8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أكراد ديار بكر يسابقون تركيا الى الأوربة

اسطنبول في الشمال الغربي، وديار بكر في الجنوب الشرقي. ومع اجتياز المسافة بينهما كنا نمر فوق قلب تركيا كله تقريباً. أرض شاسعة من جبال وثلوج ومنابع أنهر وتجمعات مائية هائلة، بحيرات وسدود ومجار لا تنتهي. مَنْ يرى المشهد من الطائرة يدرك أنه فوق خزان مياه الشرق الأوسط.
بهذا المعنى يستطيع المرء أن يخمّن أي دور مستقبلي ستلعبه تركيا في المنطقة، وأي أهمية اضافية ستكتسبها هذه الدولة المتجهة نحو أوروبا، والقابعة على قمة الشرق الأوسط، الممتدة ما بين إيران واليونان، الملاصقة لروسيا والمطلة على العراق وسوريا. وفوق هذا القابضة على العلمانية بحكومة "اسلامية"، والتي تحاول مصالحات صعبة بين الديموقراطية والعسكريتارية والدين والحداثة.
تركيا ستكون سيدة "حقبة المياه" (التي ربما ستلي "حقبة النفط") في المنطقة. وهي منذ الآن دولة أخرى، جديدة تتشكل الآن، ومغايرة الى حد بعيد لتلك التي نشأت في العشرينات، على يد مصطفى كمال أتاتورك، بعد انهيار السلطنة العثمانية. فهي، في هذه اللحظة الراهنة، تسعى الى الأخذ بالمعايير الأوروبية وشروطها في تنظيم الدولة والمجتمع ومؤسساتهما. كما أنها، وقد تحررت من استنفارات الحرب الباردة وتوجساتها، باتت مع نخبتها العسكرية أكثر طمأنينة وتقبّلاً للهشاشة المتأصلة في أي نظام ديموقراطي.
المهمة الأصعب هي مصالحة تركيا مع نفسها، ومع ماضيها. ويبدو أن أرض المياه هذه التي تقطنها قوميتان أساسيتان، الأتراك والأكراد، وجدت أخيراً سبيلها نحو تحقيق "وفاق" داخلي ما زال يلزمه الكثير ليكتمل. لكن على الأقل بات هناك الآن اعتراف ضمني بثنائية تركيا قومياً ولغوياً. فثقافة التعددية و"التسامح" تمكنت من خطاب الدولة وأدبياتها، بل وأمسكت بعقول جنرالاتها الذين لم يترددوا بالاعتراف بأخطائهم السياسية والأخلاقية. وفي الواقع يبدو أن أكراد تركيا إما تخلوا عن "حلم" دولتهم، أو اكتسبوا حساً واقعياً يدفعهم الى إبقاء تمنياتهم في عالم الحلم. وفي أي حال، لقد أقدموا على خطوة حكيمة وجريئة (وفي اللحظة المناسبة): التخلي عن الكفاح المسلح مقابل خطوة الدولة التركية المتمثلة بتعميم الحل الديموقراطي وثقافة المساواتية. ويجري ذلك في سياق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتربوية... بحافز ذاتي وبإلحاح أوروبي ـ أميركي في آن واحد.
ذهبنا الى ديار بكر بدعوة من مجلس بلديتها، الذي يسيطر عليه حزب الشعب الديموقراطي (الكردي)، وهو الحزب الفائز بانتخابات بلديات مجمل مدن تركيا الكردية، وهو الذي يعتبر الوريث السياسي لحزب العمال الكردستاني )K.K.P(. ذهبنا الى هناك لإحياء "أيام ديار بكر الأدبية". مثقفون وأدباء وكتّاب وباحثون من لبنان وسوريا وأرمينيا وإيران، بالاضافة الى أقرانهم الأتراك والأكراد.
وتحت عنوان "الأدب حياة" سعت بلدية ديار بكر الى مهرجانها الثقافي هذا ليكون ملتقى بين جيران غرباء عن بعضهم البعض، واجتماع بين لغات متجاورة لا تلتقي ولا تتصل فيما بينها: الفارسية والأرمنية والعربية والتركية والكردية. ثقافات عاشت قرب بعضها البعض تبدو الآن متباعدة أو منقطعة عن أي تواصل أو احتكاك فعلي. والمسعى في ديار بكر، على ما يبدو، هو إقامة حوار وتعارف متبادل بين آداب المنطقة. وربما كان هذا يضمر سعياً كردياً مشروعاً لإبراز الهوية الثقافية الكردية، ولكن على نحو يكون فيه تعريف الذات ليس عبر إنكار الآخر، إنما عبر اللقاء بهذا الآخر. انها مبادرة تنم مرة أخرى عن حس واقعي وعقلانية.. ونضج سياسي ربما تفتقده بشدة الكثير من "الأقليات" و"الأغلبيات" المتصارعة في الشرق الأوسط.
مديرة المهرجان جواهر صادق، وهي أيضاً مديرة الشؤون الثقافية والسياحية في بلدية ديار بكر الكبرى، شابة تواظب منذ الصباح الباكر وحتى منتصف الليل على العمل في مكتبها في مقر البلدية الفسيح، حاضن الملتقى، وتتابع كل التفاصيل والمهمات التنظيمية ما بين القاعات والصالات والغرف وتنسق الأعمال والمواعيد.. تقول: "لأن المهرجان ثقافي كردي كان لا بد أن يكون تعددياً في الجنسيات واللغات المشاركة. فالأكراد يعرّفون ثقافتهم ليس فقط بما هي عليه من خصوصية لغوية وهوية قومية خالصة فحسب، بل أيضاً بوصفها ثقافة مؤثرة ومتأثرة ومتعايشة مع محيطها العربي أو التركي أو الإيراني.. وأيضاً الأشوري والأرمني والسرياني".
وإذ نتساءل عن التحولات السياسية في تركيا التي سمحت أخيراً للأكراد في التعبير عن ذاتهم، وعن الظروف التي تحيط بهذا المسعى الكردي، تقول جواهر صادق (وبإصرار منها أنها تتحدث بصفة شخصية لا حزبية): "في البداية حاولت الدولة التركية بوسائل عدة منع إقامة المهرجان، وخلقت صعوبات كثيرة منها مثلاً منع استخدام المباني العامة والمؤسسات التابعة للدولة.. لكن يمكن القول إن الضغوط الأوروبية من جهة وتخلي الأكراد عن الكفاح المسلح دفع الدولة التركية لأن تتغاضى عن مثل هذه المبادرات أي هي لا تدعم ولا تساعد، ولكنها تفسح المجال لنا أن نبادر ونعمل".
وتضيف صادق: "ما يجري بيننا وبين الدولة هو لعب عض أصابع. ونحن صبورون ونستفيد من وضع قانوني يحمينا. ولا نحتاج إلا الى الوقت حتى يتحقق ما نريده.. أي أن نعيش على هذه الأرض مثلنا مثل الأتراك، لسنا أقلية ولا مواطنين مختلفين. مساواة كاملة مع احترام خصوصيتنا الثقافية".
نسأل: لقد قبلتم بالانضواء كلياً في الدولة التركية؟ فتجيب: "إذا كانت تركيا ديموقراطية فعلاً وعلمانية حقاً فهذا يحقق طموحاتنا". وإذ نطرح عليها تساؤلاً عن "تركيا جديدة" تقول "ان هذا التعبير صعب ويثير الحساسيات لكن نحلم بمفاهيم جديدة ونعمل لتصحيح قيم وأفكار وقوانين خاطئة". وتستطرد "نعتقد أن الكفاح المسلح، على الرغم من كل ما شابه، حقق غاية لمرحلة ما. والآن نحن في حال سجال حضاري علينا خوضه بكفاءة".
على خلفية كلام جواهر صادق يمكننا فهم انتقاء إدارة المهرجان للروائية الشابة شبنام ايشكوزل التركية التي تعيش في اسطنبول والتي ألفت رواية (باللغة التركية) عن عالم الأكراد، والذي كان مصموتاً عنه تقريباً، وعرفت انتشاراً واسعاً بين الأتراك والأكراد وباللغتين.. لتكون هي الضيفة الأولى في افتتاح "أيام ديار بكر الأدبية".
نموذج ايشكوزل، يبدو مثالياً للتدليل على سريان ثقافة الاعتراف والتعارف بين عصبيتين قوميتين تجمعهما دولة واحدة. وفي القاعة المكتظة بالشباب والمثقفين كانت محاضرتها عبارة عن جلسة حوار استمرت لأكثر من ساعتين بينها وبين الجمهور، نقاشات معمقة وصريحة، جعلتنا نحن "المشاهدين" العرب، مندهشين ومستغربين إزاء هذا النمط من الجمهور الثقافي الذي لم يكتف بالاستماع أو بطرح بضعة أسئلة متفرقة وسريعة، بل انخرط بحماسة، تبدو لنا قديمة، في سجالات جدية ومطولة.
طوال الأيام الثلاثة، ومنذ ما قبل الظهر وحتى وقت متقدم من المساء، كانت القاعة الرئيسية مكتظة على الدوام بالحضور، أكان ذلك لأمسية شعرية باللغة العربية، أو لمحاضرة في علم الآثار يلقيها عالم آثار ألماني مختص بالحفريات الأشورية، أو لندوة حول الأدب الفارسي، لا فرق. فالجمهور يواظب ويشارك ويستمع بالتزام ومنهجية، بما يفوق أي توقعات.
يمكن تفسير ذلك بهذا التوق الكردي للتعبير عن الذات، أو يمكن رد هذه الظاهرة الى حرص مواطني ديار بكر على إنجاح مسعى بلديتهم وإظهار التضامن مع ممثليهم في السياسة والثقافة إزاء الدولة وإزاء زوار مدينتهم وضيوفها. ولكن يخيل إلينا أنه تفسير ناقص، طالما أن أهل ديار بكر لا "يتظاهرون" بالحضور والتواجد فقط، بل يشتركون في النشاط كما لو أنهم يستأنفون أمراً في عادياتهم وتقاليدهم المدينية.
ديار بكر نفسها قد تكون أيضاً نموذجاً لـ"التحولات" التركية. والكلام المتداول بأن الانضمام الى أوروبا لن يكون عبر اسطنبول (طالما أنها أوروبية أصلاً) بل عبر ديار بكر، المدينة الكردية، الطرفية و"الهامشية"، يدل على ما ينتظر المدينة في المستقبل القريب وما يحدث فيها الآن.
ديار بكر راهناً هي مدينتان: القديمة والحديثة. والفاصل بينهما ماثل للعيان، أنه السور الكبير الذي يحيط بالحاضرة التاريخية العتيقة، فيما خارجه تتمدد وتتوسع المدينة الحديثة. وبينهما الساحة الواسعة المركزية التي يبرز فيها مبنى نادي ضباط الجيش التركي، المزين بمنحوتة ضخمة على طول طبقاته لكمال أتاتورك.
وسط المدينة هذا يجمع أجزاء المدينة ويرسم مفاصلها المؤدية الى الأسواق القديمة أو المؤدية الى الشوارع الجديدة المنظمة والنظيفة والمنمقة بالمساحات الخضراء والبنايات الشاهقة.
الأنحاء القديمة، كالعادة، تضم الأسواق التقليدية ومساكن الفقراء والمساجد التاريخية ودكاكين الحرفيين والفوضى والاكتظاظ مع الكثير من الإلفة والحميمية.. فيما تبدو الأحياء الحديثة منضبطة مرتبة، تجمع مراكز التسوق العصرية والسكن الفخم وصالات السينما والمجتمع العلماني المديني والصروح التعليمية ومؤسسات الدولة، والملاهي.. إلخ.
الملمح الأول لديار بكر هي أنها مدينة داخلية، مكتظة بسكانها الذين تجاوزوا المليوني نسمة، أغلبهم هاجر إليها وفق نمط هجرة الأرياف الى المدن، أو أتى إليها لاجئاً في السنوات التي شهدت حرباً شرسة بين الثوار الأكراد والجيش التركي. مدينة داخلية باردة يلفها صقيع الجبال المحيطة بها، لا تخلو من الكآبة والشعور بالبعد عن المثال القابع هناك في اسطنبول. وما بين مسجدها العثماني القديم القابع على باب البازار و"المول" الحديث في الشارع العريض الأول من المدينة الحديثة تتأرجح ديار بكر، كما معظم مدن الشرق الأوسط، بين ماض منصرم لا يعرف الأفول وحاضر حديث لا يعرف التحقق.
أما مصدر الإلفة أو الحميمية، المريحة أحياناً والمزعجة في أحيان أخرى لدباقتها وثقلها، فهو هذا "الغموض" في التراتبية والطبقية. فمن العسير العثور على علامات الثراء الفاحش أو التمايزات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فيما بين أغلبية السكان. مجمل السيارات مثلاً هي من النوع الصغير الاقتصادي، المتواضع. والمطاعم تكاد تكون كلها شعبية، على جودتها ونظافتها، وتشترك كلها في أنواع معينة من المأكولات، وأسلوب الخدمة الخالي من التنميق، ويستطيع أي شخص أن يجلس ويشارك الأشخاص الآخرين طاولة واحدة. مرتدو ربطات العنق مثلاً ليسوا أناساً متمايزين عن مواطنيهم فهم جلّ الموظفين الصغار كما هم مدراء مؤسسات أو أساتذة مدارس أو محصّلو فواتير أو محاسبون.. فالزي الأوروبي يؤخذ هنا على محمل الجدّ من دون أن يكون علامة على "الامتياز". الأناقة شعبية والمطاعم شعبية والمساكن شعبية والسيارات شعبية. الفقراء كثر والأغنياء كثر، لكن طقوس التمايز تكاد تنعدم. مجتمع داخلي له ذاكرة ريفية راسخة ولديه ثقافة مدينية مستلهمة بشدة من اسطنبول ومن سيادة الطبقة الوسطى على المجتمع التركي.
في الطريق ما بين الفندق ومقر البلدية سنكتشف أن حفلاً لموسيقى البلوز، سيقام في المدينة، تحييه فرق أميركية عدة، برعاية أحد ماركات البيرة. "مايتي سام ماكلين" من لويزيانا، "ليتل تشارلي أند ذا نايت كاتس" من سان فرانسيسكو، و"جيري ريكس" مع "كاهيت بركاي" (فيلادلفيا ـ اسطنبول). هؤلاء الآتون من أقاصي الأرض الى جبال الأكراد، سنلاقيهم في قاعة كبيرة تابعة لنادي المدينة الاجتماعي والرياضي. القاعة بعد تجهيزها وتزيينها باتت تشبه مثيلتها الأميركية تلك التي نراها في الأفلام. جاءها الشباب بالمئات. وسننتبه الى أن هؤلاء الشبان والشابات الأكراد يختلفون عن أولئك الذين صادفناهم في اليومين السابقين. إنهم "متأتركون" (من تركيا) ومتخففون من هويتهم المحلية، والأتركة هنا، على مثال غربي، تجد نموذجها في اسطنبول الأوروبية والحديثة.
هؤلاء الشبان بموضات شعورهم وطرائق لباسهم وحركة أجسامهم وتعبيراتهم يبدون على درجة كبيرة من الاختلاف عن الذوق المحلي. فهم بدوا أقل تحفظاً وأكثر حرية في مظاهرهم وسلوكهم. كان الدخول الى القاعة واكتشاف شريحة الشباب هؤلاء، يشبه الانتقال من حي السلم الى الجميزة. وإذا كان الانتقال اللبناني طبقياً، فإنه في جبال الأكراد ثقافي فحسب.
الفتاة الكردية التي تعيش مستقلة خارج منزل الأهل قالت إنها من الجيل الذي لا يريد الموت من أجل دولة كردية مستقلة فقيرة متخلفة، ولا يقبل أن يكون مواطناً من الدرجة الثانية في تركيا: "نحن نتهيأ لأن نكون أوروبيين".
بدا إعلانها هذا، وسط ضجيج موسيقى البلوز، سينمائياً الى بعيد. لكن من الكردي الذي كان سيصدق بعد مئات السنين من النكران والحرمان أنه لن ينتزع الاعتراف بهويته فحسب، ولن يحصّل مواطنيته الكاملة فقط، بل وبقفزة واحدة سيكون أوروبياً من دون الاضطرار الى هجرة وهروب.
بتحقيق هذه المهمة، يمكننا التحدث عن "الإنجاز" التركي، الذي سيكون درساً للشرق الأوسط.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00