8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حين يتناثر الشعر في لوديف

تحت ظلال الكاتدرائية القروسطية، وسط بلدة لوديف الفرنسية، يجتمع منذ مساء 18 تموز (يوليو) الحالي نحو 90 شاعراً و24 مغنياً وفنان استعراض ومؤدياً، أتوا من أنحاء العالم المتوسطي، ليحيوا مهرجان أصوات المتوسط في تلك البلدة الريفية، القابعة في جنوب فرنسا ما بين مونبيلييه ومرسيليا، التي باتت حاضنة له منذ سنوات عدة.
هذا العام إنحرفت سياسة المهرجان نحو الشرق أكثر، الى أبعد من المتوسط، فدعت شعراء من البحرين والسعودية وعُمان والإمارات وإيران (شعراء من المنفى بالطبع)، كما لو أن هناك توجهاً فرنسياً لتوسيع الصلة الثقافية مع بلدان الشرق الأوسط. وثمة حرص بأن يكون الحضور الشرقي قوياً وطاغياً حتى إن المهرجان استدعى شاعراً سورياً من فنلندا، طالما أن هناك صعوبات في دعوة الكثير من الشعراء السوريين الذين يعانون من مزاجية المنع من السفر التي تلجأ اليها السلطات السورية للتضييق على الكتّاب والشعراء.
المهرجان الذي ترعاه منظمة اليونسكو، ويتلقى دعماً من معهد العالم العربي في باريس، وبمشاركة من منظمات حكومية وبلدية، وخاصة وزارتي الثقافة والإتصالات الفرنسيتين، يجمع في هذه البلدة ضفاف المتوسط وبلدانه وأطرافه بمختلف لغاته وثقافاته وأصواته، على مدى ثمانية أيام مكثفة، حيث يحتلّ الشعراء منذ العاشرة صباحاً وحتى منتصف الليل، كل يوم وبلا إستثناء، الساحات الصغيرة المتناثرة في أنحاء البلدة، وضفاف النهر الذي يخترق البلدة، وحدائقها وأرصفتها ومقاهيها، في صبحيات وأمسيات شعرية متلاحقة. فيما يصخب المساء وحتى منتصف الليل بالحفلات الموسيقية والغناء وعروض الأداء.
البلدة القابعة في واد، في عمق الريف الفرنسي الجنوبي، والتي كانت شبه منسية وشبه مهجورة، تحول صيفها الى ظاهرة سياحية ثقافية، حيث باتت مقصداً للإصطياف غير التقليدي إذ يأتيها الفرنسيون الهاربون من المدن ومن ازدحام الاماكن السياحية التقليدية، التي يطغى عليها السياح الآتون من أنحاء العالم.
هكذا صارت لوديف في سنوات قليلة فردوساً سرياً للمصطافين الذين يبحثون عن معالم الريف المتوسطي، المبهج والحميم، حيث الدعة والكسل والحبور وفضاء البلدات الناعسة التي تظللها الغابات. وبفضل مهرجانها الشعري تحولت لوديف الى نقطة جذب استثنائية لأفواج من الزوار الآتين من أنحاء فرنسا، وخصوصاً لسكان مدن ليون ومونبيلييه ومرسيليا، وسكان القرى والبلدات الكثيرة المنتشرة في جنوب فرنسا الواسع.
هؤلاء الزوار والمصطافون يقضون ثمانية أيام كاملة، وهم يستيقظون ويتناولون الفطور والغداء والعشاء ويقضون صباحاتهم وظهرياتهم وعصرياتهم وسهراتهم مع الشعر، أكان شعراً مقدونياً أو عربياً أو اسبانياً أو كرواتياً أو البانياً او فرنسياً أو ايطالياً أو يونانياً ...الخ. أصوات ولغات ولهجات لقصائد وأغان متبادلة الترجمة، مختلطة، غريبة وأليفة، مختلفة ومتشابهة، سرعان ما ينتبه المرء الى أن تعدد ألوانها ونبراتها يؤلف فضاء واحداً في المعنى الثقافي، فيكون الشاعر المالطي مثلاً قرين شاعر لبناني في الأسلوب وفي الهاجس، ويكون الشاعر الفرنسي شبيه شاعر فلسطيني في غنائيته وفي ألمه، وتكون الفوارق تأكيداً للانهائية التنوع والإختلاف والتقارب أيضاً.
المتجول هنا ستدهشه ظاهرة إحتشاد الناس وتداعيهم الى جلسات الشعر والإصغاء المتصل لكل تلك القراءات، التي تجري في وقت واحد في أكثر من ساحة أو منبر أو حديقة أو مقهى. فهناك عند النهر حيث أكشاك بيع التذكارات والمرطبات والإستراحات، تم ابتكار شكل جديد للإستماع الى الشعر، إذ يجلس الناس على كراس وسط مياه النهر مبلّلي الأقدام فيما يتوالى الشعراء الجالسون عند الضفة المعشوشبة بتقديم قصائدهم، بما يشبه اللهو الصيفي. وهناك في الساحة القديمة، تحت الأشجار الضخمة العتيقة، يتناثر الجمهور على طاولات المقاهي والمطاعم يتناولون مشروباتهم ومآكلهم فيما هم يستمعون لتناوب الشعراء المتعددي الجنسيات على القراءة قبالتهم.
وفرنسا الثقافية المبتعدة، نشراً وإعلاماً وسوقاً، عن الشعر والشعراء ربما وجدت في لوديف ضالتها للإستهداء مجدداً إلى تلك العلاقة التي كانت قائمة بين الثقافة العامة والعمومية وتداول الشعر، وإلى إعادة الصلة ما بين الحياة اليومية والقصيدة. وبهذا المعنى تحول الشارع الرئيسي للبلدة الممتد لأكثر من مئتي متر إلى معرض كبير مخصص للإصدارات الشعرية، الذي أحيته عشرات دور النشر الفرنسية والفرنكوفونية، عارضة ما قد يشكل واحدة من أكبر المكتبات الشعرية، أو بالأحرى مبتكرة سوقاً للإنتاج الشعري.
اللافت في هذا المهرجان ذاك الإهتمام الإستثنائي بفلسطين والشعر الفلسطيني، فسهرة الإفتتاح ابتدأت بقصيدة الشاعر الفلسطيني غسان زقطان. وخصصت إدارة المهرجان، في بادرة غير اعتيادية، ليلة أمس، لإحياء ذكرى محمود درويش، في قراءات وندوات، كذلك بذلت الإدارة جهداً عنيداً لتسهيل خروج الشاعر الفلسطيني الشاب ناصر جميل شعث من قطاع غزة عبر اسرائيل ووصوله الى فرنسا، فيما لم تنجح في تسهيل مجيء الشاعر الفلسطيني راسم المدهون، بعدما منعته السلطات السورية من السفر(!).

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00