إنزل، هي الكلمة التي تكررت ملايين المرات قولاً وكتابة وبيانات ونداءات وبثاً إذاعياً وتلفزيونياً طوال يومي الاثنين والثلاثاء لحض الناس على الاقتراع لاختيار رئيس لمصر.
مفتي الديار المصرية، شيخ الأزهر، البابا تواضروس، قادة الأحزاب، معظم كتّاب المقالات في الصحف، ممثلات ونجوم السينما، المغنون والمغنيات، الشعراء، الأبطال الرياضيون، شركات الإعلانات، اللافتات التي رفعها وجهاء الأحياء، الماكينات الانتخابية بسياراتها ومايكروفوناتها، خطباء المساجد، مذيعو البرامج التلفزيونية... كل من له صفة اعتبارية رفع صوته أو كتب تحريضاً على النزول، حتى إن أكثر ما شاهده المصريون على مدى الأسبوع المنصرم، هو فيديو كليب غنائي تم تصويره كنسخة مصرية عن شريط أغنية هابّي لفاريل ويليامز، يحض المصريين على النزول إلى الانتخابات والمشاركة في التصويت.
هذا الفيديو كليب بات مبثوثاً عبر جميع المحطات التلفزيونية المصرية آلاف المرات على الأرجح، وكانت قبله فيديوات كثيرة تم توليفها وبثها من النوع ذاته، تحض على المشاركة في الانتخابات، أو بالأصح هي تدعو إلى مبايعة المشير عبد الفتاح السيسي ورد الجميل له وللمؤسسة العسكرية، إثر إطاحة حكم الإخوان المسلمين.
يوما الاثنين والثلاثاء، أمضاهما المصريون وهم يحتفلون أكثر مما ينتخبون، تحت شعار بشرى خير وصفاً ليقينهم بمجيء المشير السيسي كسابع رئيس للبلاد. وهي عبارة نابعة من معناها الشعبي شبه الديني والغيبي السحري، حتى إن الناس كانوا يستهدون إلى بشرى الخير هذه، بتداولهم قصة المرأة الحامل التي وضعت وليدها أثناء وقوفها في طابور الاقتراع، مطلقة في ساعتها اسم السيسي على طفلها.
الإلحاح على المشاركة سببه إصرار السلطات لتحقيق التفوق على نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة (نحو 26 مليون مقترع)، وكذلك حرص حملة المشير السيسي على أن ينال المشير مجموع أصوات يفوق 14 مليون صوت، أي أكثر مما ناله الرئيس المعزول محمد مرسي (13,5 مليون صوت). وبالتالي نزع مقولة الشرعية من يد الإخوان المسلمين مرة واحدة وإلى الأبد، وإزالة أي لبس عن حدث الثالث من تموز 2013، وإضفاء صدقية ديموقراطية على النظام الجديد، في استفتاء أشبه باحتفال إعلامي صاخب.
من أجل ذلك، ولحشد أكبر عدد ممكن من المقترعين، عمدت السلطات إلى جعل يوم الإثنين يوم عمل عادي، تنبهاً منها لتجربة الانتخابات السابقة، حين كانت أيام التصويت عطلة رسمية، فاستغلها الناس لتمضيتها في المصايف والمنتزهات والسفر إلى بلداتهم الريفية. إلا أن هذا الإجراء لم يحدث الفارق المأمول، بعد ليلة أولى من التصويت انتهت بإقبال متوسط، فقررت الحكومة أن يكون الثلاثاء عطلة رسمية، وتمديد أوقات الاقتراع إلى الساعة العاشرة ليلاً، ووضع خطوط المترو مجاناً بتصرف المواطنين.
الظاهرة الخاصة بهذه الانتخابات، والتي توضحت مباشرة منذ صباح الإثنين، هي أن النساء المصريات هن الأكثر حماسة وحضوراً ومشاركة، وهن الكتلة التصويتية الأكبر التي اندفعت لانتخاب المشير السيسي، والتي تُقدّر بنحو 24 مليون ناخبة. وتراهن حملة السيسي على أن النساء سيشكلن المشهد الإنتخابي الأبرز، يليهن كبار السن وأرباب الأسر الذين يشاركون انتخاباً لـالإستقرار ولتحسين الأوضاع المعيشية الصعبة.
يمكن القول ان الشباب باتوا على الأقل في الخلف، وفي أغلب الأحيان، شبه متوارين، أو هم عازفون أو محبطون. وهؤلاء ليسوا بالضرورة في طرف المقاطعة أو من ضمن جماعة إنكار شرعية الإنتخاب، لكنهم في الحد الأدنى غير متحمسين مثل الشرائح الإجتماعية الأخرى. ربما شعروا أنهم ما عادوا طليعة الحراك السياسي، وليسوا في صدارة الصورة، ولا هم ظلوا كما في 2011، قادة التغيير والمستقبل. لذا، ها هم يتلكأون او أنهم قبعوا في الخلف، وانسحبوا تقريباً من الشارع إلى فضاءاتهم الإفتراضية عبر مواقع الانترنت مثلاً. الجيش والسيسي خطفا مكانة الشباب السابقة في قلوب المصريين، حتى ان ثمة مزاجا عند المقترعين الذين تستجوبهم كاميرات التلفزيون يعبر عن من الشباب القاعدة على القهاوي والمعتكف.
كثيرة هي دلالات تراجع فعالية الشباب في صنع المشهد السياسي المصري بعد أن كانوا هم قادة الثورة ومحركيها في لحظتيها الحاسمتين: 25 كانون الثاني (يناير) 2011 و30 حزيران (يونيو) 2013. المصريون اليوم كأنهم ينتخبون من يعدهم بإبعاد الجوع (الإنقاذ الإقتصادي) وتبديد الخوف (محاربة الإرهاب). هذا ما يبعدهم عن شعارات الشباب وأفكارهم في الحرية والديموقراطية ومحاربة الفساد.. إلخ.
كما بدا واضحا أن قسما من المصريين، برغم حسمهم لخياراتهم برفض الإخوان المسلمين ومبايعة المشير السيسي، فقد أصابهم التعب من جراء كثرة الإستفتاءات والإنتخابات التي شاركوا فيها على مدى ثلاث سنوات، كانت نتائجها تفاقم من صعوبة التحول والإنتقال نحو نظام سياسي جديد.
لم يستطع الإخوان فرض مقاطعة ملموسة للإنتخابات، ولا استطاعت جماعات الإرهاب تعكير الأمن، طالما أن لا حوادث فعلية تُذكر تخللت أوقات الإنتخاب. وبدا المراقبون الدوليون والأوروبيون راضون بالإجراءات القانونية والتقنية لضمان حسن سير العملية الإنتخابية. فنجاح الإنتخابات بحد ذاته، سيذهب رصيداً إضافياً للرئيس السيسي أولاً وللنظام الجديد الذي استثمر الحدث الانتخابي، كرسالة كبيرة موجهة إلى الخارج، وللغرب خصوصاً.
مصر اليوم، أمام مشهد استثنائي: رئيس جديد، مدني وعسكري سابق هو عبدالفتاح السيسي. وسيكون هناك رئيسان في السجن (مبارك ومرسي) ورئيس سابق (عدلي منصور) طليق، ومرشح رئاسي دائم (حمدين صباحي) معارض. هو مشهد مزدحم بالرؤساء لا شك.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.