التاريخ، اغلب الأحيان، لا يزور إلا أمكنة محددة.
هذا شأن بعض المدن الملعونة، أو شأن شارع أسطوري، وبالتأكيد هو شأن ساحات قليلة.
بهذا المعنى، لا يمر التاريخ في لبنان إلا وينزل هناك في تلك الساحة التي تتوسط بيروت، باسطاً اقداره واراداته وأحداثه البليغة.
"ساحة المدفع" التي نشأت مع انبعاث بيروت الحديثة، وفق التخطيط العثماني، سرعان ما سيتغير اسمها إلى "ساحة البرج". ثم لما كان عليها أن تتحول ميداناً لإعدام رجالات الاستقلال الأوائل، مختتمة بذلك الزمن العثماني، كان عليها، فيما بعد، وتكريماً لذكراهم، ان تصير "ساحة الشهداء".
وسيرة ساحة الشهداء منذ العشرينات وحتى أواسط السبعينات، تختزل التاريخ اللبناني وتاريخ التجربة اللبنانية اجتماعاً وسياسة واقتصاداً. فهي المكان الاستثنائي الذي انعقدت عليه المدينة، وهي مركز الثقل الذي شد اطراف لبنان لتكتمل بها "الهندسة" الجغرافية للدولة والكيان.
مع انفجار الصيغة اللبنانية عام 1975 وانفراط الاجتماع اللبناني الى فرق متنابذة متحاربة، تحولت الساحة من صرة البلد إلى حفرة فاصلة، وإلى مِزق متفتق، وإلى خلاء ميت وأرض موت فاصلة. فكانت بهذا المعنى ايضاً المكان الذي يرمز إلى الحياة اللبنانية ويشهد جغرافياً على أحوال لبنان وتاريخه.
مع انتهاء الحروب المتعاقبة على لبنان، كانت العودة إلى ساحة وسط البلد، غامضة وملتبسة تماماً كغموض والتباس هذا السلم، الناقص أبداً. ومرة جديدة ستترجم ساحة الشهداء الحال اللبنانية إلى فعل واضح ورمزي مكثف. فمع عنوان "اعادة الإعمار والبناء" الذي اقترن بارادة النسيان وتجاوز الذاكرة، ستبدأ سيرة الجرافات التي ستزيل المعالم التاريخية المتهالكة والمخرومة برصاص الحرب و قذائفها. سيرة مؤلمة من الجرف والازالة، لتتحو ل الساحة إلى أرض خلاء مستوية وفارغة.
وعلى الرغم من الارادة الجامحة لاعادة الاعمار والزخم الهائل الذي بدا عليه مشروع إحياء وسط بيروت كعنوان اساسي لقيام "لبنان الجديد" وكمثال عمراني على تأسيس الجمهورية الثانية، ظلت الساحة أرض حيرة وارتباك، أي ايضاً، مرة جديدة، ستكون الترجمة العيانية الماثلة للأنظار لحال الحيرة والتردد في مضامين العيش المشترك والاستقلال، وفي معنى الكيان بصيغته الجديدة التي أرساها اتفاق الطائف. وستكون الساحة الخالية رمزاً للخلل البنيوي للدولة، وللارتباك الذي يعتري الاجتماع اللبناني الذي ما زال يعاني من صعوبات في التلاقي التام.
لم يجد القائمون بأمر اعادة الإعمار صعوبة في أن ينجزوا بأناقة وترف كل أجزاء وسط المدينة (يمكننا هنا التحدث عن تحفة عمرانية)، عدا الساحة الواسعة نفسها، فقد ظلت هكذا ارضاً مستوية فاصلة، مفزعة بفراغها الغرائبي وممتنعة عن الاعمار. كانت اشكالية ساحة الشهداء دلالة بارزة على ما يعتري السياسة والاجتماع من فراغات مقلقة.
فالجدال الصامت والخلافات غير المعلنة ازاء مصير الساحة وكيفية توظيفها واعمارها وتشكيلها كانت كلها تدل على أن العجز الهندسي ـ العمراني هو بالأصح عجز سياسي عميق في تقرير وجهة المدينة ـ العاصمة، وفي تقرير "عقيدة" الجمهورية.
لنأخذ سيرة نصب الشهداء نفسه الذي عانى أولاً من سجالات مريرة حول جدوى ترميمه، ثم عانى انتظاراً مديداً قبل أن يتم التوافق على تبنيه مجدداً. فقد كان هناك وجهة نظر بالتخلي عنه نهائياً، ووجهة نظر تقول بتجديده كلياً مع تغيير موقع تثبيته فبدل أن يتوسط الساحة، يُركن في أحد الجوانب أو في مكان آخر. وكان من الجيد أن الحل الأخير اعتمد على ترميمه مع إبقاء بصمات الحرب عليه كشاهد تذكاري وجمالي جامع للتواريخ، ومع اعادته إلى موقعه الأصلي في وسط الساحة.
كان المأزق بعد ذلك متى وكيف يعود النصب، لتبدأ معه مرحلة إحياء الساحة.. وليس خافياً على أحد النزاع المكتوم والمحتد الذي قام بين رئيس الجمهورية إميل لحود ورئيس الوزراء الشهيد رفيق الحريري، حول من له أحقية القيام بمراسم اعادة التمثال وتنصيبه. فكلاهما كانا يدركان القوة الرمزية، السياسية، التي تختزنها هذه المراسم في هذه المناسبة. فمن سيقوم بها هو الذي سيكون بديهياً امام الملأ صاحب السلطان.
هذا النزاع، الذي محوره ساحة الشهداء ونصبها، كشف مرة أخرى عن علل الجمهورية الثانية واختلال توازناتها والضعف الذي يسمها في كل حركاتها وسكناتها.
يمكن القول إن لصاحب مشروع اعادة الاعمار والبناء، و"الأب الروحي" الجديد لوسط بيروت، الأحقية المعنوية والسياسية في المبادرة إلى إعادة نصب الشهداء، لكن وفي لحظة ليلية، وعلى غفلة من الجميع، تمت عملية "اختطاف" للتمثال حتى يتسنى لرئاسة الجمهورية أمر التنصيب.
وهكذا ايضاً تكون الحادثة المتعلقة بالساحة ومعالمها شاهداً رمزياً على حال الأسر والاختطاف الذي يعانيه البلد تمديداً وتسويفاً لا يطاقان.
لكن يبدو أن التاريخ أصر أن يمارس شعريته المريرة، وأصر على النزول مجدداً إلى تلك الساحة وفق ولعه الشديد بالمفارقات.
فالمكان الذي غدا فارغاً محيراً، وفاقداً لأي قوة تعبيرية، وعاطلاً عن أي وظيفة، فجأة عاد وانفجرت فيه الطاقة الرمزية دفعة واحدة. ولتحتشد فيه شحنة هائلة من الدلالات والمعاني.
الحدث: اغتيال الرئيس رفيق الحريري على نحو مفرط بوحشيته.
تبع ذلك، وفوراً، نزول اللبنانيين لأول مرة منذ اندلاع الحرب في تلاقٍ تاريخي هناك، وسط البلد، في ساحة الشهداء، تأبيناً وطنياً لشهيد جديد للاستقلال. أهل الأشرفية والدورة وبرج حمود والصيفي والجميزة وأهل الباشورة والبسطة والمزرعة ورأس بيروت، أتوا من كل الطرق ومن جميع جهات بيروت، ومعهم ايضاً أهل مناطق لبنان... جمهوراً من مواطنين.
وبدا مشهدهم هذا خليطاً من السكان الذين يتمايزون طبقات ورتباً ومهناً وأهواء وأذواقاً وانتماءات. وبدوا في لاتجانسهم وتلونهم الشديد على عكس ما اعتدناه من تظاهرات مرصوصة، متوحدة السحن والزي والانتماء واللون والصوت. وعلى عكس الاحتشادات المنظمة والمتحزّبة والمنضبطة في ايقاع واحد وتحت شعار واحد.
بدا حشد ساحة الشهداء الطارئ، كما لو انه اجتماع "مواطنين" فحسب، ذلك ما لحظته من فور حدوثه كاميرات المصورين ولحظه أيضاً الناس في لقائهم بعضهم ببعض. اذ نادراً ما يجتمع الأطباء وعمال المصانع والتجار والكسبة الصغار والصنّاع والموظفون ومدراء الشركات وربات البيوت والطلاب والساسة والفتيات والمثقفون والشبان والكهول... الخ اجتماعاً تلقائياً وتضامنياً في الوقت ذاته، سائرين سوية وصانعين حشداً يمكن وصفه بالأنيق والمتمدن على الرغم من الحزن والغضب اللذين غلّفا المشهد.
هكذا، بوتيرة متسارعة، غير متوقعة، عادت ساحة الشهداء لتفيض قوة رمزية، ولتجدد وظيفتها المنسية: ساحة لقاء وتواصل واجتماع. بلحظة واحدة ما عادت فاصلاً ولا فراغاً، بل وبلحظة واحدة باتت للساحة معالم جديدة مندغمة مع المعالم السابقة ومتسقة معها بايحاءاتها التاريخية.
فالمسجد الذي بدا اثناء تشييده جسماً ضخماً ونافراً، ومستجداً على التناسق العمراني المحيط به، ومفارقاً لطبيعة المساجد الكثيرة في منطقة الوسط التجاري من حيث القِدم والملمح التراثي والتواضع في الحجم وانسجامها البديع مع الطابع العمراني العام... صار هذا المسجد على نحو مفاجئ أليفاً، ومقصداً ليس للمصلين أو المؤمنين فحسب بل للحشود المختلطة الطوائف وحضناً لهم... بهذا المعنى اندمج بوظيفته كمسجد وكمعلم داخل الذاكرة التي تتشكل الآن، وبات، كما معالم الساحة، له وظيفة التقاء وتواصل.
ضريح الشهيد الحريري وأضرحة رفاقه في الباحة الملاصقة للمجسد تحولت إلى محجة ومزار لجموع اللبنانيين، وملتقى كئيباً للحزن والغضب وايضاً للتعبير السياسي، الجماهيري والعمومي. فمرقد الموت هذا صار رمزاً للمحنة اللبنانية، ومعلماً لتوحد أطياف المجتمع اللبناني على جملة من التطلعات والتعبيرات في لحظة نادراً ما تتكرر في لبنان.
المزار المستجد اضفى على اسم "ساحة الشهداء" شرعية اضافية، إذ ضم شهداء جدداً لاستقلال جديد، قيد التحصيل والانجاز.
الطقوس المصاحبة لزيارة الأضرحة، من إنشاد النشيد الوطني ورفع الأعلام اللبنانية واضاءة الشموع ووضع الزهور والأكاليل، والكتابة على العرائض... جعلت الساحة ميداناً واسعاً، اوسع من مساحته، ينبض بالعاطفة ويلملم التعبيرات والايحاءات في خطاب سياسي لبناني، جماهيري. وبهذا المعنى ايضاً تكون الساحة مضطلعة بتلك الوظيفة التاريخية لها: ربط لبنان كله والعاصمة كلها على صورة جامعة واحدة.
نصب الشهداء ذاته، الذي ما ان عاد مجدداً، وجدناه أقل قوة مما تخيلناه أو كما نتذكره قبل الحرب أو كما تبرزه الصور التذكارية. بدا مع عودته الجديدة مصاباً بالضآلة، وقليل الأثر ولا يشيع منه ايحاء لطالما افترضناه فيه.
كان وجوده الجديد يدعو للحيرة، أو لعدم الاكتراث تقريباً، وساهم التصميم الجديد لمحيطه وقاعدته، في جعله شبه مختنق، وشبه متخفٍّ. ونحن كنا نمر به ونجد مثلاً أن شجرة الميلاد المضاءة والمهيبة أقوى حضوراً منه.
في يوم الحشد المشهود، وفي الأيام التي تلت، برز التمثال كأنه انبثق فجأة، اذ صار نقطة ارتكاز للشبيبة وللمتظاهرين ولحاملي اليافطات وللخطباء الذين يعتلون منصته. ثم إن النصب الذي تزين بالأعلام اللبنانية والشارات السود والكتابات، تحول إلى حالة تعبيرية متصلة بالتعبيرات الأصلية الموجودة فيه كتمثال حامل الشعلة وتمثال الشهيد الممدد. ليكتسب من كل ذلك طاقة تعبيرية تتوظف الآن سياسياً وثقافياً.
بهذا المعنى ايضاً، عاد نصب الشهداء ليستحق تسميته واصلاً ماضيه المقطوع عن الذاكرة بحاضر يتشكل الآن.
من هذه الحيثيات، تتوضح صورة ساحة الشهداء، ميداناً لتاريخ لبنان وأحداثه طوال القرن العشرين وفي مفتتح القرن الواحد والعشرين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.