بدعوة من بلدية مدينة ديار بكر الكردية في تركيا، بدأت أول من أمس (الثلاثاء) أيام مهرجان ديار بكر الأدبي الذي يستمر حتى الأحد المقبل.
وتحت شعار "الأدب حياة" أتى مثقفون وشعراء وروائيون أرمن وإيرانيون وأكراد وأتراك وعرب ليلتقوا ويتعارفوا ويشاركوا في مهرجان يأخذ طابعاً خاصاً بوصفه ملتقى لثقافات نابعة من أقوام متجاورة ومتشاركة في الجغرافيا والتاريخ، لكنها متنابذة ومتباعدة عن بعضها البعض. إنه ملتقى لغات وأثنيات وآداب لم تجد بعد قنوات تواصلها وترجماتها وتحاورها في ما بينها.
جيران غرباء
ومبادرة بلدية ديار بكر تبدو آتية من رغبة أكراد تركيا ليس فقط بتحقيق كيانهم الثقافي وإبراز خصوصيتهم اللغوية وهويتهم الحضارية، بل هي أيضاً رغبة في تعميم فكرة التعدد الحضاري القابل للتعايش بغض النظر عن التقسيمات السياسية وحدود الدول، خصوصاً في هذه المنطقة الكثيرة الأقليات والأثنيات والأغلبيات.
منذ يوم الإثنين الماضي، وديار بكر التي يحيط بها الثلج والصقيع، تستضيف بدفء لهجات لا سبيل الى ترجمتها، وألسناً تلهج بلغات لا يفهمها إلا أهلها.
فلا العربي يفهم الأرمنية أو الكردية أو التركية، ولا الكردي يعرف الأرمنية أو الفارسية أو العربية. فيما يبدو أن اللغة الوسيطة غير متوافرة بينهم.. لا الإنكليزية ولا الفرنسية ولا التركية مثلاً.
وسط بابل للغات القديمة هذه، تأتي الروائية الكردية الشابة التركية الجنسية واللغة شينام اشغوزل من اسطنبول لتروي لنا كيف أن روايتها عن الأكراد باتت هكذا مقبولة في الوسط الأدبي التركي الحديث، طالما أن الصمت كان يحيط بهذا الجزء من المجتمع التركي.
التحولات تبدو كثيرة على هذا المنوال، والطموح نحو انتماء أوروبي يبدو أنه يفعل فعله المؤثر، وفيما الأكراد ارتضوا التنازل عن الكيان المستقل مقابل المواطنية الكاملة المتساوية في دولة ديموقراطية وعلمانية، تنازل الأتراك عن الواحدية القومية لدولتهم.
مديرة المهرجان جواهر صادق (مسؤولة عن الشؤون السياحية والثقافية في بلدية ديار بكر) تقول إن المهرجان كان من فكرة حزب "الشعب الديموقراطي" الذي فاز في الانتخابات البلدية والنيابية في كل المدن الكردية الرئيسية بتركيا، وقرر على الأثر أن يحيي سنوياً مهرجاناً ثقافياً شاملاً في كل الفنون. واعتباراً من العام الماضي بات هناك مهرجان خاص بالأدب. هذه الخطوة المدعومة من المنظمات المدنية في ديار بكر جوبهت في البدء بممانعة من الدولة التركية التي حاولت إفشاله بوسائل عدة وخلقت إزاءه صعوبات كثيرة كمثل حظر استعمال المباني العامة والمسارح. لكن يبدو أن "المتطلبات" الأوروبية من جهة وتخلي الأكراد عن السلاح في السنوات الأخيرة من جهة ثانية أتاح لهم أخيراً أن يحققوا برامجهم الثقافية وحضورهم السياسي.
أيام ديار بكر لا تقوم على مساعدة من الدولة التي تتغاضى فحسب عن هذه الانطلاقة الكردية الجامحة والإيجابية، ولذا فهي تتصف بشيء من العفوية والارتباك، وأيضاً تتصف بأنها أمثولة لمدننا التي تخشى من كتاب أو لهجة غريبة أو تظاهرة شبان. وديار بكر الفقيرة تبدو لأيام قليلة عاصمة غنية بالقصائد واللغات الأجنبية والأفكار التي لا تجد مكاناً لتتصافح.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.