إنه أشهر مستشفى في العالم الآن، مركز كاميرات العالم وشاشات البث المباشر، مصنع صورة الألم الفلسطيني. المستشفى الذي جسّد نزف الجرح الفلسطيني، وشهد غزارة الدم المسفوك على أرض غزة هو دار الشفاء. المكان والملاذ الأخيران للذين يدهمهم الموت يومياً وعشوائياً.
إنتهت الحرب الآن، وتوقف سيل سيارات الإسعاف المليئة بالجرحى، وخفت حشود المصورين والفضوليين والمتطوعين الذين كانوا يتزاحمون عند بوابته. توارت صورته عن محطات التلفزيون، لكنه ما زال كما في اوقات الحرب مزدحماً على نحو خانق. طوابير من المرضى عند مدخل الادارة، طوابير من الواقفين عند مدخل العيادات، طوابير من الزائرين عند المدخل الرئيسي. طواقم الاسعاف ما زالت مستنفرة، الحراس من مسلحي حماس، وهم كثر، يحاولون حفظ النظام في الباحة الخارجية حيث تم وضع سيارات الاسعاف المدمرة في منتصفها كنصب تذكارية.
المستشفى الذي اختصر كل أحداث غزة وحروبها وصورها وجروحها ... يختصر أيضا تاريخها الحديث.
فقد تأسس دار الشفاء عام 1946 وكان عبارة عن أكشاك من الصفيح، ويعمل فيه عدد من الأطباء الفلسطينيين والمصريين. ويقول فضل طافش، نائب المدير العام والذي يعمل في المستشفى منذ 27 عاماً، إنه لا يعرف اسم أحد من الاطباء المؤسسين، لكنه يقول إن دار الشفاء كان في بدايته مجرد مكان عناية بدائية ولم يتأسس فيه أي قسم تخصصي الا عام 1955، مع قسم الامراض الباطنية.
وعرف اول قسم للجراحة العامة في غزة عام 1957 في مبنى شيد في منطقة تل الزهور، ثم تم افتتاح قسم الولادة وامراض النساء عام 1959.
في حرب الأيام الستة (النكسة 1967)، تعرض المستشفى لغارة بالطيران أتت على أجزاء واسعة منه.
مع بداية السبعينات وحتى التسعينات بات مستشفى حقيقياً، يضم العيادات والمختبرات ومبنى الجراحات والعلاج الطبيعي بالاضافة الى طاقم تمريضي محترف وتجهيزات حديثة حولته الى ان يكون المقصد الاساسي لمليون ونصف المليون فلسطيني من المقيمين في غزة.
لدى المستشفى قدرة استيعابية جيدة نسبتها 528 سريراً للمبيت و92 سريراً للعناية اليومية والطوارئ، ويحتوي على 39 قسماً في كافة الاختصاصات ويعمل فيه حالياً 1500 موظف كان عددهم عام 1980 فقط ثمانمئة موظف. أما عدد الاطباء فيه حالياً فهو 483 طبيباً كلهم فلسطينيون. ومنذ الحرب وحتى الآن أتى للعمل التطوعي فيه ما يقارب الـ200 طبيب أجنبي وعربي. وهؤلاء بحسب قول فضل طافش، جاؤوا ليساعدوا وليكتسبوا الخبرة أيضاً، حيث ان المستشفى إكتنز طوال الحروب التي شهدها خبرة واسعة في علاج الاصابات غير المتوقعة والشديدة التنوع.
والجدير بالذكر ان المستشفى هو المركز في أذهان الفلسطينيين، والموزع ... إذ انه بعد استقباله لكل الحالات يبقي على الحالات الصعبة والمعقدة لديه، ثم يوزع الحالات المستقرة والطفيفة على المستشفيات الأخرى، أو الى المنازل في أوقات الحرب.
وفي الحرب الأخيرة، استقبل ثلاثة آلاف جريح وألف شهيد. ويقول طافش ربما معجزة ربانية أو سبب غير معلوم جعل الجثث التي وضعناها خارج البرادات الممتلئة لأيام عدة لا تتفسخ او تتحلل... لم يكن هناك حتى رائحة. ويضيف ان المستشفى نفسه دفع ضريبة القصف، حيث استشهد 14 شخصاً من طواقم الاسعاف ودمرت 15 سيارة اسعاف كانت لديه.
وفي أوقات الحرب، تنسى الكاميرات وينسى الناس المرضى : المصابون بالسرطان، من يحتاج لغسيل الكلى، الحوامل اللواتي على وشك الولادة، الأطفال المحمومون، العجائز المحتضرون.
اولئك كلهم تحولهم الحرب الى كائنات مهملة منسية، فتتضاعف معاناتهم ومأساتهم. وحده المستشفى لا ينسى، يقول طافش: استقبلنا في 22 يوماً أكثر من 700 مريض ليسوا من جرحى الحرب.
زهور وعلب شوكولا ووجوه كئيبة وباعة متجولون ورجال أمن وموظفون وممرضون وصحافيون أجانب وهيئات طبية أجنبية بسترات طبعت عليها اسماء جمعياتهم، وعجقة من الناس تجعل المستشفى يشبه ساحة مدينة فوضوية.
لكن هناك في داخله، في الغرف، يحل الهدوء حيث يتمدد المرضى والجرحى مع الألم. هدوء يفرض عليّ الخجل ويردعني عن أي إزعاج قد يسببه فضولي الصحافي، فأنسحب الى الخارج ناظراً الى السماء حيث الطائرات الاسرائيلية تحلق منذ الصباح الباكر كتهديد معلن، ووقح، بصوتها الذي بات قرين نداء الموت المشؤوم.
أنسحب من هناك بإتجاه البحر فأجد نفسي أمام طوابير أخرى من الناس تقف عند باب حديدي منتظرة توزيع مساعدات غذائية من وكالة الامم المتحدة لمساعدة اللاجئين الأونروا.
وعندئذ، يعاودني الخجل عندما انتبه انهم ينظرون اليّ مدركين انني اراقبهم. لم يبق لي سوى البحر كآخر ملاذ من غزة، التي لم أعد أطيقها لشدة ما أخجلتني.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.