة التاسعة من مستشفى الجامعة الأميركية، منتظراً أن يدخل أحدهم ويردينا.
***
هكذا انتهت مرحلة المطاعم. أنا شبه مشرّد الآن، وفي ساعات منع التجول ألجأ إلى "بيوت آمنة"، ألتقي الشباب ونعبّ الويسكي. بعد مرور أسبوعين على ترحيل كفاح إلى الخارج، تم تكليفي بمهمة جديدة: المكوث عند آل حداد بعد أن تركهم "أبو الهول" الذي كان مكلفاً بحمايتهم. أسرة ميسورة والأب الحزبي كانت له صلات وثيقة وشخصية مع معمر القذافي، كان ممولاً كبيراً للحزب وله أدوار خفية بين ليبيا وكندا والمكسيك ودول أخرى. والجيد في الأمر أنه شخص مجهول تماماً بالنسبة للدولة اللبنانية و"القوات اللبنانية"، أما السيئ فهو أن حركة "أمل" تطلب رأسه لأسباب غامضة.
الأب لم يكن خائفاً على نفسه، بل على ابنه البكر الذي يكبرني بنحو عامين، مهمتي أن أبقى معه بمسدسي الـ"المغاروف" الصغير الحجم.
قضيت أشهراً بديعة، منزل رائع، سرير وثير، طعام جيد ونزهات إلى البحر وإلى نوادي السهر وحفلات الرقص. وانتهى كل هذا مع انتفاضة آب الفاشلة. نفدت ذخيرتنا في الساعات الأولى ولم تلق تجاوباً شعبياً. الجيش كان شرساً وقوياً. وبعد هذه الحادثة ذهب آل حداد إلى السفارة المكسيكية وسافروا برفقة حماية دبلوماسية.
أخيراً، أتى المال: رواتب ستة أشهر دفعها لي الحزب نقداً، وأتتني "وظيفة" حارس ليلي في كازينو فريد الأطرش، بت مغموراً بالأموال، خصوصاً من بقشيش المقامرين.
في تلك الفترة بدأنا العمل الجدّي. نركب السيارة ونصل إلى حارة حريك، إلى منزل مسؤول من آل رياشي، نعبئ السيارة بالسلاح وننطلق، نجلس على مقاعدنا والمسدسات تحت أفخاذنا ملقمة وتحت الفخذ الثاني قنبلة. لم تكن مجازفة انتحارية، إذ أن الحاجز الأساسي عند مستديرة شاتيلا كان "مضموناً" وتحت سيطرة ضباط متعاطفين معنا، كان الخوف فقط أن يتم استبدال عناصر الحاجز فجأة.
في "المشوار" الأخير كنا في أربع سيارات تكاد تنخ من ثقل الأسلحة في صناديقها الخلفية، أربع سيارات ممتلئة بالشبان المشبوهين والذخائر والبنادق، ومع أن هذا لا يحتاج إلى كثير تخمين، نظر إلينا الجندي مبتسماً "الله معكم".
كان هذا يوم 4 شباط 1984، قبل يومين من الموعد المنتظر للحدث الكبير.
***
الساعة 12 ظهراً، أغمّس الخبز بصحن المجدرة مع سلطة الملفوف، آكل بسرعة منتظراً إشارة انطلاقنا بين دقيقة وأخرى. طلبت من أسرتي أن يتزودوا بغالونات الماء والخبز والمعلبات. مع اللقمة الرابعة أو الخامسة سمعت رشق الرصاص ينطلق من صوب رمل الظريف: هذه هي الإشارة.. نهضت وأخذت بالركض على الدرج ثم ناهباً الطريق إلى قرب مركز البريستول حيث كنا قد جهزنا أسلحتنا المخبأة. امتشقت الكلاشينكوف والجعبة، تكوّنت مجموعتنا الأولى: عوفا، أبو البلاوي، الشنبورة، علي العوطة، أبو واجب، أبو خنجر، أبو عزقة وأنا.. وانطلقنا باتجاه الكونكورد لتأمين تقاطع الطرق.
مدينة في أوج حياتها الطبيعية: عجقة سير، أعمال، تلامذة في مدارسهم، مارة كثر، بائعون جوالون، شرطة مرور، موظفون في مكاتبهم، نهار شتائي مفعم بالحيوية. وفجأة كما يأتي الزلزال، أو يعبر برق في سماء صافية.. طلعنا نحن المسلحين ونبتنا من كل شق وفي كل زاوية. احتللناها لحظة أن ظهرنا. المسلحون في كل مكان، مشهد "ملحمي". عرفت أننا أنجزنا المهمة و"سقطت" بيروت قبل اطلاق رصاصة واحدة. مجموعة أخرى كانت قد سبقتنا باتجاه سجن بيروت و"حررت" الرفيق "العريس" آتين به بشاحنة السجناء التي غنموها. وصلوا إلينا فأطلقنا الرصاص ابتهاجاً. وفيما نحن ننضم إلى الهجوم على الإذاعة تفاجأنا بحركة أمل وقد اخذتها سلماً فطلبوا منا أن ننزل على وجه السرعة إلى الهوليداي ـ إن حيث نفّذ الجيش إنزالاً. وصلنا إلى زاروب في آخر كليمنصو حيث وجدنا جنديين تائهين، رفعا أيديهما مستسلمين، وعرّفوا عن أنفسهما بأنهما "مسلمان"، صادرنا الـ "أم ـ 16" وطلبنا منهما أن يخلعا بذلتيهما العسكريتين، نحن الذين كنا متلهفين لارتداء الملابس المرقطة.
لم نشترك فعلياً في المعركة التي انتهت لحظة وصولنا، قمنا بدوريات تمشيط، ثم التحقنا بشباب "وادي أبو جميل". في المساء جاء الأمر بالالتحاق بالمنفذية، أخذنا إميل جانبا ودلَّنا على مستودع سيارات في عين التينة، علينا الاستيلاء عليه وأخذ ما فيه من جيبات ولاندات وركنها في عائشة بكار.
في الليل تجمعنا في بيت رفيق، حين بدأ القصف العشوائي يغمر بيروت الغربية كلها، جئنا باللحم المشوي وقناني العرق والويسكي، كانت المعارك تطوق بيروت ونحن "غائبون عن السمع" غارقون في الكحول والدهن.
يوم 7 شباط، شعرنا أننا مجموعة مستقلة، عصابة تتحرك من غير أوامر القيادة، قررنا الاحتفاظ بأفضل جيب تويوتا، صعدنا إليه وتوجهنا إلى رأس بيروت، تنزهنا وسط الخراب الذي أحدثه القصف في محيط السفارة الألمانية، توقفنا عند دكان "كارلوس" من أجل جولة بيرة، ثم ذهبنا إلى الكورنيش لشرب القهوة.
عند الظهر رجعنا إلى المنفذية. خضر أبو راشد في قمة غضبه، اتهمنا بالتفرغ للسرقة والنهب "اصعدوا الآن إلى السيارات" قال. "إلى أين؟" سألناه. فأجاب "إلى الضاحية". التفت إليّ "أنت إبق هنا". غافلته وحشرت نفسي في مؤخرة اللاند(*) بين الشباب، عرفت أننا ذاهبون إلى معركة حقيقية.
بيروت فارغة تماماً، خلاء شامل على الطرقات. عند وصولنا إلى الغبيري كانت أصداء المعركة الضارية تصلنا وتستقر داخل جهازنا العصبي. المشهد وحشي فحسب. عند مدخل سوق معوض شعرنا أننا عند فتحة الأتون، دمار عميم وركام في كل مكان، مجموعات متفرقة من الشباب تأتي وتتقدم إلى الأمام على جانبي الطريق منحنية الظهور، مدججة بالاعتدة. لا هواء على الإطلاق، غبار ورائحة بارود. دخلنا من حائط مثقوب إلى داخل مبنى تم تحويله إلى مركز تجمع ودعم لوجستي. وقفت عند النافذة أرمق طلقات المدافع الرشاشة تنفجر أمامي بكثافة وسط الشارع، قذائف من مختلف الأعيرة تنفجر فوقي وأمامي وخلفي، شرفات تنهار على مبعدة أمتار قليلة.
بعد أن تجهزنا بالقنابل الهجومية وعلب الرصاص الإضافية وضعت على ظهري جعبة ب7 وحمل علي العوطة صندوق رصاص، وانطلقنا بقيادة علي شميساني من حي ماضي باتجاه منطقة الصفير، محطة المعلم، هذا هو هدفنا. حزب الله على يسارنا يتجه إلى كنيسة مار مخايل وحركة أمل من جهة الحي الأبيض على ميمنتنا.
الطريق مكشوفة، ومرابض اليرزة تستهدفها بشدة بالغة، عند بدء الهجوم توقف القصف الآتي من مرابضنا في الجبل وبيروت على مواقعهم. ولأن مقاتلي حزب الله نجحوا بالوصول إلى هدفهم باكراً فإن ثقل الخط الدفاعي بات منصباً علينا. إنهم يرموننا بقذائف المضاد من عيار 23 و57 ملم وتنفجر بين أقدامنا وفوق رؤوسنا، حاولنا الوصول إلى بناية أمامنا فاصطدمنا بدشمة على مستوى الأرض محصنة جيداً، وفي طابق علوي فوقها كان رشاش متوسط يمشط كل المساحة الفاصلة بيننا وبينهم.. كادوا أن يحصدونا جميعاً. أفرغنا بإطلاق موحد كل ذخيرتنا. أعدنا التلقيم وتوزعنا مجموعتين، واحدة للتغطية، وأخرى للهجوم، ثم نتبادل الأدوار. تقدم علي العوطة أمامي وانبطح فانفجرت قذيفة لا تبعد عنه خمسة أمتار. لم يصب. تسمرت مقرفصاً جامداً واطمأننت عليه، نظرت ورائي فرأيت الشنبورة واضعاً يده على بطنه والدم ينز منه. كان مكشر الوجه صامتاً، الشباب من على يميني يطلقون بخمسة قواذف دفعة واحدة صواريخ الـ ب7، موجة أثر موجة. تشجعت مع علي العوطة وعوفا وبقية المجموعة على التقدم بكلاشينكوفات ممدودة إلى الأمام تزخّ رصاصها كموجة من نار، لم يأت أي رد. الشباب الذين تمترسوا خلفنا كانوا يغطوننا بوابل رهيب باتجاه مكمن الرشاش المتوسط والدشمة. لقد انسحبوا على ما يبدو. دقيقة مرت ولا رد أيضاً.
الشباب الآخرون اندفعوا من على طرفي المبنى ورموا قنابلهم اليدوية، ولا رد، فاقتحمنا المبنى ومشطناه طابقاً اثر طابق، ولم نجد أحداً، فقط حريق في الطابق الأول وعتاد عسكري مبعثر وآثار عسكريين وأغراض شخصية وذخائر. كانت "المقنبلة" أو "الخرّاقة" سلاح جديد نتعرف عليه، نسخة أميركية لقاذفة الصواريخ الفردية، خفيفة جداً، قصيرة، مطوية إلى الداخل ويتم سحبها من طرفها لتصبح ماسورتها بطول الـ ب7 وتستعمل لمرة واحدة فقط، هنا وجدنا كميات كبيرة منها.
ما إن خرجنا إلى باحة المبنى الخلفية المسورة حتى بدأ الرصاص الغزير ينصب علينا، فانحشرنا عند السور، فيما الباقون، لم يعد بوسعهم اجتياز الباحة والوصول إلينا ولا نحن بقادرين على العودة. كان علينا فقط انتظار النجدة أو حلول الظلام. رفاقنا احتلوا بناية مطلة على مصدر القنص وبدأوا بالتعامل معه، جاءتنا الإشارة بالمجازفة، فقفزنا وأزيز الرصاص يلفح وجوهنا. كان الموت يمازحنا تقريباً.
عيناي مفتوحتان وتنظران، لكن دماغي عاجز عن الرؤية، غشاوة غريبة تغمر بصري وها أنا منطلق أرمي الرصاص كمجنون. أركض وأركض مستنفداً وحدتي النارية كلها، أستند إلى جدار مبنى مهجور فأجد ثلاثة من رفاقي بجانبي ورفيق آخر كان متمترساً وحده أمامنا عند الزاوية. آخذ جعبة جديدة وأقرر أن أستريح لدقيقة أو دقيقتين. مئات الصواريخ تتبادل الضرب من الجهتين بلا توقف، ولا يمكن عدّ فوهات الرشاشات التي تتحارب في هذه اللحظة، ونحن في الوسط تماماً. استجمع "فرّوج" شجاعته وولج إلى البناية وتبعناه. تموضعت عند البوابة. نحن عند شارع الصفير الرئيسي وأمامي كتلة من المباني وعلى يساري محطة المعلم، قلبي يخفق كالطبل والعطش استبد بي.
تنبثق عائلة من آل حيدر من العتمة، مطلة من باب الملجأ، وصل الشباب وتجمعوا. دقائق من الهدوء، ما إن ننتشر حتى نجد ملالتين مهجورتين للجيش، وعند محطة البنزين صناديق ذخيرة كثيرة. وصلت السندويشات وعلب السجائر ومجموعات الدعم، بعد ساعات من الراحة استنفرونا فجراً ولم نكن نياماً، القصف متقطع، أحضروا ثلاث جثث لجنود لبنانيين.
لم أعرف من خلع أضراس الذهب من فم الجندي الميت، أحدهم سحب سيخ تنظيف الكلاشينكوف واستعمله لخلعها، قالوا إنها "تساوي ثمن خمس غرامات كوكايين".
فاطمة، صبية من بنات الملجأ، أمها نائمة وأخواتها فتيات صغيرات، أخذتْ الشمعة وطلبتْ هامسة أن أبتعد عن الشباب لنلعب الورق سوية، هناك في الزاوية قرب الحمام الصغير، مرّت نصف ساعة من غرام.
***
بعد الإجازة تم إلحاقي بمحور رأس النبع، مع أبو الذهب وأبو حديد وحسن أبو الليل وبيو وبعتلو. محور السفارة الأرجنتينية الصعب، خطوط الجبهة متداخلة، متعرجة وفيها الكثير من الكمائن الغادرة والتسللات المباغتة والكثير من القنص. مربع سكني يمتد من خلف المحكمة العسكرية إلى مبنى التحري إلى شارع رأس النبع، شبكة من الزواريب والمخابئ والدشم والمتاريس في الشوارع وداخل شقق مع سواتر عالية وقطع قماش كبيرة معلقة عالياً في وسط الطريق لتعمية القناصين.
إنه موقع مشترك مع الشيوعيين. عناصر حزب العمل الاشتراكي العربي على ميمنتنا، والاشتراكيون على الميسرة، فيما المرابطون في بناية العجة وما وراءها يشكلون العمق والدعم، مهمتنا تنحصر بمشاركة الشيوعيين على المناوبة في الدشمة الأمامية والساتر والقيام بدوريات استطلاعية وكمائن في "المنطقة الميتة" ما بين بناية التحري والبناية البيضاء. وفي النهار، عندما يكون معبر السيارات مفتوحاً، نشارك في حاجز التفتيش.
أسبوع اعتيادي، رشقات متقطعة، بضع قذائف هاون. إنه استهلاك للذخائر على سبيل اثبات الوجود، شيء من التسلية والمرح. وذات ليلة من أواخر آذار 1984 جلست في الدشمة إلى جانب رفيق شيوعي. بلا سابق إنذار دوى رشق واحد، ثلاث طلقات فحسب، فارتد جسم رفيقي بعنف وخبط على الأرض صارخاً، منتفضاً بألم فظيع، دخلت رصاصة واحدة مباشرة من الكوة إلى داخل عينه.
كلما رأيت كوة متراس، ارتجفت عيني.
مرة استدعاني حسن أبو الليل "سنشعلها" قال. هذه هي المرة الأولى التي اكتشف فيها كيف يتم فيها كسر الهدنة. حملنا قاذفي ب7 مع رشاشينا وصعدنا إلى سطح مبنى عال يشرف على كل الجبهة. أتناوب مع حسن، يطلق هو قذيفة وأصاحبه بمشط ذخيرة، يأخذ القاذف الثاني فألقم الأول وأسارع إلى إطلاق الرصاص. عشر دقائق ثم نفاجأ أن كل المحاور بادرت أيضاً إلى ما فعلناه. ولم تمضِ نصف ساعة حتى باشرت مدافع الميدان بالعمل والهاونات أيضاً. وعند الفجر كان القصف الكثيف العشوائي يغطي العاصمة كلها شرقاً وغرباً.
***
أقف على الحاجز، واضعاً نظارات "رايبون" خضراء بإطار ذهبي، أحمل بندقية "فال" انكليزية، مرتدياً "بروتيل" أبيض (فانيله) وبنطلوناً عكسرياً مرقطاً.
هكذا متشبهاً بالمحاربين الشرسين، القتلة. على ناصية الحاجز عنصر يدقق بالهويات، أمامه عنصران آخران للتدقيق والتفتيش، أنا أتمشّى بين صفّي السيارات جيئة وذهاباً متبختراً، متفحصاً الوجوه والمحتويات، ما إن أشير بأصبعي إلى سيارة حتى يفهم المناوب أنها مشبوهةٍ. للسيارات مقاييس محددة: السيارة الفخمة تستلزم لصاحبها عمراً معيناً ومظهراً متميزاً، السيارات المهملة أو العتيقة الطراز مرشحة لأن تكون مفخخة.
المرسيدس وب.أم. دبليو علينا الحذر منهما إن كان ركابهما من الشباب، السيارات العائلية هي الأخطر ومشبوهة جداً، عادة ما يستعملها الجواسيس. كل السيارات تقريباً خطرة، خصوصاً تلك التي يحاول سائقوها تعويدنا على مرورهم بمشاويرهم "البريئة".
أرمق المرأة في سيارة بيجو 504، آتية وحدها من الشرقية إلى الغربية. تتحاشى نظراتي، التوتر ظاهر عليها، أقف قربها تماماً وأنتظر اللحظة التي ستنظر إليّ فيها لأشير بأصبعي نحو سيارتها لفريق التفتيش. انفجرت بوجهي "مع كل ها البهدلة، كمان بدك توقفني؟ ما بتحسّوا؟". وضعت أصبعي على فمي إشارة لها أن تسكت، فاستمرت بالصراخ..
صحت "أسكتي". فنزلت من السيارة وكأنها تود معاركتي، لم يردعها تحريك سلاحي من وضعية التدلي إلى وضعية التهيؤ، استمرت بشتمنا: "زعران، خربتوا البلد، قتلتوا الناس، وبدكن تذلونا.. تعا اضربني كمان، شو لأنو حاطة تمثال العذرا بدّك تبهدلني؟" صعقتني الجملة الأخيرة، خجلتُ وارتبكت. تقدم "أبو رشق" وهو من "المرابطون"، ضخم الجثة وأزعر حقيقي، اقترب والتصق بها وجهاً لوجه حتى لامس انفه أنفها وحدق في عينيها وهو يكزُّ على أسنانه (...)، التفت إليّ باحتقار "طلاع معها وخذها ع العاملية". المرأة انهارت وهي تقود السيارة وأنا بجانبها أرى دمعة صامتة تكرج على خدها، برأسي المطأطئ قلت لها "أمي مسيحية".
***
نزلت مجدداً إلى خطوط التماس في بيروت. من وادي أبو جميل إلى موقع بناية البيبسي ـ بنك الريف، موقع خطر ومشترك أيضاً مع الشيوعيين. شراكة الدم معهم كانت الأقوى، في كل معارك الزواريب والنفوذ، اصطدمنا بالجميع ما عداهم.
هناك كانت البرغشة بحجم الصرصور. وبعد اليوم الأول عرفت أن هذا المحور هو عقاب لرواده، فلا أحد يتطوع للعيش في حفرة النفايات والعتمة إلا شخص غبي مثلي. وهناك التقيت بالشيوعي سعيد الذي عملت معه في أحد المطاعم شتاء 1983 (...).
***
مات أصدقائي الثلاثة: كفاح، ميشال، محمود. نصبوا لهم كميناً وقتلوهم بالبلطات والسكاكين ورموهم في الوادي على طريق الغابون في الجبل.
***
تمت تصفية "المرابطون"، فهرب شبابهم إلينا، سلموا أسلحتهم واختبأوا في مركزنا، اتصلت بتاجر سلاح: ألف ليرة لكل كلاشينكوف، بيدي الآن ثروة صغيرة سأبددها على مدى شهرين في البارات وبألعاب القمار.
***
مجموعة "الحنون"، شلة في سيارة مرسيدس ستايشن زرقاء، تقوم بمهمات أمنية سرية. جلبوا إمرأة جميلة وسلموني إياها لأسجنها في زنزانة القاعدة "عميلة لإسرائيل" قالوا. مكثت ثلاثة أيام، أتوا وأخذوها واختفت.
أذكر "سوتيانها" و "كيلوتها" المغسولين المنشورين على حبل غسيل.
***
شلة "الحنون" جلبوا جوزف ربابي خطفاً عن طريق المطار. رجل عجوز منهك وخائف. وضع منشفة على رأسه، أعطيه حراماً فيقول "شكراً يا ابني". رددها مرات عدة، فصرخت "لست ابنك". ذهبت إلى المطبخ وبكيت.
مرة أخرى جاؤوا بثمانية شبان من سكان برج حمود عذبوهم فانفجرت قرحة معدة أحدهم.
اصطادوا شاباً متورطاً بتفجير سيارة ملغومة في منطقة الجامعة العربية، ضربناه ولكمناه، وخبطتُ يده بالبندقية فنفر الدم من أصابعه، أخذوه بعد أيام وأعدموه.
***
أصابنا الإفلاس، فأمرت الحرس أن يمنع مدير البنك المجاور من إيقاف سيارته في كل الشارع. بعد يومين صعدنا إليه، كايد وآذار وأنا. جلست قبالة المدير "كل عيد وأنت بخير، كلّك نظر، الشباب مفلسين وفهمك كفاية". يسأل "كم شاب أنتم". أجيب 24 عنصراً، أي ضعف عددنا، طلب مني أن أزوره بعد غد.
عشرون ألف ليرة (نحو ثلاثة آلاف دولار أميركي، مطلع العام 1985) أعطيت كل شاب ألف ليرة واحتفظت بالباقي. مطعم بربر يتبرع كل يوم بعشائنا، صاحب بسطة الفواكه أفلس بعد سرقاتنا المتكررة له.
المنشور أعلاه مقاطع متفرقة من كتاب ـ سيرة تعود الى سنوات الحرب. الكتاب سيصدر قريباً عن "جمعية أشكال ألوان".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.