بلال خبيز، الشاعر والصحافي، المشغول في السنوات الأخيرة بثقافة الموضة والأزياء والصورة، والمتتبع للأفكار التي تحوم فوق السياسة وداخل الفنون وحول العلوم الانسانية وعلى جنب الفلسفة.. وهو المشغوف خصوصاً بثيمة الجسد وبالأعمال الفنية "التجهيزية" و"المعمارية"، بدا في كتابه السابق "العولمة وصناعة الأحداث الزائلة". (صدر عام 2003 عن جمعية أشكال ألوان) غير مقنع لجمهور القراء في بيروت، وعلى الأرجح حدث تواطؤ نقدي بين هؤلاء القراء يقوم على أن خبيز يتصدى لأفكار كبيرة بثقافة عادية. وساند هذه القناعة انطباع القراء بأن ليس لبلال خبيز، الشاعر، أسلوب نثري يناسب موضوعاته الفكرية، وان في كتاباته إعياء، وحتى استدعاء لأساليب الآخرين. وعلى الرغم من الدقة النظرية والإحاطة التي ميزت كتابه "العولمة وصناعة الاحداث" والذي لم يخلُ من الجرأة الفكرية، فقد تم إهماله نسبياً، خصوصاً في مدينة مثل بيروت يتصل مثقفوها بالنصوص نفسها التي جعلها بلال خبيز مرجعاً معلناً له في طروحاته، أكان بيار بورديو أم جان بودريارد أو رولان بارت.
وعلى الرغم من الاجتهادات اللافتة والذكية في ذاك الكتاب لناحية تثبيت ملاحظات أساسية في رؤية مفاعيل العولمة على البيئة والثقافة المحليتين، و"ترجمة" الأفكار المتباعدة في سياق نظري وتحليلي متماسك، إلا ان "العولمة وصناعة الأحداث الزائلة" ظل كتاباً بعيداً عن التناول العمومي. وعلى الأرجح فإن مرد ذلك يعود نسبياً الى الابتذال الذي لحق عالم النشر مع الكميات الهائلة من الكتب التي تحمل في عنوانها كلمة "العولمة".
في كتابه الجديد "الصورة الباقية والعالم الزائل" (الصادر عن دار مختارات) يبدو ان خبيز قد قلّص من سعة عنوانه من دون ان يضيّق أفق المعالجة، فما زال "العالم" هو الموضوع، وإن منظوراً اليه من ثقب باب ـ إذا جاز التعبير ـ إذ هو، هنا، يشتغل على مفهوم الصورة وآليات إنتاجها وتسويقها وصناعتها، وأثرها على النفس والجسد.
يكتب بلال خبيز في تلك العلاقة القائمة بين التلصص والمصوّر والنجومية والمشاهد (المستهلك) وهاجس الموت والخلود وتبعيات المعاصرة في لحظة العولمة والتلفزيون "الواقعي" والبث الاخباري المباشر والمتواصل، مقدماً انطولوجيا مقتضبة لهذا المسار المديد لتاريخ الصورة محدداً ذاك التناقض الجوهري ما بين بربرية الطبيعة ونزوعها الى الزوال من جهة، وبين الصورة المصنوعة ونزوعها الى التأبيد من جهة ثانية.
أظن ان المقالة المعنونة بـ"الفردية على حد المرآة" تشكل النواة القوية للكتاب، فمن خلال عقد المقارنات واكتشاف المفارقات ما بين صورة خورخي بورخيس (الروائي والشاعر) الأعمى الذي يبدو وجهه في كل البورتريهات الملتقطة له بكثرة غير مساير للموضة، وغير شخصي وبريء وفج وليس مستوياً وفق شروط المرآة.. وصورة ميكي رورك (الممثل الأميركي) الذي يتعمد ان يكون وجهه برياً، دون ان ينسى مقتضيات المرآة أي ان يظل حديثاً وجميلاً وفردياً وسينمائياً.. كما صورة سيوران (الكاتب الفرنسي) الذي يصنع وجهه عمداً على نحو متوحش ولا معاصر بإرادة رائية (ليست عمياء) لمعاكسة الموضة وكسر المرآة.. ثم صورة الأصولي الذي يجهد لإدراج موضته ومظهره في المعاصرة. هذه الوجوه ـ النماذج يلتقطها بلال خبيز بعين نقدية مقيماً المجاورة بينها في مشهد واحد، أو في صورة افتراضية واحدة تقول بطلان الأحادية وتملص "العولمة" (والموضة ضمناً) من أي تعريف. وهو، ان لم يقل ذلك صراحة، يذهب الى استنتاج آخر مفاده ان نجومية الاسم (لا الوجه) هي التي تعطي لـ"البورتريه" قوته التعبيرية ولمعانه. لا أعرف هنا لماذا لم يتناول الكاتب أندي وارهول وبورتريهاته المستنسخة؟
يتمهل المؤلف، إزاء ظاهرة "استحالة المعرفة مع التلفزيون" ويعود الى مقولة ان الحرب لم تقع (بودريار عن حرب الخليج الأولى): "الواقعة ما ان تتحول صورة تلفزيونية تفقد واقعيتها"، وبتتبعه لهذه الفكرة والتوغل فيها يتنبه بلال خبيز الى الحال التي تلت حال "الحرب لم تقع إلا تلفزيونياً"، أي تلك التي بات فيها المشاهد يتنبأ بالحدث وبالصورة وبات التلفزيون ينتظر تحقق النبوءة أو يسعى لتأكيدها فيما بعد.
يجتاز بلال خبيز في عمله هذا عتبة "النقل" و"الترجمة" الى الاشتغال التطبيقي على المفاهيم والأفكار في الميدان المحلي والثقافة المحلية. ومع هذا الاشتغال يبدو انه أكثر حرية ومقدرة على توليد الاستنتاجات الخاصة وهذا ما ينسحب ايضاً على أسلوب الكتابة نفسه، إذ يغدو سلساً وبسيطاً ويكتسب مرونة ووضوحاً أكان ذلك في الاقتضاب أو في التوسع. بهذا المعنى يصير عمل خبيز، الى حد كبير، أصلياً وثاقباً، خصوصاً وانه يحيلنا الى كتابه الأول، أو يعيد ذاك الكتاب الى احتمال القراءة مجدداً.
في هذا المجال، يبدو العمل ملفتاً، خصوصاً في الفصل المخصص لصورة هيفاء وهبي "القناع الذي يكبت الروح" مرتكزاً في تناول هذه الظاهرة النجومية على فكرة الدور الأبدي لنجمة الاغواء حيث تكون السلعة الوحيدة التي تروج لها النجمة (وفي هذه الحال هيفاء وهبي) صورتها المصنوعة فحسب. تلك الصورة التي لا تطابق النفس أبداً. ولنقل ان خبيز يعمد ايضاً الى "حيلة إخراجية" في مقالته عن هيفاء، إذ يقطع سياقها مُدخلاً فقرة مستقلة عن صناعة الأفلام البورنوغرافية، كما لو انه يضع فاصلة حزينة أو يمرر عرضاً درامياً رخيصاً يشير الى المخيلة التي تطلع منها شرائط الفيديو كليب العربي ونجومه، مورداً الشبه بين الكليبات الغنائية العربية والأفلام الجنسية فيما يتعلق بتمجيد الشباب وطرد الأطفال والشيوخ من هذا العالم المغوي.
الملمح الآخر لتناول الصورة في الكتاب مخصص لصور الاخبار، مشيراً ان صور الموت لم تعد لها الوظيفة القديمة إياها: استثارة الجمهور وتحريضه، بل ان صور الحياة هي التي تجذب انتباه الجمهور، فبرنامج "بيغ برازر" هو الأقوى من صور الجياع السودانيين، وصورة الأفغاني الميت لا يسعها ان تثير الهول، ذلك لأن العالم الأفغاني يبدو مفارقاً للمعاصرة، موغلاً في القدم، أو كما يقول خبيز "ينبغي على الصورة ان توحي بحياة الميت لا بموته".
ان خلو الصورة من الاثاث المعاصر ومن الأدوات المعاصرة هو ما يُظهر الأفغاني الميت في أرض قفراء أمام بيوت طينية خالية غير قابل للتعيين. وربما لأن الأفغاني ليس لديه تلفزيون، إذ يصير جثة مصوّرة على شاشات التلفزة، لا يستطيع جمهورها التعاطف معه، لانه، ببساطة، من خارج عالمهم.
أود القول انني أثناء قراءة الكتاب لاحظت بزّاقة تزحف من شرفة منزلي داخلة الى غرفة الجلوس ببطء محيّر ومضحك، والى ان انتهيت من الكتاب كانت البزّاقة قد وصلت الى غرفة النوم. وفي هذا الوقت ما بين بداية القراءة ونهايتها بدّلت نيتي التخلص من البزّاقة الى البحث عن كاميرا لتصويرها. فهذا الكائن الضئيل البلا دفاع، البلا شكل، البطيء، كان بنظري في لحظتها موجز العالم وصورته.
صورة الحياة ومعجزتها، الصورة المملة التي لا يطيقها التلفزيون.
كتاب "الصورة الباقية والعالم الزائل" يستدعي أعمالاً مقبلة للمؤلف ليؤكد رهانه العنيد، بأنه لا يكفي فقط "الاطلاع" على ما تنتجه عقول المفكرين الغربيين، واللهج بمقولاتهم، ولا يكفي الاستشهاد بأقوالهم ونظرياتهم لتحصيل المعرفة وممارستها، بل يتوجب بالضرورة الاشتغال على هذه النتاجات وتفحصها وطرقها في مكاننا ولغتنا وظواهرنا، والإضافة عليها من عندياتنا..
فـ "التأصيل" ليس عملاً خرافياً أو مذهباً مذموماً إذا كان حافزه، كما عند بلال خبيز، التواصل لا القطيعة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.