"التسامح لا ينتج.. لا رواية ولا كتابة ولا أدباً". قال لنا محمد أبي سمرا، مؤلف الروايات "بولين وأطيافها" و"الرجل السابق" و"سكان الصور".
اللاتسامح في كتابة أبي سمرا لانطباعاته ومشاهداته عن المدن والقفار والأرياف التي زارها في رحلات متباعدة في كل من المغرب وسوريا والعراق، يبدو أنه هو حبر العبارات والمعاني والأقوال في كتاب الرحلات هذه "بلاد المهانة والخوف (كردستان، بيروت، كازابلانكا). ذلك انه أراد أن يعاين ككاتب وروائي وصحافي جغرافيا القلاقل والاضطرابات والتخلف، وأن يصور تلك التفاصيل والاشارات الضئيلة والمبثوثة بكثافة في يوميات العيش والعمران والطبيعة، والتي تنوء بدلالات البؤس والرثاثة وعلاقات القمع التي تحكم حياة البشر، بقسوة مفرطة في عتقها، حتى ان هذه الجغرافيا تبدو في الكتاب أرضاً غير صالحة للعيش ومجتمعات لا رجاء فيها. أرض قنوط وتعاسة، منكوبة وملعونة أبداً. فالفقر والمهانة والخوف فيها ليست قدراً فحسب، ولا جماع هوية فقط، بل هي أسلوب حياة تاريخي سحيق.
وعصب "بلاد المهانة والخوف" هو اقتناع الكاتب بان ما يعصف في هذه المدن والاصقاع من النزاعات التي تدمر العمران والاجتماع والبيئة متأت من ثقافة أهلية تمانع الحداثة. فالفقر مثلاً ليس معطى اقتصادياً، بل هو أشبه بخيار ذاتي نابع من قيم وعادات ترسخ العوز وتعمقه. والتخلف ليس قدراً سابقاً على ارادة هذه المجتمعات، بل هو نتاج يومي يصر عليه أهل هذه المجتمعات في سلوكياتهم وعلاقاتهم ومعتقداتهم وفي نظرتهم الى أنفسهم والى الآخرين.
ليس كتاب أبي سمرا بحثاً فكرياً ـ نظرياً ولا يسعى اطلاقاً الى "التحليل" أو الى تناول "قضايا" وعناوين مجردة. وحسب مقدمة الكتاب، فالمؤلف الموصوم بـ "وعي لبناني شقي" (تجربة لبنان الكبير، وتجربة الحرب الأهلية ـ العربية فيه) يختبر نوعاً من الكتابة الميدانية المفتوحة على الرواية والجغرافيا البشرية والثقافة ومشاهد الحياة اليومية العابرة التي تختزن ظلالاً متباعدة من الاجتماع والتاريخ. وهي كتابة لا تتناول "موضوعات" و"مشكلات" بل تقول كل ما هو مشهدي وتفصيلي وجزئي وعابر في حواس شخص عابر.
وإذ نرى ان ملاحقة ظلال الاجتماع والتاريخ والطبيعة في كتابة أبي سمراً الميدانية تطلع من هاجس سياسي يخترق كل وجهات نظره وينسجها في نصوص تنضح بالأسى والاستنكار والتبرم والضيق، يبرر المؤلف قائلاً في حوارنا معه حول الكتاب "من مشهد واحد، كأن ترى كيفية توزع لاعبي كرة القدم وحركتهم على أرض الملعب، وان ترى عشب الملعب نضراً وحياً.. يمكنك ان تعرف كم هي لعبة كرة القدم متقدمة وحية في بلد ما. فاذا كان المقصود بالسياسة هنا لا المواقف السياسية ولا حوادثها اليومية، بل السياسة بما هي حياة اجتماعية من مظاهرها العمران والعمارة والتنظيم المدني واشكال وجود البشر في الحيز المكاني وتوزعهم وطريقة مشيهم وحركة المرور اليومية في الشوارع.. بهذا المعنى من الممكن ان تكون نصوص الكتاب ذات وجه سياسي. فمشهد احراق الواح خشبية صغيرة في صفيحة زيت نباتي فارغة على حاجز عسكري لتفتيش العابرين ينم عن سلوك يتعدى ذلك المشهد، وينم عن نظرة افراده الى انفسهم. مثلما ايضاً من الممكن ان يتم قضاء يوم واحد في اسطنبول عن عدم تبجح أهل المدينة في استعمال السيارات واقتنائها، على عكس ما هو الحال السائد في بيروت. وهذه المفارقة التفصيلية من الممكن ربطها بأساليب تدبير الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلد ما.
ولا يمل الكاتب بحسه الروائي والنقدي الامعان في ما يذهب اليه، حتى لتبدو توصيفاته وأحكامه وتأملاته لما يراه ويتفحصه ويصادفه، طالعة من وجهة نظر ايديولوجية وذاتية، قوامها النقد الصريح والحاد لكل أشكال الممانعة التي تبديها هذه المجتمعات لما هو حديث وفردي (وليبرالي؟). وهو يرد على شبهة الاسقاط الايديولوجي قائلاً "ربما قد أكون وسمت بأنني غاضب وساخط فيما أكتب. لا أدري أن كنت قد صدقت هذه السمة. ولكن حين أفكر في البلاد التي كتبت عنها في الكتاب، أجدني رؤوفاً حيال عدم قدرة البشر فيها على امتلاك مصائرهم".
ولكن هذا الاصرار في نصوص أبي سمرا، التي تمتاز بأسلوب روائي وثائقي، على معاينة التخلف والخواء طوال الوقت يجعلنا نتخيله معلناً طوال الوقت: "اسرعوا الى الحداثة.. اسرعوا ايها البؤساء". وعلى هذا التصور يجيب: "أنا، يوماً بعد يوم، ازداد دهشة بالحضارة الغربية، وبالسير في شوارع مدن أوروبا. وكلما قرأت كتاباً لروائي أو باحث غير عربي ازداد دهشة بالحضارة الغربية".
اليس هذا تبشيراً؟
ـ "فيما اختبرته، وفيما أعرف، أرى أنه من الصعب تبشير أحد أو نصحه بشيء. مثلاً عندما أرى مشهد خروج التلامذة من المدرسة الرسمية ما يذهلني ليس وهم يخرجون بفوضى صاخبة بل يذهلني اعتبار مشاهديهم من أهالي ومعلمين أن مشهد خروجهم هذا طبيعي وعادي. وفي هذه اللحظات لا تأخذني إلا رغبة الفرار من هذا المشهد".
يكتب أبي سمرا (ص 138): "الألوان كلها تميل الى دكنة رصاصية تنتشر في المدى الرحب وتبدي العابرين من الناس، على الطرق المستقيمة والمبعثرين في العراء، مثل ظلال نائية تعيش في صمت وخفوت كئيب، هما انعكاس لروح المكان المنبسط من غير تعرجات ولا التواءات أو انثناءات. كأنما البيوت والطرق اقيمت في المساحات الخالية ودبت فيها حياة رتيبة دفعة واحدة وفي الوقت نفسه من غير تدرج ولا تفاوت. فلا البيوت ولا الطرق تذكر بماض قريب أو بعيد. والبشر كلهم يبدون في مشهدهم وحركتهم في عمر واحد هو نفسه عمر بيوتهم التي لا ينبئ مشهدها بأن إلفة ما يمكن ان تكتنف دواخلها. كأن البيوت هنا بلا داخل أصلاً، خلف هذه الجدران المهترئة أو الدكناء الكئيبة".
روح هذا الوصف لمدينة البصرة وضواحيها، مع اختلاف التفاصيل والمشاهد، تسري على كل الأمكنة التي عاينها المؤلف في رثاء مديد وخانق على طول صفحات الكتاب الذي لا حقيقة فيه سوى واقعيته الروائية ولا خيال فيه سوى حقيقة الواقع ومرارته. حس روائي تصويري يبتعد عن أي غنائية، وعين متلصصة لا تخجل من الفضح والكشف، وقدرة استقرائية في العلامات كاستاذ سيمياء متفان في تقفي الدلالات وترتيبها وإعلانها.
والغريب هو عدم التقاط محمد أبي سمرا لما هو جمالي أو جميل على نحو متعمد.. حتى تكاد الرثاثة وحدها تبدو كخيمة هائلة تظلل هذه الجغرافيا الشاسعة. ويرد على ذلك قائلاً "وصف الرثاثة في الأشياء وفي المشاهد وفي البشر هو فعل تعبيري جمالي. أما اذا كنت تقصد وصف مشهد جميل أو حالة جميلة فاعتقد ان بعض مشاهد الطبيعة الموصوفة في هذا الكتابة تنم عن دهشة جمالية ما".
وإذ نصر على أن الكتاب يخلو من التسامح ازاء حال البشر والأمكنة وفي نبرة الكتابة نفسها، يعلق "أنا لا أكتب لكي أوزع مقادير من التسامح والكراهية على الأوضاع والمواقف والشخصيات التي أتناولها. وفي الروايتين الأخيرتين اللتين كتبتهما "الرجل السابق" و"سكان الصور" لم أكن متسامحاً قط".
ما بين المدن المغربية "الدهرية" والمدن المشرقية "الخاوية" يلاحظ المؤلف الكثير من الفوارق والتمايزات، وهو بحنكة تصويرية واطلاع سوسيولوجي وانتروبولوجي يكتشف الانتظامات الاجتماعية والبنى الثقافية والسلوكيات الطفيفة الاختلاف ويظهرها كفوارق دالة ما بين الأمكنة المغربية والأمكنة العراقية أو السورية أو اللبنانية ويصبح بالامكان تلمس ما قد نسميه الفوارق ما بين البر الآسيوي والبلاد المغربية. ويوضح لنا "المدن الموصوفة في برنا الآسيوي مدن داخلية ليس فيها تراث عمراني مديني وهي أقرب الى المدن العشوائية، اما المدن المغربية فهي مدن كانت عواصم لامارات قديمة كمراكش وفاس. ثم ان الطبيعة في المدن الآسيوية المذكورة تبدو أقوى من البشر وقدرتهم على التحكم بها، أما في المغرب فان حضور البشر يبدو بارزاً في العمران وفي تنظيم المدن، على الرغم من انك ما أن تخرج من مدينة مغربية حتى تصير في القفر، وهذا ما لا نجده في لبنان مثلاً".
يحقق "بلاد المهانة والخوف" نوعاً من الكتابة الميدانية المفتوحة على الرواية والريبورتاج الصحافي والبحث السوسيولوجي والانتروبولوجي، والتي لا تخلو من الحساسية السينمائية ومن شعرية القسوة (إذا صح التعبير) فهو يكتب (ص 23 ـ 24): "مررنا في بلدة صحراوية كئيبة خيل الينا انها ضائعة بلا اسم في الامداء الخالية (...) رأينا فتاة مصففة الشعر في سروال من الجينز تقف أمام مدخل بناء في أول الزقاق المفضي الى الشارع العام. كان الزقاق عميقاً وتظلله المباني المتقاربة، فيشح فيه النور خلف الفتاة التي أبدتها وقفتها الثابتة في مدخله، وكذلك نظرتها الأشد ثباتاً في تحديقها فينا، شخصاً فريداً وغريباً في المكان ـ المشهد، فرادة وغرابة تامتين (...) غبطة خائفة تنطوي على وحشة مزمنة كالوحشة في الزقاق خلفها، كانت تملأ عيني تلك الفتاة المحدقة فينا في استغراب ورجاء عابر ترغب في ان نحمله كرسالة منها في تلك البلدة الكئيبة المنعزلة الى ما تتخيل انه العالم البعيد الذي ربما يستحيل عليها بلوغه".
ان مقدرة أبي سمرا على استقراء الأمكنة والبشر من خلال رصد العلامات القليلة الظاهرة، واستشفافه في لحظة عابرة، سِيَر هذه الأمكنة وناسها واستظهار بواطنها وما يعتمل في الأنفس وفي العمران من معاني وحكايات تأخذ كتابه الى ما هو أبعد من تقليدية "أدب الرحلات"، وهو اذ يقول ان الأمر لا يعدو كونه "تمريناً على الكتابة الحرة"، يوضح أنه في نصوصه هذه سعى الى كتابة يكون فيها "وصف المرئي والعابر كأنه ثابت في صورة فوتوغرافية". ربما لهذا السبب (أي تحويل المرئي الموصوف الى لقطة فوتوغرافية) تبدو كتابة أبي سمرا مشحونة بالتوتر الدرامي ومغلفة بالأسى. ويفسر المؤلف قائلاً: "قد تكون الحبكة أو السياق الذي تنتظم فيه المشاهد والمرئيات مفكراً فيه على نحو سوسيولوجي أو ثقافي. وقد أكون توصلت الى هذا النوع من الكتابة عن طريق الصحافة. الصحافة التي عملت فيها ككاتب وليس كصحافي. فبعدما كانت الصحافة الثقافية تقوم على تعليقات ونقد كتب ثم وجدت نفسها أمام باب مسدود في هذا المجال، وجدت نفسي شيئاً فشيئاً أتجه نحو كتابة انطباعات وتحقيقات عن اماكن وشخصيات حتى وصلت أخيراً الى كتابة نوع من السير لأشخاص تدل سيرهم على تجارب ثقافية واجتماعية راهنة ومحددة".
ويضيف: "لم يكن الهدف في بداية كتابة هذه النصوص المزاوجة بين الميادين. الرحلة التي يقوم بها المرء إذا لم يكن خلالها يحاور نفسه أو الآخر، أو ذاكرته عن المكان الذي يقصده، يكون سائحاً أعمى. هذا النوع من الكتابة تجعلك خفيفاً حيال الأشياء التي تكتبها، لأنك لا تكتب عن عالم تمتلكه، بل عن اقتراح لكيفية هذا العالم الذي تعبره".
يمكن اعتبار "بلاد المهانة والخوف" شهادة أقرب الى الوثيقة تبين، عن ميل مستجد في الكتابة الموضعية والحرة، حيث المؤلف يسخّر فنه الروائي وثقافته السوسيولوجية ووعيه السياسي في نصوص لا شاغل لها سوى تصوير بؤس الشرط الانساني، كاشفة ايضاً عن كل هذه الفوضى والرثاثة اللتين تعملان كدوامة هائلة تسقط فيها جغرافيا كاملة وتواريخ مديدة، ساحقة المجتمعات ومدمرة البنى السياسية والثقافية والاقتصادية وناشرة الخواء والرثاثة.
خلف كل هذه تكمن حسرة المؤلف على تجربة بيروت و"الإثم اللبناني" الفاتن والمغوي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.