كانت الأخبار تتناقل ما يجري في ميدان التحرير بوسط القاهرة. لكن العاصمة المصرية، المترامية الأطراف، كانت تعيش ازدحاماً مرورياً خانقاً يفوق الوصف.
إنه ليل الخميس، وملايين السكان كأنهم خرجوا جميعاً، دفعة واحدة، في ليلة العطلة الأسبوعية، أخلاط موسيقى وأغان تندلع من السيارات، مؤلفة ضباباً صوتياً ثقيلاً يضاف إلى ضباب عوادم السيارات والغبار. ثلاث ساعات قضيناها ونحن نشق طريقنا من المطار إلى قلب العاصمة، ثلاث ساعات برفقة السيد هاني فحص ومروياته الممتدة من النجف إلى الأزهر، ومن نجيب محفوظ إلى ليزا مانيللي!
كانت الحرائق ما زالت مندلعة في باصات الإخوان المسلمين، فيما ميدان التحرير ما زال يضج بالهتافات والتجمعات والمتسكعين والفضوليين وسيارات الإسعاف والباعة الجائلين والناشطين وحملة اللابتوب.. والمتنزهين والصحافيين والشحاذين والسياح، بينما بقيت طرقه ومساربه مفتوحة جزئياً لتعبرها السيارات والعربات الصغيرة.
إذاً، الثورة ما زالت هنا، لكنها ما عادت المشهد كله. إنها تحتل حيزاً جزئياً من الميدان، كأنما باتت نشاطاً روتينياً جديداً يضاف إلى النشاطات التي لا حصر لها في المدينة الصاخبة. هي الآن طقس إجتماعي (سياسي) حديث يضاف إلى عادات وطقوس أهل القاهرة. وعلى الارجح انه سيستمر طويلاً.
إحنا اللي ضربنا الإخوان. كانت الجموع تصرخ مبتهجة بنصرها الميداني الأول، وتفوقها الجماهيري على حشود الإخوان المسلين المنظمة والمنضبطة. أما حرق الباصات التابعة للإخوان وعدم الإكتفاء بتحطيمها فكان فعلاً استثنائياً بدلالته. إذ أن المصريين في الثورة لم يحرقوا سوى عربات الشرطة والأمن المركزي. الآن باصات الإخوان المسلمين، باتت على مثال سيارات القوى الأمنية التي يمقتها المصريون بشدة.
تزامنت هزيمة الإخوان الميدانية مع صفعة سياسية تلقاها الرئيس الإخواني محمد مرسي من القضاء. بعد ساعات على قراره بإقالة النائب العام، اضطر مرسي للتراجع عن قراره. إنها السقطة الثالثة خلال مئة يوم من حكمه بعد دعوته الفاشلة لانعقاد مجلس الشعب المنحل بقرار من المحكمة الدستورية، ومحاولته لإلغاء تلك المحكمة فيما بعد. ويبدو أيضاً في الأفق هزيمة جديدة تنتظر الإخوان المسلمين في مصير الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور المهددة بالحل والفشل أو حتى برفض مسودتها.
ما يحدث في القاهرة ليست معركة ضد الأخوان أو معهم. إنه كالازدحام المروري الرهيب. الكل يريد أن يمر وينطلق في طريقه في الوقت ذاته. الجميع يريد الخروج والحضور والانتقال من وإلى. كل ما هو مؤجل وراقد وساكن والمختبئ طوال عقود يخرج الآن في نشاط محموم وبالحاح وبلا صبر أو انتظار. ومصر بطبعها الجديد هذا، من المستحيل ان يحكمها طرف واحد، أو حزب واحد. مصر أرض المقابر.. هي الآن مقبرة الأيديولوجيات بامتياز، بما في ذلك أيديولوجيا الإسلام السياسي. وما من قصر نظر (وجهل) يوازي تفكير أولئك الذين أعلنوا، باستعجال سيء النية، أن الربيع العربي بات خريفاً. نزهة على كورنيش النيل ترينا ما الذي يفعله الحب والشباب وكيف تتمزق المضبطة الأخلاقية للاسلام السياسي.
لم يحسم أي أمر بعد في القاهرة، بما في ذلك محاكمة رموز النظام السابق. خمسة سائقي تاكسي اعترفوا انهم صوتوا للإخوان.. وطوال رفقتي لهم لم يتوقفوا عن شتم الإخوان. ويقاس تبدل المزاج السياسي هنا بالساعة لا بالشهور أو السنوات. الجدران ـ كما الناس ـ تحمل علامات خصوبة الاضطراب والتحول، فمن يسقط حسني مبارك، الى يسقط حكم العسكر الى يسقط.. يسقط حكم المرشد. متوالية السقوط تبدو طويلة وممتدة ولن تتوقف قريباً.
في شوارع القاهرة وفي مقاهيها وعلى ارصفتها يتكشف لنا عدم صلاحية النظريات السياسية الجاهزة التي قاربت الربيع العربي بأدواتها وقواعدها الفكرية ومرجعياتها الايديولوجية. انها لا تتواءم أبداً مع تلك التحولات العميقة والمفاجآت المتوالية الطالعة من بطن المجتمع، ومن ما وراء السياسة والاقتصاد والتاريخ. التوصيفات والتقسيمات والفهرسة المبسطة للقوى السياسية، من نوع موالاة إسلامية للسلطة الجديدة ومعارضة يسارية ليبرالية، غير ملائمة إطلاقاً. فرغم تصدر الأحزاب للمشهد السياسي، إلى ان الفعالية السياسية هي في مكان آخر.
ليس الناصريون أو الشيوعيون أو اليساريون الديموقراطيون، إنما الألتراس مثلاً هم من يواجهون. هذه الكتلة الشبابية الغامضة التعريف، الفوضوية (بمعناها الاشتراكي) النوازع، المتعصبة لفريقها الكروي، توازي في قوتها وفي مساهمتها الثورية، مجموع ما قد يحشده حزب الوفد وبضعة أحزاب أخرى.
إلى جانب الالتراس، هناك قوة سياسية بامتياز يمكن نسبتها إلى السينما، التي هي من صميم الحياة الوطنية العامة في مصر. معركة غادة عبد الرازق وإلهام شاهين وعادل إمام مع سلطة الإخوان، تكاد في تأثيرها الوطني أن توازي معركة نقابة التضامن البولندية ضد النظام الشيوعي. الممثلون والمسرحيون والسينمائيون والمخرجون وكتاب السيناريو والمنتجون والراقصات لديهم سلطة سياسية تضاهي قوة الأحزاب اليسارية مجتمعة.
عدا الالتراس والفنانين، برزت منذ سقوط النظام السابق قوة سياسية تتمثل بالقضاة، هؤلاء كسبوا كل المعارك ضد الإخوان المسلمين، وابدى الجسم القضائي في هيئاته الثلاث: المحكمة الادارية، محكمة النقض، والمحكمة الدستورية، تماسكاً وصلابة أرغمت الرئيس محمد مرسي على الخضوع لرأي القضاة والمحاكم.
الحزب الأخطر ما زال هو الجيش والشرطة، وعلى الرغم من تقلص نفوذه ما زال يقاوم بشدة محاولات إخراجه من الحياة السياسية ومن هيمنته على مفاصل اقتصادية وعلى دوائر صنع القرار. لكنه بات في موقع الخائف من الشارع لا من السلطة الجديدة، الشارع الذي لا يسيطر عليه أحد.
من فوق تدور معركة صامتة، لكنها طاحنة، بين كتلة رجال الأعمال الأخوانيين وسائر أصحاب الرساميل والمستثمرين والمصرفيين، وفي لعبة المال والإقتصاد لا دين فيها ولا إيديولوجيات.
من تحت، في كواليس ما يسمى الدولة العميقة، ثمة الجسم الهائل لبيروقراطية الموظفين الرسميين. وهؤلاء ليسوا مجرد طبقة إجتماعية، إنهم كتلة سياسية شرسة تعادي السلطة الجديدة قدر معاداتها للشارع والثورة على حد سواء.
وهنا وهناك، الأزهر والكنيسة القبطية والسلفيون.. وأولئك الشبان (النسبة العالية من سكان المدن) الذين هندسوا الثورة وأشعلوها، وما زالوا يتآمرون ويتجهزون للانقضاض مجدداً، ويتفرجون الآن على المذبحة المتبادلة بين الاخوان والعسكر والقضاة والبيروقراطيون والفلول.
من قال ان الثورة إنتهت؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.