8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الرجل البريطاني أتى الى مستعمرته القديمة ليفهم العالم

الشارقة أيضاً لديها طموحاتها. فإذا كانت دبي التجارة والتسوّق وناطحات السحاب، وأبوظبي النفط والمال والمتاحف العالمية، فإن الشارقة أيضاً تسعى الى أداء أدوارها الخاصة بها داخل دولة الإمارات العربية. وإذا كان لدبي مطارها وشركة طيران الإمارات، ولأبوظبي مطارها وشركة طيران الاتحاد فقد أطلقت الشارقة منذ مدة ومن مطارها الخاص طيران العربية.
هذا التنافس بين المدن الإمارات جعل هذه الدولة الخليجية تقفز بين سنة وأخرى من طفرة الى طفرة، تحتاج أي دولة أخرى الى عقود لتحقيق واحدة منها. وتلك حال أي مؤسسة إماراتية أكانت مصرفاً أو شركة عقارية، أو وكالة تجارية أو شركة طيران أو مجرد صحيفة مثلاً. النمو في هذه الدولة له طابع انفجاري وتوسعي باستمرار، مع عناية دائمة وإصرار على إظهار الثراء والزهو بالجدة.
مطار بيروت، الذي جهدنا في التسعينات لنبنيه مجدداً ونجعله واسعاً وحديثاً ويكون جاهزاً لما تخيلناه مرفأ جوياً حيوياً وعصرياً وصاخباً وأنيقاً، ما زال كما هو في التسعينات شبه فارغ، بليداً ومحلياً. ونشعر منذ افتتاحه وكأن لمسة أخيرة تنقصه، بل وأن العتق بدأ يتسلل إليه مع الكثير من مناخ الخمول الذي يسوده، وأن ممراته وقاعاته ستبقى هكذا بالكاد مأهولة، فيما ينتابنا شعور، ونحن في أرجائه، بأن هذه الفراغات الواسعة فيه، بلا وظيفة ولا استخدام، هي بالأحرى مرآة إدعاءاتنا الخائبة ومطرح الإحباطات اللبنانية.
تظهّر كل هذا أكثر حين وصلنا الى مطار الشارقة، الذي نظنه أقل أهمية وأصغر من مطاري أبوظبي ودبي. ففي المطار الصغير هذا لا يتوقف الازدحام الخانق للمسافرين بين أقصى آسيا ومجاهل افريقيا وآخر بقاع الأميركتين. لا تتوقف النداءات للإقلاع والهبوط، ولا تنتهي صفوف المنتظرين الطويلة عند نقاط التفتيش والجمارك، ولا نجد كرسياً واحداً فارغاً في الكافيتريات والاستراحات، ولا يمكن حصر كل تلك الجنسيات وألوان البشر المتدفقين ذهاباً وإياباً من وإلى كل الاتجاهات.
كنا نظن أن هذا المشهد يخص مطار اسطنبول مثلاً أو مطار شارل ديغول. لكن مشهد مطار الشارقة يجعلنا ندرك أن عولمة السفر والدفق السيّال للمسافرين على مدار الساعة وسهولة التنقل وكثافته حول الكرة الأرضية هو الأمر الاعتيادي في عالم اليوم، والذي فات مطار بيروت بالتأكيد.
كانت وجهتنا مع طيران العربية الى الهند. رحلة لمجموعة من الصحافيين العرب نظمتها الشركة الشارقية بالتعاون مع مؤسسات سياحية في ولاية غوا (Goa) الهندية، منها منتجع ماريوت ومنتجع دود ساغار. رحلة استكشافية ترويجية تُظهِر الطموح نحو المزيد من التوسع في اتجاهات السفر وابتكار الخطوط والوجهات الجديدة للسياحة العربية، خصوصاً الخليجية منها، بقدر ما تظهر أن الهند الصاعدة ستنافس بقوة على الجذب السياحي بالمنطقة العربية. فمن الواضح أن شمال إفريقيا والمشرق العربي ليسا في وارد أية أجندة سياحية فعلية لهذا العام، وربما لأعوام مقبلة. ولم تعد أوروبا الباهظة التكاليف مقصداً وحيداً، كما أن الشرق الأقصى كتايلاند يكاد لا يتناسب مع تزايد الميل نحو السياحة العائلية، لذا فهي الآن فرصة تركيا مثلاً وفرصة الهند على ما يبدو، طالما أن هذه الأخيرة لا تبعد عن الخليج أكثر من ساعتين بالطائرة، عدا عن كونها لا تزال بلداً منشطاً للمخيلة ومجالاً للاستكشاف والاستغراب والدهشة، وأرضاً واسعة شبه مجهولة، بالإضافة الى ما تستدعيه عند العرب من ذاكرة غامضة لإمبراطورية تجارية وصلات ثقافية من ميناء البصرة الى البحرين الى سلطنة عُمان وساحل الإمارات وصولاً الى زنجبار الإفريقية، حين كان المحيط الهندي الذي يفصل الجزيرة العربية عن الهند يُسمى بـبحر العرب.
عند الفجر الرطب، في مطار غوا العتيق بذاك العتق الخشبي الذي يشي بالإلفة السينمائية، كان الهيبيون الجدد من شبان أوروبا وأميركا، ومجموعات السياح الروس الكبار السن، ونحن مجموعة الصحافيين العرب، نخرج من المطار الصغير، القليل التكنولوجيا، الى عالم تهيمن عليه الظلال السوداء للأشجار الكثيفة اللانهائية والضباب الخفيف. ثم طوال الطريق مع بزوغ اللون الأول للفجر كنا نلاحظ كيف أن ثمة أنهاراً عريضة هادرة في كل مكان. مياه وبحيرات وجسور عدة فوقها، والمزيد من الغابات على امتداد الأفق.. والحرارة الهامدة المشبعة بالرطوبة والاستفاقات الأولى للغربان.
داخل الباص الهندي، حيث ثمة حاجز زجاجي وباب يفصل السائق عن الركاب، وفق طراز إنكليزي قديم، علقت لافتة باللغة الإنكليزية: ممنوع التدخين، ممنوع البصق. أفهم من معاون السائق الذي قدم لنا على صينية قناني المياه الصغيرة، أن هذه حملة وطنية وأوامر رسمية تشمل الهند برمتها: لا بصق ولا تدخين ولا رمي نفايات. إنها الإشارة الأولى لما يتبدل في الهند الحديثة، وقبل أن نصل الى الفندق سنمر في الضواحي الجديدة لمدينة باناجي، عاصمة الولاية، حيث العمارات الفخمة والمشاريع السكنية للبرجوازية الجديدة المتنامية والشوارع العريضة النظيفة، والترتيب الفائق في كل التفاصيل الهندسية. إنها الإشارة الثانية لتحولات المدن الهندية.
عند نقطة التقاء المحيط بمصب نهر ماندوفي يقع فندقنا المشيّد كمكان مفتوح بأقل عدد من الجدران حيث قاعة الاستقبال ليست سوى سقف لصالة مفتوحة على الهواء الطلق من الجهات الأربع. ترف في أجواء كولونيالية مهراجية، مضمخة بالعطور البرية والبخور المرهف، فيما السفن النهرية تطلق صافراتها وهي تدخل النهر متجهة نحو منجم الحديد في عمق الولاية، والمنارة على التل تدوّر ضوءها الكاشف منذ أن أنشأها البرتغاليون هنا، حين جعلوا غوا مستعمرة لهم ومرفأ تجارياً رئيسياً لتصدير البهارات والتوابل، ومركزاً للتبشير الكاثوليكي في أرض الهندوس.
نوم قليل قبل أن نذهب الى القلعة البرتغالية، حصن الحامية العسكرية الذي يطل على كل مداخل غوا البحرية ويشرف على باناجي من الشمال. وهنا تحت الشمس الثقيلة يتنزه مواطنو المدينة والسياح وهم يطلّون على القصور الفاقعة الألوان، المبثوثة على سفوح الغابة، والكنائس المنتشرة بإصرار يوحي بأن البرتغاليين قضوا جلّ وقتهم هنا لا يفعلون شيئاً سوى الإكثار من تشييد الكنائس بمثابرة عظيمة، حتى تصير تلك القطعة من الهند على شاكلة الريف الإيبيري في القرن التاسع عشر أو على شاكلة البلدات البرازيلية. بهذا المعنى راحت غوا تضع زائريها في أمكنة عدة دفعة واحدة: البرتغال الأوروبية، البرازيل الأميركية اللاتينية، الهند الآسيوية. وربما لهذا السبب بدأت أتصرف كسائح تقليدي يرغب بالتقاط الصور التذكارية، وبالتفرج على ما حوله بفضول ساذج وخفة، وأن أكون بدوري موضع فرجة للسكان الذين يسألونني: من أين؟ من لبنان، أقول متنبهاً الى علامات وجوههم إن كانوا يعرفون لبنان، كما يعرفون دولاً أخرى مشهورة. الشاب الهندي وخطيبته اللذان طلبا مني أن التقط لهما بكاميرتهما صورة تذكارية عن حافة الحصن المشرف على المتاهة المائية لا يعرفان أن الحرب انتهت في لبنان، وهما يظنان أن سوريا وإسرائيل تتقاتلان في شوارع بيروت بالذات.
عندما علمت زوجتي بسفري الى الهند، إنتابها الفزع مستعينة بالإنترنت باحثة عن أنواع الأمراض المنتشرة هناك، والأوبئة وأنواع الفيروسات والجراثيم، هكذا وفق تصور راسخ قديم بأن تلك البلاد المدارية الحارة هي مصدر أمراض خطرة، وأن التنفس، كما الشرب والأكل واللمس، محفوف بالمخاطر. لم تكتف بطبع لوائح تلك الأمراض، بل انها ذهبت الى الصيدلية لتبحث عن أنواع اللقاحات والأدوية التي يجب عليّ أن أتناولها قبل ذهابي. لم تقتنع كثيراً بأن الهند التي تعرف عنها قديماً لا صلة لها بالواقع، وأن بخّاخ طرد الناموس وحده كاف لدرء المخاطر.
في الليل كان علينا أن نذهب بالقارب التاكسي المجاني الذي يقلّ الزبائن والزوار من ضفة النهر على الكورنيش الأنيق الى داخل النهر حيث تنتشر خمس سفن كبيرة، تحوّلت الى كازينوات. صاحب الكازينو أخذنا من باب الاستقبال في جولة بدأت مع حضانة أطفال: الزبائن يأتون كعائلات ويسهرون حتى الفجر. لذلك أنشأنا هذه الحضانة، الأهل في الأعلى يلعبون القمار ويتناولون الطعام ويسهرون في صالة الغناء والرقص، والأطفال هنا بالقرب منهم. يقترب شاب عربي الملمح. يعرّف عن نفسه بأنه فلسطيني. ماذا تفعل هنا؟ كيف وصلت الى الهند؟ أسأله، يقول إنه من رام الله وكان يعمل في الشركة التي كانت تدير كازينو أريحا، وبعد إقفاله انتدبته الشركة للعمل في تأسيس كازينو في غوا. هكذا وصل منذ ثلاث سنوات وبقي هنا من دون تذمر. المدير أخذنا الى صالة سرية مجهزة بكل أنواع ألعاب القمار لكن خالية من الزبائن. إنها الكازينو السري البعيد عن الأعين والمخصص لرجالات السياسة وللفنانين المشهورين والشخصيات العامة. إنها حضانة الكبار على الأرجح.
في اليوم التالي كان ينتظرنا ساشين نينه المدير الأنيق والودود في شركة الطيران ليصطحبنا الى الشواطئ الرملية التي تمتد على طول الولاية ولا تنتهي عبر الولايات الأخرى. هناك الأسواق السياحية والبسطات المتواضعة لبيع المآكل والمقاصف البحرية الخشبية والنوادي الأوروبية الطراز، حيث السياح والفقراء وعموم أهل المدينة يتدفقون الى الشاطئ ويعيشون عند حوافه ويتاجرون ويقضون جلّ أوقاتهم. لا مسافة فاصلة بين الشاطئ والعيش، حيث السباحة والعمل والازدحام والسكن في بقعة واحدة، وحيث الأبقار التي تبقى شاردة بلا راع لها ولا صاحب تظل أيضاً هنا تحصّل عيشها مع الناس.
الأبقار والكلاب والقرود هنا تتقاسم أمكنتها مع السكان وتتخلّل بيوتهم وشوارعهم وأرصفتهم من غير فواصل، بل وفي انسجام وتفاهم مستمر. هنا للمرة الأولى، ننتبه الى ما قد يكون وحدانية، الحياة، أو أنه ذاك الالتصاق بين الإنسان والأرض والبيئة وقوة الطبيعة، وثقافة المساواة في حق الحياة للغابات والحيوانات والبشر. انسجام نادر بين العمران المديني وسطوة الطبيعة. للمرة الأولى أرى حيوانات لا تخاف من البشر ولا يتجنب البشر تلك الكائنات أو يطردونها من حيزهم. تلك الحياة المشتركة تطبع الهند بطابع روحي. فنحن هنا أقرب الى الأرض.
عندما رحنا الى قلب الغابة، الى البرية الوعرة حيث مساقط المياه والشلالات المهيبة والغابات الكثيفة، لم نشعر تماماً بأننا غادرنا المدينة طالما أن التجوّل في غوا وحتى داخل مدينة باناجي كان قد صنع الإلفة مع طغيان الأشجار وكثرة الحيوانات الحرة والشاردة، وطالما أن الغابة لا تخلو بدورها من مجموعات السياح الفرنسيين والروس والصينيين.
وهناك في مزرعة البهارات والتوابل التي تحوّلت بدورها الى معلم سياحي في قلب البرية الشاسعة المغمورة بالمستنقعات وحقول الأرز وأشجار النخل الاستوائي، كنا نستكشف تلك النباتات التي ألهبت خيال الأوروبيين منذ القرن الخامس عشر، وتسببت باكتشاف أستراليا ورأس الرجاء الصالح وأميركا وغيّرت المسار الحضاري وتاريخ المآدب وثقافة الطعام. النباتات الضئيلة التي تتصف بالهشاشة بدت هنا، مع الدليل السياحي الذي راح يشرح لنا مدى العناية الزراعية التي تستلزمها، كما لو أنها كنوز في متحف لحضارة مهيبة.
من مزرعة البهارات وعلى طول طريق العودة سنمر ببلدات وضواحي بوذية وكاثوليكية وهندوسية وإسلامية وديانات هندية من الصعب الادعاء بمعرفتها، سنمر من بيوت وفيلات تجمع في هندساتها كل تلك الأرواح والاطياف الدينية مع بهرجة باذخة في الألوان. الألوان هي الهند، وهي لا تكفّ هنا عن التوالد والتمازج والسطوع تحت شمس دائمة في موسم الجفاف.
قبل المغادرة عائدين الى شرق أوسطنا، أقيمت لنا سهرة وداع مع كؤوس شراب الكاجو وشراب النخيل الهندي برفقة رجل وامرأة إنكليزيين فخورين بدرة التاج الإمبراطوري البريطاني، منتشين بالحنين الكولونيالي، وبتواضع بلدهما الأوروبي الآن. جئنا لنفهم أنفسنا، لنفهم العالم.. والهند هي المكان المناسب لهذه المهمة الصعبة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00