8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فولكلور المقاطعة العربي في خدمة أيّ ثقافة؟

تزامن وجودنا في باريس مع أيام "صالون الكتاب" الفرنسي، وهو المعرض الذي قاطعته هذه السنة أغلب الدول العربية ببيانات رسمية، لتتبعها إلى هذه المقاطعة اتحادات الكتّاب العربية، بصفاتها المعنوية و"الرسمية" وأيضاً بقدرتها الزجرية والتشهيرية... ومن ثم امتنع عدد كبير من الكتّاب العرب ومعهم دور النشر والمؤسسات العربية عن المشاركة في واحد من أهم معارض الكتب الدولية.
وعلى هذا، ورغم وجود حفنة قليلة من الكتّاب العرب المشهورين، فان الغياب العربي كان واضحاً، ليخلو "الصالون" هذه السنة لاسرائيل، الضيفة الرسمية للمعرض لهذا العام بمناسبة "الذكرى الستين لنشوئها" (الذكرى الستون عربياً لـ "النكبة").
بالطبع، لم تكن المقاطعة موجهة ضد اسرائيل فحسب، فهذا تحصيل حاصل. لقد قاطع العرب فرنسا. قاطعوا مناسبة ثقافية حضرت اليها من أقصى آسيا كوريا الجنوبية والصين كذلك حضرت البرازيل وكندا وصربيا واليونان واليابان وكل الدول الأوروبية.
وقاطع العرب مناسبة دعي إليها أكثر من ثلاثة آلاف كاتب من أنحاء العالم، ومِثْلي هذا العدد من الصحافيين وعشرات محطات التلفزة والإذاعة والصحف ومواقع الانترنت.
والأهم، قاطع العرب الجمهور الفرنسي والفرنكوفوني.
وبهذا المعنى، حضرت "اسرائيل" وغيّب العرب أنفسهم. بل وبعبارة أخرى، أحضرت اسرائيل نفسها وغيّب العرب فلسطين. أي، مرة أخرى، "تأتي" اسرائيل فينسحب العرب، وتكسب الدولة اليهودية وجودها هنا وهناك، ويخسر العرب وجودهم هنا وهناك... وفي الحالتين يتم اقصاء فلسطين عن الصورة وعن الوجود، تماماً كما يتمنى الاسرائيليون. وبدلاً من مقارعة "واقع" وجود اسرائيل بـ "حقيقة" وجود فلسطين، وبدلاً من مقارعة "واقعية"، وجود ثقافة اسرائيلية بـ "تاريخية" وجود ثقافة فلسطينية... يقصي العرب أنفسهم عن تلك المقارعة، ومعهم يتم تغييب الفلسطينيين وفلسطين. ومتى؟ بمناسبة سجالية بامتياز ما بين حكاية "استقلال اسرائيل" وحكاية "نكبة فلسطين".
والنتيجة، كالعادة، تقف تظاهرة بائسة على الرصيف المقابل لصالة المعرض، تضم مهاجرين عرباً يرفعون شعارات التنديد وقبضات الغضب... ولا تفعل الحشود الآتية إلى صالون الكتاب سوى النظر إلى التظاهرة بعين الشفقة أو الاستغراب أو الامتعاض.
قاطع العرب، بكياناتهم الرسمية ومؤسساتهم التي هي إما وزارات ثقافية جل عملها "مراقبة" الثقافة وتقنينها، والسيطرة عليها؛ وإما اتحادات كتاب مستنسخة برداءة عن النموذج السوفياتي التأميمي والسلطوي... فتركوا أولئك المهاجرين وحدهم، وإذ بهم يقاطعون فرصة مزاحمة اسرائيل ومنافستها أو حتى احراجها، طالما انه كان بامكانهم تنظيم ما لا يعد من الأنشطة الثقافية والحفلات والعروض، على الأقل خارج معرض الكتاب وبالتزامن معه، وربما على نحو "يغرق" باريس بالحضور العربي.
كان بامكانهم على الأقل أن يستثمروا "معهد العالم العربي" في باريس، وهو مؤسسة استثنائية لا تملك أي جهة أجنبية مثيلاً لها في العاصمة الفرنسية، ليتحول في تلك الفترة إلى أرض لاحتفالية ثقافية كبرى ترويجاً لـ "استقلال فلسطين".
بل وكان بالامكان "اجتياح" معرض الكتاب بالأجنحة العربية وبتنظيم الندوات والمحاضرات وعروض الأفلام واللقاءات على نحو يتيح لجمهور محلي وكوسموبوليتي أن يشعر أن مقابل حكاية "استقلال اسرائيل" وثقافتها هناك حكاية "نكبة فلسطين" وثقافتها.
لم يسعف اسرائيل امر في هذه المناسبة قدر ما أسعفها هذا الكسل الفاضح للعرب، ولجؤوهم البليد إلى فكرة "المقاطعة". فحضرت ذكرى ولادة اسرائيل وصورتها كدولة ناجحة وكمجتع راسخ، وغابت ذكرى نكبة فلسطين وصورتها كأرض محتلة وكمجتمع مشتت. غابت الرواية العربية مقابل عرض متواصل للرواية الاسرائيلية. وأين؟ في عاصمة فرنسا المعولمة، وفي لحظة ثقافية ـ فكرية ـ اعلامية بامتياز.
بدت "المقاطعة" العربية حلاً معتاداً، جاهزاً، ومتماشياً مع تقليد عتيد من الدعوات المماثلة، هو تقليد "ثقافي" وحزبي وأهلي ورسمي على شاكلة مقاطعة ناظم الغزالي ابان الغزو العراقي للكويت، أو مقاطعة ماجدة الرومي في سوريا بعد 14 آذار 2005، أو مقاطعة "المعارضة اللبنانية" (تجاوزاً) ومناطقها وجمهورها للدولة والحكومة والقانون ودوريات الشرطة، مروراً بـ "القطيعة" وهي حادثة عربياً ـ عربياً مراراً وتكراراً، وصولاً الى "القطع" أي الحرب أو هي الهجرة والتكفير... وانتهاء بالدعوات إلى معاداة مجلس الأمن والأمم المتحدة، ومعهما ما تبقى من العالم.
وطابقت هذه "المقاطعة" أكثر الأفكار ابتذالاً والسائدة عن العرب والمسلمين: إنهم متعصبون، ارهابيون، معادون للثقافة، انفعاليون، رافضون للحوار.
وجاء كل هذا بالتوازي مع ذيوع تصورات وأخبار عن "ما يفعله العرب في دارفور"، وهي قضية تشغل أوروبا والعالم ولا يعلم الرأي العام العربي حقائقها الشائنة والمرعبة. وايضاً بالتزامن مع انتشار المخاوف في اوروبا، بعد قضية الرسوم الدنماركية، من موجه إرهاب قد تضربها، ومع أخبار أسامة بن لادن وتهديداته للفاتيكان... يضاف اليها أخبار حماس وحزب الله وانتحاريات العراق المختلات عقلياً!
أما اسرائيل "الفرنسية" فهي هناك ليس اسرائيل، اذ أتت متخفية ومتخفّفة من صورتها العسكريتارية. أخفت رموز القوة وأبعدت عنها كل ما يبعث على الاحراج، وغطت كل الصور التي قد تدينها. لم يساعدها في ذلك ان اسرائيل جاءت بأفضل كتّابها، ولم يساعدها "يسارية" أغلب هؤلاء الكتّاب، ولم يسعفها ان هؤلاء الكتاب "يتعاطفون" مع "المأساة الانسانية للشعب الفلسطيني" ولا إكثارهم من كلمة "سلام" في حواراتهم. بل ان الذي ساعدها في "صالون الكتاب" هو الغياب العربي... الذي بدا هزيلاً من حماقة المزايدات.
***
إنها فرنسا، التي لا تعوزها الدراية ولا الحنكة ولا الشجاعة الأدبية، فرنسا الغنية بالأفكار والمعرفة. وبالطبع، لم تكن بحاجة الى تلك التظاهرة من المهاجرين العرب الضئيلة، البائسة... التي لم تفعل سوى رفع صور دامية باتت تأتي بنتائج عكسية لشدة امعانها في التصوير التشريحي للضحايا الفلسطينيين ولشدة الحاح "الجماهير" على اكثارها واشهارها.
وفرنسا الرسمية التي استضافت اسرائيل، هي ليست كل فرنسا، أو هي لا تختزلها. لقد كانت "الهيئة الوطنية للنشر والكتب" (وهي المؤسسة العامة الكبرى) على قدر من الحذاقة ان جعلت جناحها (مقابل جناح اسرائيل تماماً) مخصصاً لعرض نشاطها للعام المنصرم. وتصادف ان هذا النشاط كان منصباً على الثقافة اللبنانية. وجعلت شاشة الجناح العملاقة مقابل المنصة الاسرائيلية تبث على مدار الساعة الفيلم الطويل عن الكتاب اللبنانيين، على نحو لافت للأنظار.
أما دار "أكت سود" التي شاركت بجناح فسيح، فعمدت الى توسيع مساحة مشاركتها وأبرزت كل اصداراتها عن فلسطين أو الأدب العربي المترجم الى الفرنسية، عدا عن تنظيمها حفلات توقيع لعدد من الكتاب العرب الذين حضروا بحذر، ومن دون رغبة بالاعلان عن ذلك. اذ كان لدى عدد من الكتاب والناشرين الآتين من مصر ولبنان خوف من ان يعلنوا عن حضورهم.
وفي الاتجاه ذاته عمدت دور نشر مهمة كغاليمار وسوي وفايار الى توزيع "عادل" في ابراز اصداراتها "العربية" و"اليهودية".
وفي مبادرة خاصة نقل كتاب لبنانيون وناشروهم أماكن حفلات التوقيع المفترضة الى خارج المعرض، واعتمدوا مقر "وكالة السياحة اللبنانية" لهذه الحفلات. فيما اصر الكاتب المغربي باللغة الفرنسية طاهر بن جلون على حضور المعرض والمشاركة فيه إذ قال في مقابلة تلفزيونية من داخل "الصالون" ان المقاطعة هي "جريمة بحق الثقافة"، فيما اكتفى الكاتب المصري علاء الأسواني بأداء واجبه ازاء دار نشره وكتابه "شيكاغو" ملتزماً بحفل التوقيع، متجنباَ الظهور أو ابداء موقف قد يحرجه في القاهرة، وان كان قد أكد تأييده لرسالة الكاتب الاسرائيلي أهارون شابتاي الى وزارة الثقافة الفرنسية قال فيها "ان دولة تستمر في الاحتلال وترتكب كل يوم مجازر بحق المدنيين لا تستحق ان تدعى لأي أسبوع ثقافي" معلناً بذلك رفضه الانضمام الى وفد الكتاب الاسرائيليين الى فرنسا.
***
قال لي إيف باجيس، الروائي الفرنسي، والذي يعمل في احدى دور النشر: "الفرنسيون يضحكون على الاسرائيليين ويأسفون على العرب". قال ذلك وهو يروي كيف ان الافتتاح الخالي من العامة شهد وقوع لافتة ضخمة على مقربة من رئيس دولة اسرائيل شيمون بيريز ما أثار ذعراً حقيقياً وحرجاً بالغاً.
باجيس قال ان المثقفين الفرنسيين اجترحوا لمناسبة هذا العام تحية "شالوم عليكم" ليلقونها على الاسرائيليين كمزاح استفزازي.
ولأن اسرائيل في فرنسا، اي ليست في دولة بعيدة وغريبة عن الشرق الأوسط، ورغم ان العرب أراحوها كثيراً بغيابهم، فقد واجهت مجتمعاً حياً ومسيساً ومثقفاً وسخياً في أسئلته ومساجلاته. واجهت اسرائيل في باريس "حملة السلام لفلسطين". إذ قام تجمع من الجمعيات الأهلية والمدنية الفرنسية لـ"مناصرة فلسطين" بمناسبة الذكرى الستين لحرب 1948 باطلاق حملة توعية ودعم للشعب الفلسطيني. وأطلقت الحملة تحركاً مدنياً "لصالح العدالة والسلام والحوار في الشرق الأدنى".
ونظمت لهذه الغاية أسبوعاً ثقافياً فنياً بالتزامن مع أيام "صالون الكتاب" يتضمن حفلات موسيقية، ونقاشات عامة، وعروض ندوات وأفلام.
وهذا التجمع تألف من 38 جمعية تضامن دولية، منها جمعية التعاون الفرنسية الفسلطينية وائتلاف جمعيات المدن الفرنسية المتوأمة مع المخيمات الفلسطينية، والتجمع الكاثوليكي ضد الجوع، والائتلاف الجامعي، وجمعية أطفال العالم ـ حقوق الانسان، وجمعية حقوق الانسان الفرنسية والحركة الدولية للمصالحة والحركة المناهضة للعنصرية، والاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام.. وغيرها من الجمعيات والاتحادات... وهي أيضاً مدعومة من قبل تسع جمعيات أجنبية منها الجمعية البلجيكية الفلسطينية، والحملة المدنية الدولية من أجل حماية الشعب الفلسطيني وجمعية نجدة الشعب الفلسطيني والتعاون الأوروبي للجمعيات من اجل فلسطين، وجمعية سلام عادل في الشرق الأوسط (لوكسبمورغ)، والجمعية السويسرية لنجدة فلسطين، و"نساء بالأسود" والاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا.
بيان الحملة ارتكز على مبدأ ان "الثقافة هي لهدم الجدران" وان الدولة الفرنسية أخطأت بتبني "الذكرى الستين لنشوء دولة اسرائيل"، وكأنها تصادق على الغاء الوجه الآخر للتاريخ، أي "الذكرى الستين للظلم الذي وقع على فلسطين وشعبها".
لذا، فالمشاركة الوحيدة المتعمدة داخل المعرض الذي قامت به هذه الحملة كانت بتنظيم ندوة مفتوحة للعموم ادارها دومينيك فيدال تحت عنوان "عشرون عاماً من التأريخ الجديد: اسرائيل في مواجهة ماضيها" شارك فيها من يطلق عليهم اسم "المؤرخون الجدد" الاسرائيليون، الذين ناقضوا الرواية الرسمية لقيام الدولة اليهودية، وهم الان دايخوف، اميراهاس، آفي شليم، إديت زيرتال، وميشال وارشوفسكي.
ولا بد من الاشارة الى بادرة مجلة "فلسفة" الفرنسية العريقة، اذ اصدرت عدداً خاصاً، ليس احتفالاً باسرائيل، بل بعنوان "اسرائيل ـ فلسطين: ميتافيزيقيا الصراع" بالاضافة الى اعتمادها الكتاب والمؤرخين من أمثال ديفيد غروسمان، وثيوكلين وريجيس دوبريه، والمؤرخ الفلسطيني سري نسيبه، لتوزيع وبيع كتبهم في جناحها، مقدمة بذلك، وبالتساوي، الروايتين التاريخيتين للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي.
وأيضاً مقابل 39 كاتباً إسرائيلياً استضافهم "صالون الكتاب" (معظمهم ليسوا فرنكوفونيين ولم تترجم اعمالهم للفرنسية من قبل) كان هناك الحضور الواسع للثقافة العربية. نحن نتحدث هنا عن عشرات الكتب الأدبية العربية المترجمة.
بل ومقابل كل هؤلاء الكتاب الاسرائيليين كانت هناك مثلاً رواية علاء اسواني ما زالت تسجل مبيعات قياسية.
بالطبع كان ثمة احتفالية لاسرائيل، لكنها لم تكن هانئة تماماً، فمن حادثة الافتتاح الى ما حدث في اليوم الرابع، حين تم اخلاء المعرض بسبب انذار كاذب عن وجود قنبلة، وتناول الفرنسيون هذه الحادثة بوصفها جزاء على "جلب متاعب الشرق الأوسط الى وسط باريس".
في رحلتنا الفرنسية، اكتشفنا ان ثقافة بيروت حاضرة داخل صرح "سنتر بومبيدو" مع أعمال أكرم زعتري وربيع مروة، كاشارة الى ان "مطبخنا" الثقافي ما زال يجاري راهن الحداثة وما بعدها، وما زال شباب الفنون في بيروت على صلة بمجريات فنون العالم وفي قلبها. ولا يهم ان "تقارع" اسرائيل او لا تقارعها.. فالمهم ان لا تقاطع فنوننا العالم ولا هو يقاطعها.
***
عند المحطة الشاسعة في بورت دي فرساي حيث تصل اليها خطوط المترو والقطار السريع والباصات من كل جهات باريس ومن خارجها، وهي تلاصق أرض المعارض، رحنا نتأمل عشرات الألوف من البشر وهم يقفون تحت المطر في صفوف طويلة أمام ما يزيد على العشر بوابات، ينتظرون بصبر دورهم لدخول المعرض. والدخول غير مجاني اذ ان زيارة معرض الكتاب تلزم الزائر بدفع رسم مالي.
الناس تدفع مالاً لدخول معرض الكتاب لتشتري الكتب؟
هناك، موت الكتاب ليس في المستقبل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00