8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هدوء القاهرة وصمتها: عودة جبروت الدولة القديمة

مطار القاهرة شبه ساكن. لا أفواج سياح ولا عائلات خليجية كان ليكتظ بها ميناء القاهرة الجوي في مثل هذه الأوقات. هدوء وحركة خفيفة وعشرات سائقي التاكسي الذين ينتظرون طويلاً اصطياد المسافرين، يقفون عند باب الخروج. لا زحمة إذاً، كما كانت توصف مصر في السنوات السابقة على الثورة.
يزيد من هذا الهدوء، الذي يشوبه طقس ربيعي قليل الغبار، الصمت الإنتخابي الذي حل أمس السبت في كل أرجاء مصر، كما يفرض القانون الذي ينظم الإنتخابات الرئاسية التي ستجري يومي الإثنين والثلاثاء. صمت يخيم على نحو غامض، بعد صخب هائل امتد لثلاث سنوات دراماتيكية، بثوريتها وكثافتها وتحولاتها المدوخة.
حتى داخل التاكسي الذي يأخذنا إلى وسط المدينة، لم يشتعل كما كانت العادة بصوت عال يصدح إما بأغنيات وإما بتلاوة قرآنية، وفق ميول السائق ومزاجه. صمت في السيارة على غير ما عودتنا القاهرة، إلى حد أن الزميل علي راح يتحرش بالسائق، متحدثاً بلهجة مصرية غير متقنة، طارحاً عليه أسئلته الصحافية الكثيرة، فيجيبه: بس السيسي. حاتشوف بعينك من هنا وإلى آخر البلد صور السيسي، مافيش صور لصباحي. ليه؟ لأنو صباحي ماينفعش. لازم حدّ من العسكر هو يللي يحكم. وهو حمدين لو جاه، يبقى يعملوا فيه زي ما عملوا بمرسي. مش حايخدموه. قالها السائق راضياً بلا نبرة احتجاج أو اعتراض. تسليماً بالواقع وتقبلاً له. فهو يريد عودة السياح، أن يعمل ويدفع أقساط منزله وسيارته. ثم أنه ارتضى كمعظم المصريين أن يترك السياسة، منذ أن رأى التفجيرات التي كان يشاهدها في التلفزيون في بلاد أخرى، ها هي تحدث هنا في أرض مصر.
ربما هذا ما يفسر السرعة القياسية لتبدل فضاء القاهرة مقارنة بما كان عليه قبل أقل من عام. عادت الشرطة بهيبتها الكاملة، واثقة من حضورها من دون توتر، فيما انتشار الجيش بات أخف الآن، لا دبابات ولا عربات مصفحة في الشوارع الرئيسية. الطرق التي كانت مغلقة لأكثر من سنتين ونصف، باتت مفتوحة الآن. لا شيء من سينوغرافيا الثورة بقي في ميدان التحرير، إذ عاد إلى سابق عهده ميداناً لتقاطع الطرقات وحسب. اختفت الخيم وتبدد المعتصمون، وانصرفت الجموع إلى عاديات عيشها وسعيها اليومي. حتى الباعة الجوالون اختفوا من هناك. الصور العالقة في أذهاننا عما كان يجري هنا قبل عام وعامين وثلاثة، تبدو راهناً كأنها قديمة، بعيدة في الزمن، إذ ليست هي فقط التي انمحت بل أيضاَ أفاعيلها ومعانيها. كأن شعباً آخر استوطن الآن تلك الأمكنة.
هدوء القاهرة اليوم يبدو متحصلاً من طمأنينة ما سيأتي في الأيام القليلة المقبلة. وهذا الآتي ليس أقل من عودة الدولة، بمعناها المصري الثقيل والعميق. عودة مكللة برأس هرم جديد، بعد خلع رأس قديم، وعزل رأس بالكاد استوى عاماً على جسد الجمهورية العتيقة. يطمئن المصريون للمقبل غداً أو هم سلموا طواعية واختاروا هذا الآتي: القائد الجديد، الرئيس المنتخب قبل الإنتخابات، المشير المدني عبد الفتاح السيسي.
إنها انتخابات، لكنها ليست معركة انتخابية. التنافس هنا وهم، وإن بدا ضرورياً هكذا وهم، من أجل استمرار الحياة السياسية. في قلب القاهرة، في ميدان طلعت حرب، في ميدان التحرير، على الكورنيش، وأينما توجهنا، سنرى أن صورة السيسي يمتد طولها على الأقل ستة أمتار، في وسط الفضاء العام، وإن وجدنا صورة للمرشح المنافس حمدين صباحي، فهي دوماً بقياس صغير، متر واحد أو أكثر قليلاً. هذه المشهدية المتكررة في كل مكان تبدو عادلة في تعبيرها السياسي، فهي تدلنا على الحجم الإنتخابي لكل مرشح.
اختفت الفوضى الإضافية التي راكمتها أيام الثورة فوق الفوضى الدهرية للحياة المصرية، توارت تلك الأكشاك والبسطات التي احتلت الشوارع والأرصفة على مدار سنوات ثلاث. هي علامات التمرد وقد اندثرت من السلوك العام. عاد الهدوء وحلت السكينة ثانية في النفوس. السيسي هو تلبية سياسية لمطلب الهدوء هذا، لإشاحة الفوضى، ولتبديد الإضطراب. كما لو أن المصريين الذين تلاشى صخبهم، يمارسون في انتخاب السيسي نوعاً من التطهر والندامة على ذاك الطيش الذي أصابهم.. خصوصاً ندامة رفع الإخوان إلى السلطة وتسليمهم إياها. حتى الذين ابتكروا أجمل القفشات والشعارات المطبوعة على الـتي شرتات، ها هم لا يبيعون سوى تلك الـتي شيرت التي تحمل صورة السيسي. جدران الغرافيك المفعمة بالحيوية والإبتكار وروح الشباب المتمرد، بهت ألوانها، وتلوثت وآلت إلى البهتان والإنمحاء، وتغطى بعضها بوجه السيسي مبتسماً، شديد الإبتسام.
لا معركة هنا، لا فقط على منصب الرئيس، بل حتى على الإدعاء بالوراثة الشرعية لـالفكرة الناصرية التي استعادت بعض جاذبيتها الآن. ففي حين حمدين صباحي يعمد إلى وضع صورة جمال عبد الناصر بالتجاور مع صورته، نرى أن السيسي لا يحتاج إلى استحضار بورتريه عبد الناصر في ملصقاته، طالما أن المصريين يرون فيه هو تجسيداً أو تقمصاً كاملاً لعبد الناصر، وقد عاد من دون عبء هزائمه، نقياً ومثالياً كما يتخيلونه، منقذاً ومخلصاً.
أراد المصريون عودة الدولة المصرية بقوة، بكامل جبروتها وسلطتها، وإن كانوا ليسوا متأكدين من الثمن الذي سيدفعونه من أجل استمرار الهدوء المغوي الذي يكتنف أيامهم الراهنة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00