8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ورود وأوشحة وشموع.. وتفاؤل

بدأت تظاهرات اللبنانيين قبل سنوات عدة. ونزل المواطنون إلى الشوارع منذ زمن طويل. فمع عهد السلم الأهلي وبدء الحياة الآمنة (نسبياً)، خرج "المواطنون" من مخابئهم وملاجئهم وبيوتهم المحصنة، وخرجوا من قوقعاتهم وصمتهم وانتظارهم نحو العمل والعلم والعيش السوي... ليحتلوا المشهد مجدداً، بعد أن كان الرعاع والزعران والميليشياويون يسيطرون على الشارع وعلى السماء والهواء وعلى الميادين والمنابر.
خرجوا بتطرّف وبحماسة ولهفة، فهم كثرة على كورنيشات المدينة، وهم عجقة في المول والسوبر ماركت وهم ازدحام كبير في الأسواق، هم المستهلكون بنهم، وهم رواد صالات السينما التي تزايدت على نحو قياسي، وهم زبائن المطاعم التي لا تعد ولا تحصى، وهم الذين اكتسبوا عادة التواجد بكثافة في مقاهي الأرصفة المتناسلة في وسط المدينة وفي الأشرفية وفي رأس بيروت وفي بلدات الجبل ومدنه.
خرج المواطنون ليرتّقوا قماشة مجتمعهم وعيشهم، فاندفعوا إلى السهر المتمادي بصخبه وإسرافه، مؤلفين ليلاً كرنفالياً متواصلاً من المكحول، إلى الداون تاون، إلى ساحة ساسين، إلى مونو، إلى الجميزة، إلى المعاملتين وطبرجا وجونية وعاليه وبحمدون وبرمانا.
برجوازيون جدد، برجوازيون عريقون، أرستقراطيون، أثرياء، طبقات وسطى، تجار وحرفيون وتقنيون وطلاب جامعيون، وعائلات وشبان عاملون، وفتيات عاملات... وعقول وأرواح تسعى إلى البهجة والرفاهية والعيش الرغيد والسلام والطمأنينة والنجاح. أناس لا يودون سوى استعادة "المعجزات"، أو تحقيق "الخرافة" اللبنانية. مواطنون صنعتهم سنوات السلم القليلة، وعيهم السياسي الوحيد، هو أن يكونوا في صلب العالم وفي صلب العصر.
هؤلاء، يوم 28 شباط، وبعد 14 يوماً من التظاهر والاعتصام والاحتشاد، وصلوا إلى ذروة المشهد التاريخي: مجتمع أنيق، فاتن، ملوّن، جذاب ومرح يظهر قوته الفائقة. "الأغلبية الصامتة" تنطق بكلمتها الحاسمة.
يوم 28 شباط، لم أجد صعوبة في أن أحوّل وجهة "النزهة" العائلية نحو ساحة الشهداء، الزوجة والابن كانا أكثر حماسة مني للنزول إلى هناك، على الرغم من أنني وزوجتي ننفر باستمرار من الجماهير والاحتشادات الشعبية. ما دفعنا للنزول إلى ساحة الشهداء شعورنا بأن من يجتمع في الساحة هم مثلنا إذ بدوا أليفين أو هم مجرّد أفراد وأسر ومواطنين عاديين، كما يكونون في احتفالية عامة، فنية ومبهجة، وبدا اجتماعهم السياسي خفيفاً ورحباً.
بمعنى آخر، ما اجتمع هناك كان يوالف ما بين الاحتجاج والتعبير السياسيين من جهة وصورة الابتهاج العام التي اعتادوها على أرصفة الداون تاون وفي حانات "مونو" وعلى الكورنيش البحري، فهذا جمهور خليط، غير متجانس، يكوّن مشهداً عيانياً على سكان بلد، أي أنه ليس احتشاد أنصار حزبيين أو أعضاء نقابة، أو تظاهرة فئوية أو جهوية. بدا وكأنه، في عفويته، ملموماً من غير أوامر أو تنظيم، من أطراف الجمهورية كلها... وعلى شبهة كرنفالية ممتعة.
بالتأكيد، لـ"الثورات" طابع طفولي. أو هي تجعل المنخرطين فيها فائضين بالمشاعر الطفولية. أما الحماسة الناتجة عن ذلك فتترجم نفسها في سلوكيات الجمهور بأن يصير أفراده أقل تحفظاً في الاحتكاك مع الآخرين، ومهتاجاً عاطفياً، ومتسامحاً إزاء بعضه البعض. يصير خفيفاً وشفافاً إلى أقصى حد.
في يوم 28 شباط كان بالامكان ملاحظة العائلات الغريبة عن بعضها البعض وهي تتشارك سوية في تضييف الحلوى وتقديم قناني المياه أو في تبادل الأحاديث العابرة، أو هي تتناقل التعليقات والنكات السياسية. فيما الأطفال وعلى طريقتهم يتعارفون ويمارسون ما يشبه اللعب.
في جو من التواطؤ الاجتماعي، كالذي ينشأ مثلاً بين الأفواج السياحية، كان يمكن ملاحظة ذاك التساهل الذي أبدته الفتيات تجاه الشبان في رغبتهم الأبدية في التقارب والتواصل والتعارف. كان ثمة انجذاب جماعي بين الفتيان والفتيات كما لو أن لهذه المناسبة السياسية قوة خفية على نشاط الهرمونات وعلى إخراج العواطف من مكبوتها. هذا احتفال بالحياة حقاً وانحياز إلى سياسة الحياة ضد سياسة الموت، انحياز للحب ضد الكراهية. انحياز للتسامح ضد العنف.
لم تشعر سيدات البيوت بالحرج ان هن أتين بكلابهن الأليفة، فبدلاً من أن يجعلن نزهتهن بعد الظهر باتجاه الكورنيش البحري مثلاً، انعطفن إلى الاعتصام الجماهيري السياسي ليشاركن فيه من غير أن يبدلن شيئاً من مظهرهن.
بل ان الفتيات والسيدات جعلن أنفسهن متهيآت للمناسبة على أفضل ما يكنّ من تبرج وتأنق وترتيب. وهذا ربما يعود إلى شعورهن بأنهن آتيات إلى "احتفالية" سياسية تعاكس تاريخ كل التظاهرات السياسية، وتناقض كل صور الاعتصامات والمهرجانات الحزبية أو المطلبية. وربما أيضاً أردن أن يجعلن من التظاهرة ليس فقط "مطالبة" بالديموقراطية والحرية والاستقلال والسيادة. بل ان تكون التظاهرة نفسها ترجمة عيانية لهذه الشعارات. وأن يجعلنها حقاً مبهجة ووردية. كنّ على هذا النحو سنونوات ذاك الربيع المبكر.
أساتذة الجامعات ألفوا أنفسهم فجأة من دون فواصل التراتبية، مع تلامذتهم في تشابك الصوت والأيدي. إذ كنا نرى الحلقات الصغيرة التي يؤلفها الطلاب مع أساتذتهم، كما لو أنهم في هرجهم وصخبهم وفوضى أحاديثهم وتناولهم للسندويشات والمرطبات كأنهم في مشوار أو رحلة سياحية، على الرغم من أنهم "مستنفرون" في إعلاء صرخاتهم وإطلاق شعاراتهم ورفع الرايات. فبدا التصرفان أو السلوكان من دون تناقض أو تنافر. وهذه سمة من سمات ذاك التجمع الاستثنائي.
رأينا الأستاذة الجامعية تمسك يافطة من طرف بينما تلميذها يمسك الطرف الثاني. رأينا الطبيب والممرضة، صاحب المؤسسة وسكرتيرته. العجائز والفتيان... لا ليكونوا كتلة واحدة تتخلى عن فوارقها وتمايزاتها، بل ليصبحوا نموذجاً لتباينات المواطنين كما هم على حقيقتهم اليومية. هذا بحد ذاته شكّل مظهراً سياسياً طارئاً وجديداً، إذ أن "الشعب" ما عاد كما هو في المخيلة السياسية.
الصحافيون والاعلاميون غالباً ما مزجوا أيضاً بين حضورهم إلى الساحة كعمل وكجزء من مهمتهم المهنية وبين انخراطهم الكامل في فعل الاعتصام والتظاهر، وهم أيضاً نافسوا الفنانين والمغنين والسياسيين والحزبيين في التناوب على ميكروفون مخاطبة الجموع.
انتهت التيارات الحزبية والتجمعات السياسية إلى أن تكون حاضرة على شكل خيم متوزعة في أرجاء الساحة المعشوشبة المحيطة بنصب الشهداء. لكل خيمة لونها وعصبتها ومنها تتوزع الأعلام والأزرار التذكارية واليافطات والمهمات والتوجيهات... وفيها تتراكم الأغطية حيث يتمدد الشبان والشابات للاستراحة أو لغفوة قليلة، بعد ساعات من الوقوف والانشاد وإطلاق الصيحات.
امتازت أيام التجمع والاعتصام المديدة هذه بتبادل الأدوار بينها وبين الصورة التلفزيونية. فهي وإن كانت موضوع الصورة الاعلامية بامتياز، فإنها أيضاً كانت "المتفرجة"، بعد أن بادرت المؤسسات التلفزيونية إلى نصب شاشات ضخمة في الساحة، فكان الجمهور في الشاشة حيناً أو يتفرج على جلسة مجلس النواب حيناً آخر. فيما يمكن دمج المشهد المزدوج هذا في صورة واحدة منقولة إلى شاشات البيوت في لبنان والعالم.
إنه تطوّر تقني ـ سياسي أضفى على التحرّك الشعبي اللبناني جدة وحداثة تضافان إلى عناصر الامتياز الذي اتسمت به هذه التظاهرات، وأهمها الطابع السلمي والمدني والتلون الاجتماعي والروح الاحتفالية ـ الكرنفالية.
الخاصية الأخرى، تمثلت في تمثيل السياسة بعناصر ورموز جديدة، لبنانياً على الأقل: الورود، الأوشحة البيضاء والحمراء والزرقاء، الشموع... والفرح. هذا "الفرح" الجماعي الذي اكتسب بعداً سياسياً من الدرجة الأولى وعلى نحو عجائبي ومدهش. بهجة عارمة في لحظة الغضب والاحتجاج، أو تحوير الاحتجاج إلى ابتسامات!
كان هذا، ببساطة، يصنع "هوية" لبنانية كانت على الدوام مستعصية على التحقق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00