الفينيقيون عائدون. هذا ما تخبرنا به الأبحاث الجينية الجارية الآن. وردّ الاعتبار العلمي لحضورهم وتاريخهم، يبدو انه على وشك ان يتحقق.
والمكتشف حتى الآن ان اللبنانيين، وخصوصاً أهل الساحل منهم، "فينيقيون بنسبة معينة" كما هم سكان جزيرة مالطا، أو سردينيا، أو ناحية قرطاج في تونس، أو جبل طارق أو جزر بحر إيجه.
"الفينيقية" الايديولوجية ربما كانت خرافة من الطراز الرديء، لكن الايديولوجيات الأخرى التي تصارعت معها لم تكن أفضل شأناً. فالأبحاث الجينية القائمة اليوم في لبنان بموازاة أبحاث أخرى في الحوض المتوسطي، تكشف ان اللبنانيين الذين يحملون مواصفات جينية فينيقية هم أولاً من المسلمين والمسيحيين وبالتساوي الطائفي التام، وهم ثانياً من أهل الساحل على الأغلب، كما ان اللبنانيين جميعهم واختلاطاً مدموغون جينياً بثلاثة عناصر عرقية أساسية وطاغية: الأوروبية (الصليبيون) والتركية والعربية (الجزيرة العربية)، وهذا الخليط الجيني المركب يتسم به بالتساوي أيضاً المسلمون والمسيحيون.
وإذا كان هناك من تمايزات طفيفة فهي تخص ناحية أو بلدة يتبين ان عائلاتها (المسيحية والإسلامية) حافظت على خصائصها الجينية الواحدة!
أما الملاحظ فهو غياب الأثر الروماني وندرة الحضور اليوناني أو الفرعوني ـ المصري.
هذه النتائج غير المستكملة نهائياً يعد مسؤول عنها الدكتور بيار زلوعة، اختصاصي في التحاليل الجينية في مستشفى الجامعة الأميركية، الذي تبنت "ناشيونال جيوغرافيك" مشروعه للبحث عن حقيقة الفينيقيين.
فمن المفارقات التاريخية، ان هؤلاء القوم الغامضين الذين "اخترعوا" الابجدية الحديثة ونشروها في العالم القديم، اندثرت آثار كتاباتهم ولم يبق من مدوناتهم أي نص يُعتدّ به. وكل ما هو معروف عنهم مصدره اعداؤهم ومنافسوهم (الاغريق، الرومان...).
ربما لهذا السبب، وكسراً لتلك "اللعنة" كان لا بد من أبجدية جديدة فحسب، لكي تعيدهم الى الحياة.. أبجدية الحمض النووي، هذه المرة. أبجدية علم الجينات حيث القراءة هناك في غروموزم "واي" (Y).
منذ سنتين وبالتعاون مع "ناشيونال جيوغرافيك" التي أصدرت عدداً خاصاً بالموضوع هذا الشهر ونفّذت فيلما عن الفينيقيين في لبنان بتكلفة بلغت نحو مليون دولار (يعرض قريباً)، وبزمالة مع العالِم سبنسر ويلز، يعمل الدكتور بيار زلوعة على قراءة التكوين الجيني للبنانيين، واطراداً لسكان شواطئ البحر المتوسط والمشرق العربي، سعياً لقراءة دقيقة في التاريخ. وهذا البحث الذي يؤمل الانتهاء منه خلال 5 ـ 6 سنوات سيحاول البرهنة على الصعوبة المطلقة في التمييز جينياً بين المسلمين والمسيحيين في لبنان، كذلك يسعى لاكتشاف المشترك الجيني (الفينيقي بالدرجة الأولى) بين سكان المستعمرات الفينيقية ما بين قرطاج ومالطا وسردينيا وصور وجبيل وقادش (اسبانيا) ومرسيليا... وغيرها، وأيضاً يحاول البرهنة على ان هؤلاء الفينيقيين هم كنعانيون أي انهم من الجماعات نفسها التي تعود الى أصول واحدة مشتركة والتي استوطنت المشرق العربي قبل خمسة آلاف عام.
والسبيل الى ذلك، كما يقول زلوعة، هو ملاحقة جزء من كروموزم (Y) لا يختلط ولا يتغير أبداً ويورثه الرجل الى ابنه جيلاً بعد جيل دون أدنى تبدل. انه خط اتصال ثابت ولا ينقطع مع التاريخ.
أما المرجع القياسي للنموذج الجيني الفينيقي، فهو رفات وجد في تركيا، وأسنان وجدت في مغارة بلبنان يعود عمرها الى ثلاثة آلاف عام، إضافة الى بقايا أخرى متعددة.
طريقة العمل بسيطة تقنياً، وان كانت ستأخذ سنوات عدة، فهي تلجأ الى جمع عيّنات دم من الرجال وتحليلها. وقد جمع الدكتور زلوعة حتى الآن ألفي عيّنة من لبنان مقسمة على منطقتين: الساحل من ناحية والجبل والبقاع من ناحية أخرى، والفارق الثابت بين القسمين، يُستدل منه على "الوجود" الفينيقي.
إذاً، من عظام القدماء ودماء الحاضرين سيتنضد نص التاريخ.
المفاجأة الكبيرة حتى الآن هو "صلة النسب" ـ إذا صحّ التعبير ـ ما بين سكان مالطا وسكان الساحل اللبناني. فالمشترك الجيني نسبته عالية بينهما الى حد مدهش، والمؤكد حتى الآن تطابق الرواية التاريخية حول الانتشار الفينيقي من جهة ونتائج الأبحاث الجينية على طول جغرافيا هذا الانتشار الاستيطاني من جهة ثانية.
العلم الجيني الذي سيجلو الغموض عن تاريخ أولئك القوم ربما يحرج الكثيرين، ما دام سيحسم "صراعاً على تاريخ لبنان" كان باستمرار صراع خرافات سيئة.
أليس لهذا السبب يتجاهل "المتحف الوطني" آثار الفينيقيين، وتتجاهل "وزارة الثقافة" بعثة "ناشيونال جيوغرافيك" وأعمال الدكتور زلوعة؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.