8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هواجس كافكاوية في الطريق الى غزة

منذ ثلاثة ايام بدأنا الرحلة الى غزة ولم نصل اليها بعد.
ما من طريق سوى القاهرة. قد يبدو ذلك شعاراً سياسياً بامتياز. لكنه مع ذلك هو حقيقة جغرافية، أو هو شرط لوجيستي ما دامت غزة لم تجد بعد دولتها، أو لم تتحول الى دويلة بمطار ومرفأ وسيادة على حدود ومعابر.
ونحن، معشرَ الصحافيين، أكثرُ حظاً على الارجح من الناس العاديين في إيجاد السبل نحو غزة،ورغم ذلك كان علينا أولاً تأمين تأشيرة دخول الى مصر (الفيزا) في وقت سريع، ثم كان علينا تدبير أحوالنا فور وصولنا الى القاهرة، كأن ندرك الشروط والمعاملات المطلوبة لنؤمن عبورنا الى رفح من غير معوّقات أو منع.
ذلك يتطلب اتصالات واستفسارات، ونصائح وزيارات ومصافحات وجلسات تعارف مع ذوي الشأن ومواعيد تلتهم ساعات اليوم الواحد قبل ان ننجز شيئاً من أوراق العبور.
كان علينا ان نذهب الى سفارة بلادنا في القاهرة، وهناك علينا ان ننتظر مجيء السفير. ونحن الصحافيين اللبنانيين كنا محظوظين إذ إن السفير هو المثقف والكاتب الدمث خالد زيادة، الذي اهتم بتسهيل المأمورية (حسب اللغة المصرية) وأن يكتب رسالة رسمية موجهة الى المركز الصحافي ـ الهيئة العامة للاستعلامات. وهو المركز المخول إصدار تصريح موجه الى الجهات الامنية المسؤولة عن نقاط العبور والحدود.
والوصول الى المركز الصحافي يعني الدخول الى ماسبيرو، مبنى الاذاعة والتلفزيون. مبنى خرافي محاط باجراءات أمنية كبيرة، ويعمل فيه آلاف الموظفين. جيش البيروقراطية المصرية، تراه في الصباح الناصع قبالة نهر النيل وكورنيشه، زاحفاً على الأقدام وبالسيارات الى مدخله الضخم والواسع، حيث تبرز لافتة تقول لنا، نحن غير الموظفين، أن الدخول ـ مجرد الدخول ـ الى المبنى يلزمه تصريح أمني، لا ندري من أين نأتي به.
هواجسنا الكافكاوية أمام هذا الجبروت الهندسي والبيروقراطي والأمني، سرعان ما تبددها اللطافة المصرية المعتادة. ضابط الأمن بلباسه المدني إذ يدرك اننا غرباء سرعانَ ما يتحول الى ما يشبه الدليل السياحي، يندفع الى الترحيب بك، يأخذ الباسورت (جواز السفر)، يجري المكالمات الهاتفية، يدوّن المعلومات الشخصية على الدفتر الضخم الذي يحتل مساحة الطاولة كلها، يقرأ رسالة السفير، ينادي الحاجب، يأمره باصطحابي الى المركز الصحافي.... نسير في متاهة المبنى الى ان نصل الى قاعة مزدحمة بالموظفات المتأنقات بألبسة رخيصة فاقعة الألوان، والحريصات على ارتداء الحجاب المبهرج المتعدد الطيات. هن أيضاً بمظهرهن الأمومي، مع أوراقهن ودفاترهن يتحولن مع تردادهن المتكرر لكلمات أهلاً وسهلاً، نوّرت مصر، شرّفتنا ...الى مضيفات كريمات يخففن من وطأة الآلة البيروقراطية وجهازها الخفي ومكاتبها اللانهائية.
تسير المعاملة وفق ايقاع سريع نسبياً، على نحو يفاجئنا نحن: مراسل الـبي بي سي والصحافي التشيكي والروائي الهولندي المغربي الأصل عبد القادر الذي يصطحب طاقماً تلفزيونيا وانا. ذاك أيضاً اظنه من حظ الصحافيين الغرباء الوافر في القاهرة.
تتبرع الموظفة بإسداء نصيحة: إطبع عشر نسخ من التصريح، وعند كل نقطة عبور او حاجز أعطهم نسخة واحتفظ دوماً بالأصل.
موظفة أخرى، كما لو انها شعرت بالغيرة، تسرع نحوي وتُسدي نصيحة اضافية : خذْ رقم مدير المكتب الصحافي في العريش... أي حاجة انت عاوزها اتصل به على طول منهية كلامها بابتسامة يشوبها الحياء.
لم نصل الى غزة بعد، ذلك اننا اذا سافرنا نهاراً سنصل الى العريش أو رفح ليلاً ما يجعل اجتياز الحدود مستحيلاً. هكذا، سننتظر حتى منتصف الليل لنبدأ مشوارنا من القاهرة ونصل رفح فجراً. هكذا تفرض علينا المسافات الطويلة والاجراءات الأمنية أن نبدد نهاراً كاملاً اضافياً في القاهرة.
وفي القاهرة سنصادف الطامحين للوصول الى غزة، وهم ليسوا صحافيين، أي سيئو الحظ وبلا أمل تقريبا ولا يدرون ما الذي يجب فعله، كما المرأة التركية النازلة في فندقنا التي أمضت حتى الآن اسبوعاً بكامله تدور ما بين سفارة بلادها ومكاتب الامن الكثيرة بحثاً عن إذن او تصريح لدخول غزة، حيث زوجها الفلسطينيّ المصاب في الحرب وابنها الذي وجد نفسه وحيداً يعيش مع عائلة الجيران بلا معيل.
وحده حظ الصحافيين الغرباء ما زال وافراً هنا.
وحدها القاهرة تمسك بمِفتاح غزة.
وحدهم الفلسطينيون لم يجدوا بعد المعبر نحو دولتهم.
وحدي سأبدد نهاري في القاهرة آملاً أن أرى فجر فلسطين غداً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00