إنها الحادية عشرة ليل الثلاثاء. الصخب على كورنيش النيل في أوجّه. أضواء الفنادق الشاهقة والعوّامات السياحية تكهرب مياه النهر. السيارات في كل الإتجاهات وعلى الجسور المتشعبة كأفعوانات خرافية. مئات الآلاف من البشر ذهاباً ومجيئاً وتسكعاً. لا شيء يوحي بالقلق أو الإضطراب، لا شيء ينذر بالخوف. حتى أن الضباب الرملي الصحراوي الذي ساد نهاراً ولفّ القاهرة برداء كامد ثقيل، بات متلاشياً في هذه الساعة المتأخرة من الليل، الربيعي في عز فصل الشتاء.
كان كل شيء يدل على أن العاصمة المصرية تمارس كالعادة طقوس هذا السعي المحموم والفوضوي للعيش، وأن احتقانات النهار السياسية، وعناوين الصحف النارية عند الصباح، يمحوها المساء.
كان كل شيء خادعاً. بغتة، ومن دون مقدمات، انكسر إيقاع حراك الناس والباصات والسيارات. فجأة ظهرت شلل الفتيان الذين يغطون وجوههم في منتصف الطريق، وبدأوا بمنع السيارات من التوجه صوب كورنيش قصر النيل. فتيان بلا شعارات ولا يافطات ولا ما يدل على انتظامهم في هتاف أو قول أو مطلب. شبان ومراهقون انتشروا مزودين بالحجارة، يتنادون من كل الجهات، ويتجمعون عند أسفل الكوبري، وينضم إليهم أولئك المارون فور رؤيتهم لما يحدث، مقلدين من سبقوهم برفع قمصانهم وكنزاتهم إلى منتصف وجوههم، مكتسبين بذلك هيئة ثوار ذاهبين إلى معركة.
كان كل شيء مرتجلاً. يتقدم ثلاثة صبية ويجمعون بضعة أغصان وخرق ونفايات كرتونية قليلة ويضرمون فيها النار. الذين في المقدمة بدأوا بالصدام مع قوات الشرطة بالسباب المقذع أولاً. شتائم شديدة البذاءة. إذ لا شيء يعادل كره شبان مصر عموماً لرجال الشرطة ووزارة الداخلية. ثمة عداوة متأصلة تجاه مؤسسة القمع الرسمية. ولا شيء يغري أولئك الشبان قدر محاولة النيل من الشرطة. إنها الرغبة بالثأر الذي لا يرتوي غليله. وحادثة سحل حمادة صابر على أيدي قوى الأمن، والتي شاهد العالم وقائعها الفيديوية، تلتها واقعة وفاة الشاب محمد الجندي فجر الإثنين الفائت في المستشفى بعد تعرضه للتعذيب على أيدي الأجهزة الأمنية، كما وفاة عمرو سعد نتيجة إصابته بطلق ناري أمام قصر الإتحادية (الرئاسي). كلها حوادث متصلة بمسلسل طويل من الصدام الدموي بين قوى حفظ النظام العام والمواطنين المصريين. وهي ما تستدعي تجديد المواجهات العنيفة باستمرار.
لم يكن هناك ذعر بين أوساط المارة والسواقين عندما بدأت المناوشات الأولى بين الشبان وأفراد الشرطة. فقط غيروا اتجاه سيرهم، منهم من علا صوته موبخاً الفتية: إنتو خربتوا البلد، ومنهم من كان يصرخ بدوره شاتماً الرئيس محمد مرسي، مردداً هتاف اليومين الأخيرين يا مرسي قول لبديع حق ولادنا مش هيضيع (محمد بديع هو المرشد العام للإخوان المسلمين). الباعة الذين يفترشون الأرصفة والكورنيش لم يتحركوا من أماكنهم، إذ هم يعرفون أن المعركة ستظل هناك، قرب فندق السفير. إنهم يتفرجون وحسب، حتى أن بائع العصائر لم يطفئ مكبرات الصوت الضخمة التي تبث أغنية وردة الجزائرية. كانت كلمات أغنية أكذب عليك.. ترافق الموجة الأولى من الحجارة المتطايرة والصرخات الأولى من الحناجر الغاضبة، فيما لا تزال الأضواء الباذخة تتلألأ على صفحة مياه النيل.
ليست تظاهرة ولا جموع مواطنين ولا عائلات ولا حتى مجموعات حزبية. إنهم وحسب شلل من الفتيان الذين أخذوا على عاتقهم الإستمرار بالعصيان، والإصرار على ذاك الإنتقام الأبدي من رجال الداخلية. لا يتقدمون دفعة واحدة، بل يرسلون زمرة صغيرة مكونة من أربعة أو خمسة أفراد، تستدرج قوة الشرطة للخروج من عتمة الزاروب إلى منتصف الكورنيش، وعندها تتقدم بسرعة مجموعة كبيرة من الشباب، جيدة التسليح بالحجارة والقطع المعدنية، وتضرب رجال الأمن، الذين يباغتهم هذا التكتيك البارع. ينسحب الطرفان إلى أماكنهم الأصلية. يسود الهدوء الحذر دقائق قليلة، تكون كافية لأمثالي ليجتازوا الطريق. وعندما أصل إلى الجهة التي تسيطر عليها الشرطة، أرى الفارق بين سلوك الشبان الذين كانوا مشحونين ومتحمسين وغاضبين ومقبلين على المعركة، وسلوك أفراد قوى الأمن المتوترين والمربكين والمتخوفين من أي مفاجآت، خصوصاً أنهم بالأساس هم هنا لحماية السفارة الأميركية. الشرطي الذي أقف بجواره كان مستاءً بدوره من الرئيس محمد مرسي: الريّس الجديد مش قابل نخلّص عليهم. الضابط يجمع قوة مزودة بالدروع البلاستيكية، تمهيداً على ما يبدو لهجوم معاكس. لكن في هذه الأثناء، كانت مجموعات من الفتية قد تقدمت إلى شارع فرعي بالقرب من فندق شيبرد المغلق بسور عال من القطع الإسمنتية واعتلته، وبدأت تمطر أفراد الشرطة بوابل كثيف من الحجارة. ويبدو أن ارتجالية هذه الصدامات في ليل الثلاثاء لم يتح لهذه المجموعات أن تتزود مسبقاً بزجاجات المولوتوف، التي بات لها صنّاعها الذين يأتون وقت الصدامات ويبيعون الزجاجة الواحدة منها بـ70 جنيهاً (10 دولارات تقريباً). ما من زجاجات حارقة إذاً. هذا ما أتاح للشرطة أن تشعر بضآلة الخطر وتتشجع على الهجوم.
رشقات متواصلة من القنابل المسيلة للدموع، تلاها صفان من العساكر المهرولين بدروعهم وعصيهم نحو الشبان الذين ركضوا منسحبين. وما أن وصلت الشرطة إلى مشارف فندق السفير حتى أوقفوا هجومهم. أسأل الضابط: لماذا توقفتم هنا؟ يقول نحن نحاول فقط ردهم عن المنطقة ودفعهم باتجاه ميدان التحرير.
فجأة، كما بدأت الصدامات انتهت. فالشبان شعروا أن معركتهم المرتجلة بلا إمداد، طالما أن المعتصمين في ميدان التحرير، الذي يبعد نحو ثلاثمئة متر، لم يحركوا ساكناً ولم يساندوهم. بقوا هناك في خيمهم التي باتت مزودة معدات الطبخ والغسيل وتحضير الشاي والقهوة. وما حدث لا يعدو كونه جولة هامشية، في مسار مديد من العداوة المستفحلة ضد كل أجهزة الأمن. هي عداوة لا يبدو أن تغيير النظام وحده يبددها. هي الإرث الكبير لنظام حسني مبارك، أو الجرح الذي لا تختفي ندبته في الروح المصرية وجسدها، وفي علاقة المصريين بـالدولة. ذاكرة من دم وسحل وتعذيب واغتصاب تحكم تلك العلاقة بين وزارة الداخلية وجموع المواطنين والشبان.
على كورنيش النيل الذي يستدعي في تلك اللحظة، التي قاربت منتصف الليل، مخيلتنا الأم كلثومية، ينتصب رجل مبتسماً رايح فين يا عم.. قاصداً أن يقدم خدماته لغريب مثلي. فيما السؤال في داخلي: مصر رايحة فين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.