8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحياة إذ لا تؤخذ من جهة واحدة

تسنى لي أن أعمل مع رياض الريس منذ العام 1990، وهو رب العمل الوحيد الذي ما زلت أحرص على زيارته وعلى الحفاظ على علاقة الصداقة التي تربطني به. وأعتبر نفسي محظوظاً أيضاً أن تكون مؤسسته هي الناشرة لثلاثة من كتبي الشعرية، والتي لولا رعاية دار رياض الريس لكان حظها في النشر (والانتشار) قليلاً وضئيلاً.
مع ذلك لم أكتب كلمة واحدة لا عنه ولا عن أي من كتبه الكثيرة السابقة. فلا التملق ما يطلبه هو، ولا أنا مَنْ يجيده. فمن الأمور الأولى التي أوحاها لي رياض الريس أثناء العمل معه في مجلة "الناقد" أن لا أساير كاتباً كبيراً ولا أهمل كاتباً صغيراً، وأن أستخف بالتابعين والمتبوعين في آن واحد. فأن تكتب عن كتاب يعني أن تخاطب القارئ لا المؤلف.
بهذا المعنى، فما أحرج أن أكتب مقالة في كتاب رياض الريس "آخر الخوارج" (أشياء من سيرة صحافية). قلت اني سأتصفحه بحثاً ربما عن أسرار يكشفها لنا للمرة الأولى، أو أن الكتاب سيكون تصفية حسابات متراكمة، وربما سيضرب الريس بسلسلة من الفضائح تربك كواليس الحياة الصحافية وخبايا الحياة الثقافية العربية، وهو الذي جال طوال اربعة عقود وتورّط وانخرط في أروقة الثقافة وميادينها وفي مكاتب الصحافة وأدراجها. قلت إن الرجل المشاكس هذا، الذي بحكم مهنته كناشر، سيطلعنا أخيراً على دفاتره السرية وما جرى من معارك علنية وخفية في هذه الصناعة المحاصرة بالأمية والفوضى والفساد والرقابة والقمع. قلت ان رياض سيعلن ما جرى طوال عقدين من الزمن ما بين لندن وبيروت خصوصاً، وما بين عواصم الخليج والقاهرة ودمشق وبغداد، في الصحافة وفي الثقافة.
وأسوأ ما كنت أتوقعه من هذا الكتاب، أن يكون مكرّساً لما خبره الريس وواجهه وعرفه من أمزجة المثقفين والكتّاب، الذين غالباً ما كان يضيق بهم ذرعاً ويتململ بغضب من صغائرهم ونمائمهم ومعاركهم الشخصية. لذا أخذت "آخر الخوارج" متخوّفاً من أن يكون هو ذاك الكتاب "الموعود" الذي لطالما هدد به.
على امتداد 371 صفحة من القطع الكبير، كرّس رياض الريس كل كلماته، ليكتب بكثير من الورع والحب والتسامح ذكرياته منذ طفولته الدمشقية وحتى آخر مغامرة صحافية خاضها. بشيء من الحنين الرصين استعاد ذكريات تجربته المميزة في مدرسة برمانا ودراسته في كمبردج، ثم عودته إلى لبنان ليكرّس حياته للمهنة التي أحبها، الصحافة والكتابة. ولاحقاً الهجرة القسرية بسبب الحرب اللبنانية إلى لندن، حيث هناك سيستأنف إدمانه على العمل الصحافي وليخوض أيضاً في معترك النشر والتنشيط الثقافي، قبل عودته إلى بيروت حيث ما زال مستمراً كصحافي وكمؤسس لأكثر من مطبوعة وكناشر لا يكل ولا يمل بحثاً عن "إثارة الجدل".
نقرأ سيرة باحث وناقد، ولكن لنعرف أنه ليس بناقد. نقرأ سيرة شاعر لنعرف أنه ترك الشعر غير آسف. نقرأ سيرة سياسي من الطراز الأول لندرك أنه لم يقبل أبداً أن يكون سياسياً. نقرأ سيرة صحافي لنفهم أنه لم يترك الأدب يوماً. ونقرأ سيرة سوري لا نجد فيها إلا سيرة لبنانية بامتياز.
فابن البيوتات الدمشقية العريقة وحيواتها الصحافية والبرلمانية، إذ يسرد سيرة أبيه نجيب الريس صاحب جريدة القبس الدمشقية منذ العام 1928، ومعايشته لما واجهه الوالد في الحقبتين الانتدابية والاستقلالية، يسرد ضمناً سيرة النخبة الاجتماعية والثقافية والتجارية في دمشق التي كانت مقبلة على الحداثة وآخذة بأسباب الترقي والعلم والتطوّر، وكانت تسعى إلى إرساء نظام سياسي استقلالي لا تعوزه الليبرالية ولا تنقصه الدعائم القانونية. إنها سيرة النخبة السورية ما بين العشرينات وحتى منتصف الخمسينات حين كانت ترسل الأبناء إلى أرقى المدارس وتبادر إلى العمل والتجارة والثقافة وتنفتح على العالم وتحوّلاته وأفكاره وفنونه.
يستعيد رياض الريس سيرة عائلته وعائلات أقرانه وأماكن عيشها وطرائق حياتها وأنماط علاقاتها، كأنما ليدلنا على زمن الوعود الموءودة والاحتمالات المبددة. فمن نشأة الصحف بالتزامن مع نضوج النضال السياسي الاستقلالي وصولاً إلى الحياة البرلمانية والحزبية الديموقراطية نشهد ذاك العهد، الذي ها نحن في مطلع القرن الجديد نحلم بيأس أن نرى مثيله، على الأقل، وقد تحقق في بلادنا.
ذكريات رياض الريس شخصية وحميمة، ومكتوبة بأسلوب البوح والقول العفوي المسترسل، لكن في تلافيف تلك الذكريات نرى مثلاً كيف أن العناية بالحدائق المنزلية، على الطريقة الأوروبية، لم تكن شيئاً نافلاً أو استثنائياً، وكيف أن أرصفة المدينة بمقاهيها ومطاعمها وجرائدها كانت حافلة بالحياة وأسباب الرخاء، وأن خيارات الناس كانت حرة ومتطلعة باستمرار نحو المعاصرة والحداثة.
ونلمح في تلك الحقبة ذلك الترابط الفكري والعملي ما بين "عصر النهضة" و"عهد الاستقلال" خصوصاً في المجال الصحافي والأدبي والسياسي. هذا الترابط يُترجم خصوصاً في تلك العلائق القائمة بين النخبة السورية والنخبة اللبنانية، والأعراف التي تحكم الخصومات الفكرية والمهنية والسياسية بينها.
ابن مدرسة برمانا، التي جمعت أبناء النخب العربية واللبنانية، حين كان جبل لبنان وبيروت مركزاً للتعليم الحديث المتعدد الجنسيات، وبيئة تجمع خليطاً هائلاً من العرب والأجانب، إذ يسرد تجربته كتلميذ في هذا الوسط التربوي متذكراً زملاءه وأساتذته، يقول لنا هذا السرد ويدلنا كيف أن البيئة التعليمية تلك أتاحت لأكثر من جيل ورعيل أن يأخذ علومه المدرسية والسياسية والثقافية على نحو لم يتسنَ لأجيال أخرى أن تكتسبه بالطريقة نفسها.
فالمدرسة هنا اختبار علاقات بين لغات وجنسيات وأفكار، ولقاء بين الغربي الصميم والعربي الهوية بلا عقد وبلا تشنج. فهنا الأيديولوجيات والمناهج التعليمية وطموحات التلامذة والأساتذة الاستثنائيين تحت صنوبرات برمانا ما بين الأربعينات والخمسينات تجعل من رياض الريس، ابن الصحافي الدمشقي زميلاً لداني شمعون ويوسف العظمة واميل لحود (رئيس الجمهورية) وشوقي صفي الدين والكثير الكثير ممن هم الآن في عداد النخبة المالية والثقافية والسياسية. والأهم في هذا الاختلاط، ذاك التلاقي ما بين ما هو بروتستانتي وسني وماروني وشيعي، على الدرجة نفسها من التلاقي بين ما هو ليبرالي وناصري وقومي سوري... إلخ.
في "آخر الخوارج" نقرأ الفصل الأكثر إثارة في تاريخ الصحافة العربية، مرحلة صعود وازدهار الصحف اللبنانية، ذاك "العصر الذهبي" للاعلام المكتوب، حين كان رياض الريس من كوادرها الألمع ما بين "الصياد" و"الأنوار" في عهد سعيد فريحة، و"النهار" مع غسان تويني و"الحياة" مع كامل مروة، و"المحرر" (التي أصدرها الريس مع هشام أبو ظهر). وسيرة الريس تشمل أيضاً سيرة رعيل كبير من الأقلام الصحافية التي زاملها وعايشها وخاصمها وصادقها. وتكشف لنا السطور لا تلك العلاقة ما بين بيروت الحرية وإصدار الصحف فحسب، بل أيضاً هذا الترابط العميق بين السؤال الثقافي والعمل السياسي داخل الصحافة وخارجها. وتكشف أنماط العلاقة ما بين الصحافي وصحيفته التي كانت تشتمل كل شيء إلا نمط الأجير والموظف.
رياض الريس المراسل العربي الوحيد، في "الحياة" و"النهار"، وأحياناً الأول الذي كان هناك في فيتنام ورومانيا واليونان وتشيكوسلوفاكيا واليمن والامارات والكويت وايرلندا، مراسلاً جوالاً ومتابعاً محققاً السبق و"الخبطات" الصحافية، عندما كانت صحافة لبنان ليست لبنانية فقط.
بحنين مكتوم، يسرد الريس مغامرته كأول مَنْ أصدر مطبوعة إعلامية عربية في المهجر الذي استجد ما بعد الحرب اللبنانية، محاولاً استئناف التجربة "المهجرية" في عصر النهضة، باحثاً عن المنبر الحر، بعد أن خسرت الحرية العربية واحتها في بيروت. ليكتشف أن المهجر الصحافي ما عاد قادراً إلا على الخضوع للرقابة العربية والجمارك العربية والأموال العربية.
ما بين تجربة "المنار" وتجربة مجلة "المستقبل"، يدرك رياض الريس أخيراً رغم كل الجهود المآل التي ستنتهي إليها مهنة الصحافة في العالم العربي: الخضوع لـ"وزارة الاعلام" الواحدة الوحيدة التي تحكم صحافة العرب.
يقول الريس الكثير، الكثير عن النشر وعن صناعة الكتب والمجلات الثقافية وعن صداقاته مع الشعراء. لكن الفصل المخصص لحلقة مجلة "شعر" وصالونها الأدبي، يكشف لنا أن الهالة التي تحيطها كانت مصطنعة أو مضخمة وذلك لسبب بسيط أن "شعر" حفظت تعددية الألوان في الثقافة والأدب في وسط الوحدانية السياسية و"الالتزام" الأدبي.
ما بين روح الدعابة، وقوة التسامح، وحكمة الشيخوخة، وسلاسة القلم الصحافي المخضرم، والنفحة الأدبية المضمخة بالشعر والمأثورات، يكتب الريس "روايته" الشخصية، كشاب ناضج مليء بالحيوية والعواطف. وهي رواية تجعلني، أنا الصحافي والكاتب أحسده على زمنه وعلى مغامراته ونجاحاته وحتى على خيباته. تلك الخيبات التي لها طعم الحياة.
"آخر الخوارج" لا تقل الأسماء والشخصيات المذكورة فيه عن ألف وأكثر، ولا تقل الأماكن الواردة فيه عن المئة، فيما الحوادث والوقائع لا تحصى. وهذا ما يجعله وثيقة تاريخية ـ مهنية، بقدر ما هو شهادة في أدب البوح. وان نقرأه لا للتعرّف إلى الماضي القريب كما هو، بل لاستكشاف تلك الأحلام والاحتمالات التي كان العالم العربي على وشك تحقيقها، قبل أن يذهب إلى كوارثه المتوالية والتي نعيشها اليوم ومن المرجح أن نعايشها في المستقبل.
إنها سيرة آخر رعيل من أحرار الصحافة و"أوهامها".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00