8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

على فكرة

أوقفتُ السيارة أبعد قليلاً من باب محل الثياب النسوية، هنا، قرب مقر عملي. عدت بعد ساعات لأجد ورقة باسم هذا "البوتيك" تطلب مني عدم ايقاف سيارتي هنا، في هذه المنطقة النائية التي لا يعبرها أحد.
دخلت الى المحل، فإذ بصاحبته سيدة جميلة، شابة وأنيقة. بادرتني بعصبية: "روح صفّ حد شغلك.. حضرتك مستهدي على الفيّ هون، ما بقى توقّف هون".
ـ أنا لم اوقف سيارتي أمام المدخل، وحضرتكِ وضعتِ رسالة وجئتُ لأعطيك الجواب (كنت هادئاً، وأكاد أقول توقيراً لأناقتها وأنوثتها): إذا عندك رخصة بلدية للرصيف، لن أركن السيارة.
"بدك رخصة بلدية؟ لأ (وأصبحت غاضبة ومتوترة).. ممنوع تصف هون وخلص".
استدرت خارجاً، فكادت تحطم الباب وهي تغلقه. وأنا مبهوت تماماً. مدام تكاد ان تبدأ بملاكمتي.. تقريباً بلا سبب. ثم اني وقد توجهت الى السيارة، خرجتْ ثانية وهددتني: "إذا بعد بتصف هون، بتشوف شي ما بيعجبك" قالتها بصوت أشبه بذاك الميكروفون الذي يحمله مثلاً ضابط عسكري على أهبة تدمير قرية.
سيدة لبنانية، لا تخلو من ملامح الثراء والبحبوحة، وربما التعليم العالي، وهي بالتأكيد من المجتمع المخملي.. خرجت عليّ كأنها "أبو الليل" أو "أبو الموت" او "أبو الذبائح". وسقطتُ في دهشة ورعب حقيقيين. من أين خرج هذا القائد الميليشياوي، أين كان مختبئاً في جسد وروح هذه السيدة البالغة الرقة مظهراً وشباباً.
فكرت، بكل هذه الطاقة العنفية التي خرجت منها، من جوارحها، مهددة اياي ربما بأذى جسدي أو مادي، كأن تحطم سيارتي، أو ترسل اليّ قبضايات، أو رجالاً من ذوي النفوذ المسلح فيحطمونني او يقتلونني عمداً او خطأ. ومع ذلك لم أخف منها. خفت عليها، من هذا الميليشياوي القابع فيها، المستعد للانفجار.
صعقتني، بتلك العدوانية لا لشيء الا لأنني وجدت ذاك الظل بالقرب من محلها لأركن تحته سيارتي، وهي التي اعتبرت الشارع مجال نفوذ لها أو حتى ملكية خاصة بها، على نحو ما كانت الجماعات المسلحة تسلك وتفعل.
فكرت ان أهديها شتلة شجرة ليكثر الفيء ويقل الضيق، أن أعود اليها وأقول لها انه ما كان يجب ان تتصرف هكذا، وبأسلوب ما، لطيف وودود. لكنني خفت أكثر من ان تشعر انني أحرجتها، أو حشرتها، فينبجس منها كره قد يدفعها فعلاً لتنفيذ ذاك التهديد.. فهي على الأرجح "محمية" وأنا تركت "الحمايات" كلها طوعاً لأكون مستحقاً لمواطنيتي، وآدميتي.
لقد خفت من ضعفها، من كونها تشبه أغلب اللبنانيين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00