8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الاسكندرية بعد خسارتها صالات السينما والجاليات الأجنبية وترعة المحمودية

بالتعاون بين موقع Babelmed على الانترنت (الذي يعنى بثقافات المتوسط) والمؤسسة الأوروبية للثقافة، وملحق "نوافذ"، تم إعداد ملف حول مدن متوسطية كانت في فترة من فترات تاريخها الحديث مدناً كوزموبوليتية.
نبدأ مع هذا العدد بنشر سلسلة التحقيقات التي تناولت مدناً هي الاسكندرية وطنجة وتيرانا والجزائر العاصمة وباليرمو وبيروت، بادئين بمدينة الاسكندرية.


من المطار القابع جنوب الإسكندرية الى الفندق عند الكورنيش البحري في شمالها، تأخذني السيارة ليلاً عابرة عمق المدينة كلها. وفي العتمة الموشاة بالأضواء الكهربائية كنت ألاقي مشاهد المدينة للمرة الأولى. مكان مصري ـ عربي: مبان حكومية ضخمة وصماء وقبيحة، ثكنات عسكرية كبيرة بأسوارها وبواباتها الكبيرة، سيارات عتيقة، دكاكين في كل مكان وباعة جائلون وأحياء شعبية ضيّقة بفوضاها، خليط من الأصوات المألوفة لديّ، أنا المعتاد على فضاءات المدن العربية.
ما إن نطلّ على الكورنيش حتى يطرأ بعض التغيير على المشهد العمومي: بعض الأناقة القديمة، أبراج حديثة متعالية متلألئة، مشاة متنزهون، مقاه مضاءة، أسماء فنادق متتالية، دوريات شرطة هادئة، رائحة بحر وقوارب صيد صغيرة، هواء ربيعي منعش وقلعة من أيام المماليك تربض عند نهاية لسان البر حيث خيّل إليّ مشهد هزيمة انطونيو وهزيمة نابليون.
يصيبني الأرق. من أين سأبدأ في المدينة: المكتبة الجديدة الفخمة؟ الكورنيش؟ منزل كفافي؟ الوسط التجاري التاريخي؟ الأحياء الشعبية القديمة أم الأحياء العشوائية الجديدة؟ بالسيارة أم مشياً على الأقدام؟ أين هو "مفتاح" المدينة السحري؟ آه، "الناس أيها الغبي" أقول في سريرتي. أهبط الى بار الفندق المتواضع: رجل اسكندراني، متأنق وفق موضة قديمة تعود الى السبعينات على الأرجح، مستغرق بالحديث بلغة فرنسية، بدت بدورها قديمة، مع سائح جزائري يجيد تلك اللغة. ظهر الأمر وكأنها فرصة لهذا الاسكندراني الذي يبدو سليل "الأفندية"، ليتكلم مع شخص يجيد لغة لم يعد أهل المدينة يألفونها. وهو كان حزيناً يسعى الى استعادة ذكريات منصرمة تحت وطأة حنين استثنائي. هذا ما دفعه على نحو مفاجئ الى إعلاء صوته شاتماً عبد الناصر وثورته: "خرب بيوتنا".
النادل أكد أن هذا دأب الرجال الذين تخطوا عمر الستين، الذين يواظبون على السهر في هذا البار. والنادل بدوره تحسّر على "أيام زمان"، هو الذي لم يتعدّ سن الأربعين. وهو إذ استرسل في كلامه بدا أن "الحنين" متمكن من أهل المدينة، لا يفارقهم: "كل الناس هنا تتأسى على الأيام الحلوة.. قبل خمسين سنة".
في الصباح، أبحث عن أدباء الإسكندرية، ادوار خراط يعيش في القاهرة. ابراهيم عبدالمجيد يقيم أيضاً في القاهرة. الشاعر أسامة الديناصوري هاجر. محمد متولي يعيش منذ سنوات في أميركا. لم يبق سوى علاء خالد من الذين أعرفهم. انه يقبع داخل محل لبيع الأنتيكا والارتيزانا وبعض اللوحات الفنية. يقول لي إنه سيلقاني بعد يومين، لنتحادث: "إذهب أولاً الى أنحاء المدينة وتجوّل، إذهب الى الانفوشي، والجمرك، والسيّالة ومنطقة بحري وكوم الدكة وشارع فؤاد، ومنطقة الرمل، وشارع صفية زغلول وميدان محمد علي، المنشية، الابراهيمية، حي العطارين، سموحة، منطقة رشدي.. بعدها تعال لنرى كيف سنرسم الإسكندرية الحاضرة". عند باب المحل قال مودعاً، بمسحة ساخرة "لن تجد كفافي ولا اسكندريته، ولا حتى تلك التي وصفها لورنس داريل أو التي يتذكرها ابراهيم عبدالمجيد أو التي يؤلفها ادوار الخراط..".
أعود الى الكورنيش متخلّصاً من الزحام: عربات تجرها أحصنة تبحث عن السائحين أو طالبي التسلية وربما أيضاً العشاق الذين يودون تحقيق "مشهد رومانسي" حسب مخيلة سينمائية فائتة. كورنيش وقد تحول منذ سنوات قليلة الى أوتوستراد عريض، طريق سريع يحوز على طول الخط البحري! أين اختفى الشاطئ الرملي الشهير. لقد حذفوه تقريباً. قطع باطونية هائلة لصد الأمواج، وبعض العنيدين من هواة الصيد بالقصبة، ومنشآت خاصة (نواد نقابية).. ولا شاطئ كذاك الذي كنا نراه في الصور السياحية القديمة وفي الأفلام العربية الرومانسية القديمة.
أنشأوا الأوتوستراد وألغوا البحر. فاصل مرعب من ثمانية خطوط لسيارات مسرعة على نحو جنوني ذهاباً وإياباً، بين مياه البحر والمدينة. ولم يبقَ من الكورنيش القديم سوى ذلك الجزء الممتد من محطة الرمل وحتى الميناء الشرقي. استعداء غرائبي للشاطئ. وعلى الرصيف الحديث قلة قليلة فحسب تمارس رياضة المشي أو التنزه. ثم الجسر الذي علقوه فوق البحر أبعد أكثر الواجهة البحرية عن الشاطئ المغيّب. السيارات لاهثة ولا سفن تعبر في الأفق.
أتوغل في الأحياء عشوائياً، انني في منطقة رشدي، شارع غاربو ثم شارع سابا باشا وصولاً الى شارع أبو قير. ولا جهد كبير أحتاج له لتقرّي سيرته العمرانية: عشرات القصور البديعة التي تم بناؤها على الأرجح ما بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية الخمسينات من القرن العشرين. طرز هندسية تكاد تختزل ذاكرة الهندسة كلها وجنسياتها. كان يكفي لو وجدنا قصراً يابانياً وآخر هندياً لنقول إن هذه المنطقة تحوي متحفاً لعمارة العالم. متحف هائل.. لكنه مهمل. القصر الأكثر مهابة بات مخصصاً لرئاسة الجمهورية، أما الآخر المجاور له، "قصر جليم" بحديقته الشاسعة الميتة فيبدو أن أحداً قد قرر أخيراً ترميمه. بقية العشرات من القصور متروكة للإهمال ولقسوة الزمن والعوامل الطبيعية المخربة، فيما نجا قصر الملكة فريدة بتحوله متحفاً للمجوهرات الملكية. فيلات كثيرة أيضاً وقصور، مهجورة خربة.. كما لو أن سكانها اختفوا دفعة واحدة وعلى نحو كوارثي.
الى جانب هذه الحقبة الهندسية، ومن الواجهة البحرية والى الداخل، تنتشر العمارات، والمباني التي شُيّدت ما بين الخمسينات والسبعينات. موجة كاسحة من العمران "الاشتراكي" المتقشف والفقير والخالي من التذويق أو المخيلة وبمواد قليلة الجودة سيئة الصنع، ما أحالها بدورها الى التأكل والاهتراء. أما الصدأ فلا يعلو المعادن فقط بل الحجر والخشب أيضاً. صدأ مادي قاس يهيمن على كل شيء ويحيله الى خراب مسكون. بنايات متواضعة، ليست قبيحة تماماً لكنها تفتقر الى الجاذبية، وقد أصابها الهرم المبكر.
على جنبات القصور البديعة والبنايات المتواضعة تنبت منذ الثمانينات عمارات الأثرياء الجدد. هندسة متأتية من مقاصد الربح السريع وثقافة التبجح الوقحة المطعّمة بأثر الذاكرة العمرانية الكولونيالية للمدينة. أبراج جديدة بلا هوية، متكاثرة كالفطر، متكبرة وبشعة يقطنها الذين استفادوا وتسلقوا ونجحوا في حقبة "الانفتاح" الساداتية، والتي أتاحت للانتهازية أن تتحول أسلوباً اقتصادياً.
انه العمران الذي في "مرحه" الهندسي يتحول الى استفزاز منفر. وأنا انتبهت بغتة، إذ كنت أتأسف على ما هو عتيق آيل للسقوط وأستهجن هذا الجديد، كنت في اللحظة عينها أشعر بالحنين، برغبة عارمة للعودة بالزمن مئة عام، أو خمسين عاماً. لقد أصبت أنا أيضاً بما أصاب أهل المدينة: التفكر العاطفي بالماضي واستدعاؤه على نحو دائم. كما لو أن احتمال العيش في هذا المكان مشروط بإقامة علاقة حميمة مع ما انصرم وانقضى واندثر. وتحت وطأة هذا الشرط بدأت "أحب" اسكندرية وفق ما يفعل عشاقها أمثال أستاذ علم النفس الشهير مصطفى صفوان "لا يمكنني أن أرى الإسكندرية اليوم من دون التفكير في اسكندرية العشرينات والثلاثينات والأربعينات: المدينة أصبحت ضحية الكثافة السكانية والتدفق من الأرياف. تنقصها الصيانة (...) الإسكندرية بلد أحببتها الى درجة اننا في تعريفنا لأنفسنا نكتفي بالقول أننا اسكندريون. وانني أتمسك بتلك الجملة الشعرية "العروس". لقد كانت مدينة في غاية السعادة".
أنظر الى الخريطة فتبدو المدينة كأنها مرتكزة على ثلاثة خطوط متوازية: طريق ساحلي ممتد من الشرق الى الغرب، ثم شريط المترو (الترامواي) الذي يخترقها بالعمق وأيضاً من الشرق الى الغرب، ثم خط القطار الذي يوصلها بأنحاء مصر.
يبدو المترو (الترامواي) كإبرة ماكينة الخياطة، ينسج باستمرار وكل يوم قماشة المدينة، أو هو يرتق أجزاءها ومطارحها المتباعدة. انه أيضاً جهازها العصبي وعمودها الفقري. كما لو أن المدينة أُنشئت أصلاً من أجل الترامواي لا العكس. ربما هذا صحيح الى حد ما. ففي العام 1900، عندما بدأت تتحول الإسكندرية من مجرد مرفأ الى العاصمة الاقتصادية لمصر وشرق المتوسط، تم البدء بإنشاء خط المترو هذا، ولتصير محطته في منطقة الرمل، وبزمن وجيز، مركز الثقل للمدينة، وحواليها ستتمركز الأنشطة الأساسية. ومن أجل الترامواي هذا سيكون الميدان الفسيح وستأتي القنصليات وتتمركز حوله ويتم بناء المباني الجليلة لتحتضن المصالح والشركات، وغرفة التجارة المهيبة، وستظهر الفنادق الأفخم والأجمل: "سيسيل" العريق، و"سان ستيفانو" بالكازينو الملكي خاصته.
أذهب الى خط المترو منتظراً عرباته في احدى محطاته الفرعية التي أعادوا ترميم منشآتها وفق طرازها الكولونيالي الغابر. تصل العربات المتسخة، المتهالكة. أحاول الدخول فتصيح سيدة سمينة تحيط نفسها بأكياس بلاستيكية كثيرة "لا يجوز". لم أفهم إلا عندما أشارت امرأة أخرى أن أصعد عربة أخرى. الاختلاط مسموح في كل العربات، لكنهم خصصوا مقصورة واحدة للنساء اللواتي يخشين الاختلاط ويتجنبنه. العربات تبدو شبيهة بتلك التي لا تزال تعمل في دول أوروبا الشرقية، الاشتراكية سابقاً. انها من زمن "الثورة" إذاً. لكن المحطات التي تستعيد صورتها السابقة للثورة الناصرية، تدلنا مرة أخرى على رغبة في "العودة" الى زمن سابق. أو استعادة رونق ما على الرغم من أن راكبي الترامواي بعيدون عن القيافة المفترضة براكبيه القدماء. الفقر وقلة التدبير والهلهلة طاغية على صورة الترامواي وناسه. الطريق يأخذنا من منطقة سان ستيفانو الى رشدي، الى سيدي جابر وشارع الحرية وصولاً الى الرمل. أكثر من ساعة ونصف الساعة لاجتياز تلك المسافة ببطء وتوقف متكرر، والطريق مزيج من أحياء شديدة الفقر والاتساخ والضوضاء وأحياء طبقات وسطى لا تخلو من الإهمال وأحياء تشي أنها كانت "أجنبية" وقد استوطنها وافدون من داخل مصر لديهم فكرة مختلفة عن السكن ووظائفه. وهذا الاختلاف يحيل الأبنية "الأجنبية" الى صورة أخرى، كأن نتخيّل قصراً فيكتوري الطراز وقد تحوّل الى كاراج لتصليح السيارات.
التشوش والفوضى اللذان يربكان العين، يدفعاننا الى الظن بأن المدينة تم احتلالها ـ من دون حرب ـ فتم التصرف بها، وفق ما يفعل "الغزاة" بالمدن المستباحة.
في محطة الرمل، ما إن أهبط من المقصورة، حتى يقترب شاب هامساً "نصرّف دولارات". شاب آخر لمسح الأحذية، وآخر يعرض عليّ قياس وزني (مهنة غريبة ولا شك). تحيط بالمحطة أكشاك مرتبة لبيع السندويشات والكتب والمجلات والألبسة.. الخ. وعلى الرصيف المقابل شابات وشبان وعائلات تتوزع بكثافة على المطاعم الأميركية (الفاست فود) والمحلية ودكاكين البقالة والمقاهي الشعبية. واللافت للنظر تلك العادة التي يتبعها الجميع: الوقوف أمام الدكاكين وشرب المشروبات الغازية وتناول أكياس البطاطا المقلية (التشيبس). أما الظاهرة المستجدة فهي تتمثل بشاب يضع لافتة صغيرة من كرتون كتب عليها "تلفن براحتك.. دقيقة الخلوي بـ3 جنيه" وقد حمل جهاز التلفون الخلوي ملوّحاً به للمارة.
أبحث عن مقهى يقدم قهوة الاكسبرسو. فأكتشف أجمل المقاهي في العالم، باريسية ـ إيطالية ـ يونانية الطراز. ويتجاوز عمر كل واحدة منها المئة عام أو الستين عاماً: فسيحة، مزينة ومزخرفة وفق الاغريقية الكلاسيكية، أو طراز الروكوكو، أو الكلاسيكية الجديدة، أو المهجنة بين ما هو حداثوي وروماني، أو مستلهمة ديكورات المقاهي الفرنسية في القرن التاسع عشر. مقاه تستحضر أجواء أوروبا من بوهيميا الى لندن، ومن أثينا الى مدريد. بديعة وفائقة السعة، مع ذلك هي اليوم خربة، يأكلها العتق، متهالكة على الرغم من العناية بها، فارغة من الزبائن تقريباً. فعدد زبائنها لا يوازي عدد زبائن "بيتزا هات" القريب. ولا اكسبرسو.. يأتيني الأسى مجدداً من الإحساس بالغياب والفقدان ومشاعر الخسارة والموات على الرغم من امتلاء الأرصفة والشوارع والمحال بالناس والسيارات والصخب المديني القوي.
يبدو أن الحنين لا مفر منه. "ديليس"، "اثينوس"، "تريانون"، "فينيسيوس"، "بسترودس"، أسماء تلك المقاهي ـ المطاعم التي لا تزال قادرة على إحالتنا الى صورة متخيّلة، وحقيقية في آن، لحقبة مجيدة لا سبيل على ما يبدو للعودة إليها.
إذاً، لم تحتج مدينة الإسكندرية الى حرب معلنة ليحتلها "المهجرون" على نحو ما حدث في بيروت، ويقوضوا صورتها ويبدلوا اجتماعها وحياتها، ويستبدلوا مزاجها المديني بآخر ريفي ملتبس، ويغيروا وجهتها وعمرانها وإيقاعها.
لم تحتج الإسكندرية الى جهد كبير لتنتقل من حال الى حال. كان يكفي أن تخسر مصر غرباءها وأجانبها حتى تغدو الإسكندرية هكذا، متحفاً هائلاً للحنين في حجم مدينة. فهناك أمام البحر المتوسط، عند الشاطئ الطويل، ترقد الآثار الحية لـ"اندلس" أخرى مفقودة. مدينة حقيقية ومع ذلك لا يمكن تعريفها إلا بوصفها مدينة متخيّلة وخرافية.
"خرافة" أخرى، كانت الإسكندرية، وتم تقويضها في زمن وجيز. في زمن الوطنيات والاستقلالات، كان عليها أن تدفع ثمن التباس هوياتها وهجناتها. كان عليها أن تتخلى عن "عالميتها" أو حتى "متوسطيتها" لتغدو مصرية خالصة، فتفقد كل ما كانت عليه. تفقد سكانها وتطلعاتها واقتصادها وثقافاتها ودورها. كان عليها أن تتنازل عن استثنائيتها ورونقها، وتندرج في قائمة التأميمات القومية وتعميماتها واختزالاتها.
هكذا تم انهيار "منارة" الإسكندرية مرة ثانية. فالعجائب، على ما يبدو، لا تدوم طويلاً.
أعود الى الشارع. أجتاز "سيسيل" الأبيض الكلسي اللون، وميدان سعد زغلول ماراً ببسطات الكتب على الأرصفة وأقرأ العناوين "التخلص من الجن والعفاريت"، "الأميرة التي هزّت عروش الخليج"، كتب كثيرة، رخيصة إما عن الدين أو الأبالسة أو فضائح الفنانات، أو التداوي بالسحر.. الخ.
أرفع نظري لأجد "بن البرازيل". أخيراً فنجان اكسبرسو حقيقي. المحل بسقفه العالي مزيّن بمرآة ضخمة رسم عليها علم برازيلي كبير وثمة كتابة تقول إن القنصل البرازيلي حضر افتتاح المحل عام 1929. رفوف من الأرض الى السقف فارغة، إلا من علبة كرتونية كبيرة تبدو منسية منذ 70 عاماً أو 50 عاماً على أقل تقدير. آلات الطحن والتحميص تشبه دبابات الحرب العالمية الثانية. عتق "كافكاوي"، إذا صح التعبير، أما الرجل الجالس عند صندوق المحاسبة بنظاراته السميكة فيبدو أنه على عتبة الثمانين من عمره. كان لونه شبيهاً بالرخام والمرمر الذي يكسو بار المحل: أبيض مضروباً بالبني. لا شيء حدث منذ العام 1929 وحتى الآن في هذا المحل.
كيفما اقتربت من أشياء اسكندرية ومعالمها، تكتشف أن ما هو تالف ومنتهي الصلاحية وأثري و"خارج الخدمة" في عالم اليوم الاستهلاكي، لا يزال هنا حياً وصالحاً للاستعمال ومعمّراً.. وهذا يحيلنا مثلاً الى آلات وسيارات هافانا في كوبا. ومن هذا العتق الحيّ تتوالد الرومانسية والنوستالجيا اللتان تعطيان، على نحو خفي، قوة حياة إضافية، وقيمة عاطفية، لهذه الأشياء وتلك المعالم.
عروس البحر الأبيض المتوسط، كما يحلو لأهل الاسكندرية ان يلقبوا مدينتهم، بدت كهلة، يجتاحها صدأ عنيد، مهجورة على الرغم من اكتظاظها بسكانها الستة ملايين، الذين يتحسرون على أيام زمان، حين كانت مدينتهم واحدة من أثرى مدن المتوسط ومركزاً تجارياً عالمياً ومرفأً نشيطاً. "عروس" توالت عليها عوامل الزمن والإهمال والهجران، حتى أصبحت نهباً لفظاظة النسيان وقسوة الحنين. يقول مصطفى صفوان "كانت المدينة تحتضن (في سنوات الثلاثينات) أكثر من مئة الف يوناني ونحو ستين الف ايطالي ومئة الف من جنسيات أخرى. كانت بلداً معمولاً بالرخاء والرفاهية وسهولة العيش. كان سكانها نحو ستمئة الف فقط، وحتى ان لم يكونوا جميعهم اثرياء فالطبقة الثرية اعطت البلد انطباعاً عاماً بالثراء".
كلما حاولت معاينة الحاضر أذهب الى الماضي. هذا الشرط، هنا، لا بد منه.. فاستسلم، جامعاً تلك الحكايات مبتدئاً بذكريات مصطفى صفوان المسترسلة: "لم يكن هناك شيء أكثر شيوعاً من الحفلات الموسيقية الكلاسيكية يوم الأحد في الكازينوهات على شاطئ البحر أو في الحدائق العامة". و"كان للسيدات مجتمعهن. مجتمع غني وراق للغاية. كل سيدة منهن لها يوم مخصص لاستقبال الزوار في بيتها. كن يدعين اما راقصاً أو راقصة، في الكازينوهات الكبيرة والمشهورة مثل سان ستيفانو. كان يوجد شاطئ خاص للسيدات".. ويذكر أيضاً: "كان الملك والبلاط ينتقلان الى الاسكندرية في الصيف، كذلك نخبة المجتمع الفني. في الصيف كانت الاسكندرية هي العاصمة". ويستدرك "لم نكن نحب الاستعمار. لقد سبب لنا الانكليز ما يكفي من تلف وخراب، واقترفوا اعمالاً إجرامية، ولكنهم تركوا لنا فكرة الدستور. الفرنسيون كانوا اسوأ ولكنهم تركوا لنا الثقافة".
يبدو ان الاسكندرية مدينة مصرية دائماً، لكنها يونانية ايضاً، فحين بناها الاسكندر المقدوني، ارادها على غير ما تكون مدن مصر جميعها، بعيدة عن نهر النيل، متوجهة وحدها نحو البحر الأبيض المتوسط، تستقبله وتحتضنه وتخاطب ضفافه البعيدة. والاسكندرية الهيلنيستية، ثم الرومانية، التي فاق عدد سكانها الستمئة الف نسمة أيام مكتبتها التاريخية، ايام كليوباترا ايضاً، كانت حين وصل نابليون في مطلع القرن التاسع عشر لا يتجاوز عدد ساكنيها ثمانية آلاف نسمة. ومع "نهضة" أومشروع محمد علي وسلالته من الخديويين، الساعي لجعل مصر "قطعة من أوروبا" ستتحول الاسكندرية مجدداً مدينة متوسطية أوروبية عربية، اسلامية ومسيحية ويهودية، تستقبل سفن العالم وتجاراته وبورصاته مستحوذة على نسبة 60 في المئة من اجمالي النشاط الاقتصادي المصري مجارية اسطنبول ومرسيليا ونابولي، وتصير قبلة للمهاجرين المتوسطيين، كما نيويورك آنذاك، خصوصاً منهم اليونانيون. وسيدوم "مجد" الاسكندرية الحديث نحو قرن واحد، الى ان تأتيها ضربتان متتاليتان: ثورة 1952 وحرب 1956 (اثر قرارات التأميم الشاملة) فكان على المدينة الكوزموبوليتية بامتياز ان تتخلى عن ماهيتها وتقفل ابوابها البحرية وتغير وجهتها نحو الداخل، نحو بلاد النيل فقط.
ما بين محطة الرمل، ساحة سعد زغلول وميدان محمد علي ومحيطهما، يتكون الوسط التاريخي للمدينة الذي يماثل ضعفي مساحة وسط بيروت التجاري. هذا لم يمس تقريباً، بقي على حاله، حتى يخال المرء انه يتجول في كبسولة زمنية، مع فارق واحد جوهري هو تبدل السكان. فالقاطنون الجدد منقطعون عن الوظائف والأدوار التي من اجلها كانت المدينة وتخطيطاتها وعمرانها. وهذا الانقطاع أفضى الى طابع غرائبي للاسكندرية، مجتمع من الفلاحين والريفيين والفقراء المفتقدين للمهارات وفرص التعليم، يستوطن مدينة ثرية ولا يأخذ بثقافتها وطبائعها.
لنقل ان "المزاج" الاشتراكي (والايديولوجيا القومية وذوقها) بدآ منذ مطلع الستينات في فرض "جماليتهما" أو بالأحرى القبح المتقشف والرخيص، والذي غالباً ما يتوازى مع الفساد البيروقراطي والمالي. فكان ان امتلأت الاسكندرية بالتشوهات التي تزيدها التراجعات الاقتصادية.
عماد مبروك، سينمائي شاب، قال لنا ان الاسكندرية "كانت مدينة القصور والأرستقراطية وكانت تتسع أيضاً لحضور المثقفين. لكن مع الستينات، ومع أثرياء الامتيازات السلطوية، ثم في السبعينات مع مجيء أثرياء الانفتاح، انحسرت طبقة المثقفين وتهمش دورهم".. وينتبه عماد مبروك الى أن "لدي أزمة، لا أعرف وصفاً جديداً للمدينة. فيلمي الأول كان معبأ بالحنين وعن اسكندرية الماضي. ولا أعرف التفاعل مع حاضر المدينة، كأني باستمرار أبحث عن الناس وعن المدينة ولا أجدهما. لا أعتقد أن الاسكندرية كانت أفضل بصورة مطلقة، لكني متأكد أنه كان فيها مزيج اجتماعي ثقافي يجعل العلاقة بين الناس والمكان شديدة الحميمية".
وبحسرة يقول "اسكندرية خاصتي هي هذه البقعة الممتدة ما بين المنشية ومحطة الرمل وتحديداً هنا بين ايليت وبيسترو ومسرح سيد درويش ونادي محمد علي. هذا الجزء هو هويتي وامتداد لذاكرتي. وليس من المبالغة القول ان أبناء الجيل الجديد يتحركون في حال من التيه، انهم هائمون ومنفصلون عن مكانهم".
"مع ذلك (يقول مبروك مستدركاً) الخصوصية الاسكندرانية ما زالت حية، مثلاً التيار الديني الأصولي هو ألطف في المدينة مقارنة بباقي المدن المصرية، وهي لا تزال تمنح ساكنها فرصة العيش بهناءة ودعة". وباختصار، يعتقد عماد مبروك "أن الكوزموبوليتية التي يسعى الخطاب الثقافي الرسمي الى استحضارها وتبنّيها وإدخالها في نسيج صورة مصر الثقافية، لا أعتقد أنها ستنجح لا في اسكندرية ولا في أي مدينة مصرية أخرى، لأنها ببساطة كوزموبوليتية سياحية".
على خلاف عماد مبروك، يبدو كمال التازي (مهندس مدني تخرّج عام 2003) متحمساً إزاء المستجد على حياة المدينة من مشاريع. يقول: "مع مجيء المحافظ الجديد، كل المشاريع التذويقية والتجميلية وعمليات الترميم والتنظيم، هي محاولة للتعويض عما فات المدينة من تطور وصيانة طوال عقود عدة، وهذا أمر مطلوب جداً. لقد بث روحاً جديدة في المدينة. واليوم فإن الذوق العام والاهتمام بالجماليات انتعشا بعد عشرات السنين من الفوضى والعشوائية. الحس المدني تحسّن والرغبة بالعودة الى الميزة المتوسطية في العمارة لا بد وأن تضع لمسة تطويرية".
التازي يعرّف عن نفسه بوصفه "مواطناً متحيّزاً لإسكندريتي، فثمة عصبية خاصة بالمدينة، لدينا البحر والطموح الى السفر والهجرة. الجاليات المصرية في اليونان وإيطاليا وأميركا معظمها من أهل الاسكندرية".
على الرغم من كل هذا التفاؤل، يعترف التازي، بأن التحفظات على ما طرأ من تبدل ومن مشاريع ضخمة، هي تحفظات حقيقية ومشروعة "مكتبة اسكندرية تبدو حتى الآن جسماً غريباً منفصلاً عن المدينة، ومشروع الكورنيش على الرغم من سعادتي به كمهندس لحل مشكلة مواصلات المدينة إلا أن ثمن إقامته المتمثلة بإلغاء الشاطئ، ثمن قد لا يمكن تعويضه".
رامز فرج، باحث يعمل في مركز أبحاث الاسكندرية والبحر المتوسط، يعتبر أن على الاسكندرية دوماً يقع عاتق ذاك الحلم القديم المتجدد "حلم تحويل مصر الى جزء من أوروبا" منذ أيام الخديويين. يقولها بشيء من الجدية التي لا تخلو أيضاً من نزعة الى السخرية، منتقداً نبرة الجيل القديم "عصبية من جاوزت أعمارهم الستين لاسكندرية ما قبل الخمسينات فقط. ينغلقون على أنفسهم، يرددون الكلام ذاته.. انهم سليلو الأثرياء، وقد حولوا الذاكرة الى فردوس، الى مرحلة ذهبية خرافية".
يعتبر رامز فرج نفسه من طبقة "ثقافة الإيليت"، التي هي ليست ثرية وليست "سنوب": "نأتي الى "مقهى التجارية" بوصفه معاكساً للنزعة الاستهلاكية فلا يحوي جهاز تلفزيون، ولا يقدم النسكافيه، ولا طاولة زهر أو شطرنج أو ورق، ولا كوكاكولا.. وإذا وضعوا التلفزيون فيه سنغادره، بل اننا مرة أصبنا بالإحباط لأنهم أعادوا طلاءه. انه شعبي ومتصل بالسكان، وقريب من سوق المنشية. انه اسكندرية بيرم التونسي الشاعر الشعبي باللغة العامية، ومتصل بإسكندرية مرسي أبو العباس (الولي المسلم) أكثر مما هو متصل بكفافي مثلاً".
وبعد صمت، يبتسم رامز "إذا أردت تعريفاً بهذه الاسكندرية التي أشير إليها فسأستعين بأغنية لشاب اسكندراني اسمه خالد شمس ألفها منذ قرابة سبع سنوات: اسكندرية ماهيش كورنيش ولا هي رشدي ولا زيزينيا.. اسكندرية ناس بتعيش وكأنها مش في الدنيا".
وببلاغة روائية، يقول الكاتب ابراهيم عبد المجيد، الذي أتى الى المدينة بعد يومين من وصولنا إليها: "الاسكندرية ذهبت عندما خسرت ثلاثة أشياء سحرية: ترعة المحمودية، صالات السينما (والملاهي والنوادي الليلية)، والجاليات الأجنبية".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00