ولدت جدتي لأمي الأرمنية على طريق النزوح ما بين ديار بكر وحلب أيام الحرب العالمية الأولى.
ولدت أمي الأرمنية، المسيحية، في دمشق سنة أول انقلاب عسكري هناك عام 1949.
ولد أبي العربي المسلم، الشيعي، في قريته، جنوب لبنان، أيام أول ثورة فلسطينية ضد مشروع دولة اسرائيل في الثلاثينات.
بين سنوات هذه الولادات مرت صراعات لا تحصى بين عصبيات وقوميات ودول. مرت حروب كثيرة. مر الجشع الأعمى والتسلط الأعمى... وسادت كراهية الآخر، ورغبة إفناء كل غريب ومختلف.
مطلع الستينات، عند تخوم بيروت، ستلتقي الفتاة الأرمنية المسيحية بالشاب العربي المسلم ويتزوجان. يومها سينكرها أهلها، وينقطعون عنها انقطاعاً تاماً: إذ كيف تتجرأ على الزواج من مسلم... وعربي؟
قبل الهزيمة العربية في حرب عام 1967 بأشهر قليلة سأولد في حي الأشرفية. وفي العام 1973، اثر معارك الجيش اللبناني مع منظمة التحرير الفلسطينية... سننتقل إلى حي النبعة بضاحية بيروت الشرقية، هناك حيث يتكدّس العمال المهاجرون من أكراد تركيا والآتون من أطراف سورية والشيعة الفقراء والدروز والمسيحيون والمصريون والأرمن. كان ذاك الحي يجمع سحناً ولهجات وأعراقاً يوحدها الفقر، وتحتضنها دولة صغيرة فتية تحاول نظاماً ديموقراطياً وتسامحاً وسط محيط يبجل النقاء الوطني والقومي، ومدجج بالسلاح حتى النخاع.
عام 1975 ستندلع الحرب الأهلية وسيُقتل أبي وتتشرّد عائلات الحي. كل منها إلى أماكنها الخاصة: المسيحي إلى مناطق المسيحيين، والمسلم إلى مناطق المسلمين. وحدها أمي الأرمنية البلا أهل ستضطر إلى اللجوء إلى أحياء الأرمن، وهناك سيصبح اسم أخي حسين داني. وأنا يوسف سأصير جوزف، وستدرك أمي بعد أسابيع أنه من الصعب استئناف حياة جديدة من كذبة، فتتوه حتى تستقر بعد سنتين في زواج ثان... ومن رجل مسلم أيضاً.
أمي الأرمنية، التي لا تزال تضحكني عندما تتكلم العربية "المكسَّرة"، سيصلها الخبر: أهلها الذين لم ترهم منذ 13 عاماً باتوا في أميركا.
جيراننا الذين تهجروا من حي النبعة توزعوا أيضاً إلى المهاجر البعيدة والمنافي: أستراليا، كندا، ألمانيا، فرنسا... أو عادوا إلى أوطانهم الأولى. منهم مَنْ قتل في أثناء الحرب، ومنهم مَنْ قُتل في الغربة بطعنة سكين عنصرية أو تعفن في زنزانة ببلده، أو بات ثري مخدرات ما بين الأوروغواي والبرازيل أو رجلاً ينبش الماس في غابات افريقيا، أو بات رجل تهريب بين الأردن وسوريا والعراق وتركيا ولبنان.
لا أعرف ما الذي جرى لعائشة الكردية ذات جديلة الشعر الطويلة بفساتينها الملوّنة والمزركشة بالزهور. لكن حنا المسيحي اللبناني الذي عشقها وغنّى لها تحت شرفتها مات دهساً بشاحنة. أما أخو عائشة خالد الذي كان يحب امتشاق السكاكين فهو يقبع الآن في سجن اسباني.
لا أعرف ما الذي حلّ بالعائلة القبطية المصرية، لكن ميشال الماروني سائق التاكسي، جارنا الأكثر أناقة وتهذيباً، مات ذبحاً بيد جارنا أبو مهدي الذي أراد ثأراً لابن عمه المقتول في الحرب.
اليوم، وبعيداً عن المصائر الغامضة هذه. أجد نفسي، وبعد نحو 90 عاماً على رحلة جدتي القسرية، هنا في ديار بكر برحلة أتيتها عن طيب خاطر. أنا حفيد تلك الجدة التي ولدت على طريق موحشة وباردة تحت سماء من حرب وخوف.
أنا الآن ابن كل تلك النزوحات والهجرات والاقتتالات الأهلية. ابن كل تلك الثارات والكراهيات... لكنني أيضاً ابن تلك اللحظة الضئيلة في النبعة، لحظة الالتقاءات والاختلاطات والتقاطعات الكبرى بين اللغات والأقوام.
أنا هنا في ديار بكر، عابراً الجغرافيا نفسها التي عرفتها جدتي، ويخطر لي أن حفيداً آخر لجدتي، قد يكون ابن خالتي (أو ابن خالي) الذي لا أعرفه وقد بات يحمل الجنسية الأميركية، هو الآن جندي مارينز في العراق. وربما أيضاً ثمة أحد أبناء عمومتي وقد انضم إلى المتمردين والارهابيين في العراق، وها هو يطلق النار على ابن خالتي الأميركي أو ينسف نفسه بكنيسة أو بجمهرة من الأبرياء...
سأكتفي بهذا القدر من الحكاية إذ من السيء أن أبالغ في التخمينات المأسوية والتخيّلات الافتراضية. كل ما أود الوصول إليه: ما الذي تقوله لنا هذه الحكاية الممتدة ما بين زمن انهيار امبراطورية قبل 90 عاماً وصعود امبراطورية جديدة راهناً؟ حكاية ممتدة أيضاً بين جغرافيات وحدود مرسومة بالدم والحديد أغلب الأحيان.
على الأرجح، الحكاية لا تقول شيئاً جديداً نضيفه إلى تاريخ الشرق الأوسط، وبالطبع لا يمكنها أن تختزل كل الحكايات الأخرى.
لقد تعلمت باكراً أن البشر سيظلون هكذا يتأرجحون بين الحرب والسلم، بين التسامح والكراهية، بين الثأر والمغفرة، بين التواصل والقطيعة... إلخ. ولذا فإن الفرق الذي يمكننا أن ننجزه من رواية الحكايات لن يكون في التاريخ ولا في الواقع، ولكن في الأدب فقط.
ولسوء الحظ، الأدب هنا ليس خلاصاً للجماعات أو أمثولة كبرى. بل هو على أغلب الظن خلاص فردي، وخيار يقوم به أفراد قليلون. وهؤلاء الأخيرون وحدهم يحدثون الفرق بين التوحش والتأنسن.
أخيراً، يحلو لي البوح: ما قلته كله كان حقيقياً لدرجة أنه مجرّد وهم أدبي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.