8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

صورنا عام 1977 أو الكابوس المستأنف

اثناء مشاركتنا في مهرجان برلين الدولي للأدب (9 ـ 18 أيلول 2009) كان اللقاء مع المصوّر الفوتوغرافي الالماني إيكو فون شفيشوف، الذي يحفظ بعض الكلمات العربية من مثل صباح الخير أو السلام عليكم. وكان في برلين بانتظار الكتّاب العرب، من أجل ان يلتقط لهم صور بورتريه كجزء من أرشيفه وعمله كمصور محترف.
في جلسة التصوير، راح يروي لي مغامرته في منتصف السبعينات كشاب متحمس يريد ان يفعل شيئاً، فخرج من المانيا الى لبنان.
يقول إيكو: اشتريت أول كاميرا خاصة بي عام 1977 بسبب رحلتي تلك الى بيروت. كنت أتابع مجريات الحرب هناك، وأردت أن أكون شاهداً على الأحداث بعيني (أي بكاميرتي). كان التصوير في بيروت الغربية شبه ممنوع أو خطراً، ولذا كنت التقط معظم صوري خلسة.
تلك المغامرة التي دامت بضعة أسابيع، جعلت إيكو فون شفيشوف يقرر أن يصير مصوراً محترفاً، متفرغاً لهذه المهنة، فيعود خلال الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 الى لبنان ويكون احد مصوري مجزرة صبرا وشاتيلا فيتحصل على أول شهرة فعلية لأعماله، وتنشر كبريات الصحف الالمانية والاوروبية بعض صوره، ثم يتم نشر صوره مع نص جان جينيه الشهير حياة يومية (بالترجمة الالمانية) وستقدم هذه المجموعة من الصور في معرض حياة فلسطينية في لبنان عام 1983 في برلين.
يعترف فون شفيشوف بانه ما زال مهجوساً بالصور التي التقطها في بيروت وجنوب لبنان عام 1977، وهو يفكر الآن بمشروع ورحلة بحث في لبنان مجدداً لاستقصاء ومعرفة مصائر الناس الموجودين في صوره تلك. هل ما زالوا أحياء. كيف كانت حياتهم خلال السنوات الـ 32 المنصرمة؟ ما هي سيرتهم، وما تعرضوا له وما عايشوه طوال تلك الحقبة المليئة بالحروب والتحولات الدامية.
المصور ايكو الذي ولد عام 1955 في ناميبيا، توجه بعد رحلته الأولى الى لبنان لدراسة الإعلام والمسرح في برلين، وهو يعمل منذ العام 1984 كمصور مستقل، متخصصاً بتصوير عالمّي الادب والسينما، منحازاً الى فن البورتريه. وأقام منذ العام 1980 معارض عدة لوجوه مخرجي الافلام والسينمائيين والكتاب والفنانين في المدن الألمانية، آخن وبرلين وبريمن، وفرانكفورت وشتوتغارت. كذلك أنجز معرضاً مخصصاً لوجوه 18 كاتباً عربياً (فرانكفورت 2004 وبرلين 2006).
المصور الالماني خصّ ملحق نوافذ بمجموعة من الصور التي التقطها في لبنان عام 1977، وهي على تفرقها مواقع واحداثا،ً تروي بإلماح واقتضاب ومباشرة سيرة يومياتنا مع الموت والخوف والسلاح الفالت من عقاله. تروي تلك الفوضى والغوغائية التي طبعت حروبنا وسياساتنا، بقدر ما تروي طيشنا وأوهامنا.
هذه الصور التي تنعش ذاكرتنا، تبدو اليوم أشبه بالانذار طالما اننا نشهد بيننا من هم راغبون بالذهاب مجدداً الى تلك الحقبة وتكرارها، وطالما اننا ما زلنا نرى جماعات تهوى الميليشياوية في السياسة والعيش وتطلب الحرب حياة وموتاً لها وللآخرين.
صور العام 1977 هذه، التي نشعر انها صور مستقبل محتمل على الدوام، بقدر ما نشعر انها أطياف كابوس قديم، هي رغماً عنا تاريخنا المستأنف، لا ماضينا المنصرم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00