مع إنطلاق الدورة الرابعة عشرة من معرض الكتاب في الجزائر، تحولت تسميته إلى الصالون الدولي للكتاب في الجزائر (27 تشرين الأول ـ 6 تشرين الثاني 2009). وتغيير الإسم هو بمثابة تعبير عن خطة وزارة الثقافة وطموحها بـإلحاق البعد الثقافي بعملية بيع الكتب حسب قول الوزيرة خليدة تومي، التي أعلنت إن قناعتنا العميقة، المدعمة بالتجارب المقنعة للكثير من الدول، هي أننا لا يمكن أن نفصل بين مسألة الكتاب ومسألة القراءة العمومية وصولاً إلى المنظومة التربوية. وعليه، فإن الوزارة تعطي أهمية خاصة لبرنامج إنجاز أكثر من 1541 مكتبة في عموم الجزائر مع اقتناء 34 مكتبة متنقلة تجوب بانتظام كل الولايات. بالإضافة إلى خطة تعاون مع وزارة التربية لإعادة إدراج الكتب وقراءتها كمادة إجبارية في نظام التكوين المدرسي.
الواضح أن ثمة انتباهاً إلى معضلتي القراءة والنشر في الجزائر، ما دفع الدولة إلى تبني فكرة دعم إنتاج الكتب، أي تخصيص ميزانية سنوية لتمويل دور النشر الخاصة. ونتيجة لذلك، منذ سنوات قليلة، ازدادت دور النشر الجزائرية وتضاعفت الكتب الصادرة محلياً.
الناشرة ياسمينا بلقاسم (دار شهاب) تقول أن ثمة حركة فعلية منذ ست سنوات بدأت في الجزائر في مجال نشر الكتب، وثمة إشارات إلى أن هذا القطاع بدأ يستحوذ على شروط تحوله إلى صناعة. لكنها تشير إلى ما تسميه مشكلة المقروئية، إذ أن أغلبية المواطنين الجزائريين يقسمون الكتب إلى كتب مفيدة: المدرسي، الجامعي، الديني... وكتب ترفيهية، نخبوية لا دخل له فيها: الأدب، الإنسانيات، وكل ما له صلة بحقول المعرفة.
الشاعر بوبكر زمال قال إن التغير المهم الذي لاحظه في المعرض هو تراجع هيمنة دور النشر التراثية الدينية، تراجع في أعدادها وتراجع في سوقها وروادها وزبائنها. ففي السنوات السابقة كان المعرض عبارة عن مناسبة لإظهار قوة التيارات الدينية والسلفية، حيث كانت كتبها هي الطاغية وتحتل معظم الأجنحة، فيما الكتاب الحديث ليس له سوى الزوايا وأقلية من الرواد. وهذا ما بدأ يتغير على نحو دراماتيكي. لكن الناشرة اللبنانية شيرين كريدية (دار النهضة) تقول أن الجمعيات الدينية وإدارات المساجد القوية تعمد إلى شراء كميات كبيرة من الكتب الدينية والتراثية لتوزيعها مجاناً على الفقراء وسكان الأحياء الشعبية.
سفيان حجاج، الشاب الناشط في مجال النشر والعمل الثقافي (دار برزخ) يقول: نحاول أن نجعل اللغة العربية ـ بالنسبة للجزائريين ـ لغة الفلسفة والأدب والعقلانية... وهذا مهم جداً. إنها معركة تدور الآن في الثقافة الجزائرية. أي أن تتبنى الجزائر العربية التوجه الحداثي.
قد يكون قول سفيان تعبيراً عن ما خبرته الجزائر بعد الإستقلال، التي تبنت العروبة والإسلام والإشتراكية، وصولاً إلى حرب التسعينات (ما بين الدولة والتيارات الإسلامية العنفية). لذلك يقول سفيان حجاج إن النقاش المركزي اليوم هو حوار حول الهوية الجزائرية، مشيراً إلى أن سمة عهد الرئيس بوتفليقة هي تلك الحركة الإسترجاعية ـ حسب تعبيره ـ لمكونات الهوية الوطنية الأمازيغية والعربية والفرنكوفونية. ويؤكد حجاج أن ساحة هذا النقاش تخلو من التابوهات.
وإذا كانت فرنسا ساركوزي قد دشنت منذ أيام الورشة العامة لإقامة نقاش مفتوح لإعادة تعريف الهوية الوطنية الفرنسية، التي باتت متعددة ومتنوعة الأعراق والأديان، فإن الكثير من المثقفين الجزائريين الشبان يؤكدون أنه الآن تصاغ الهوية الجديدة الجزائرية ويعاد تعريفها. لكن حجاج يقول أن ذلك يتم بلا أسس مرجعية واضحة إذ ما زال تعريف وتحديد عناصر هذه الهوية رجراجاً ومبعثراً. وهو ويدلل على ذلك بالصراع الخفي القائم بين الجسم البيروقراطي المعرّب، المتضخم والراسخ من جهة والنخبة الإقتصادية، الفرنكوفونية الثقافة والهوى والليبرالية الميول، من جهة ثانية. هذا الصراع لا يجد ترجمته السياسية طالما أن النخبة الإقتصادية تلك لا تتبنى خطاباً سياسياً يعبر عن طموحاتها أو مصالحها.
بمعنى آخر، فإن النخبة الإقتصادية الناشئة، وهي الفرنكوفونية في الثقافة وفي نمط العيش وفي أساليب العمل، تحولت إلى تيار فعال مع انتقال الجزائر التدريجي إلى إقتصاد السوق. لكن فعاليتها تلك محاصرة من تخوف البيروقراطية والقوى التقليدية وحذرها المتأصل في سلوكها.
هذا الصراع الصامت هو عبارة عن عقدة (حسب قول سفيان) تشعر بها النخبة السياسية الحاكمة تجاه النخبة الإقتصادية: كأن الحداثة لا تكون إلا فرنكوفونية، وكأن المعرّبين لا يمكن إلا أن يكونوا محافظين أو رجعيين أو إسلاميين.
المجتمع الثقافي ـ إذا صح التعبير ـ يعاكس الخطاب الديني ويرتاب من السلطة السياسية وهو منقطع الصلة عن النخبة الإقتصادية الجديدة. لكنه هو الذي يتولى تظهير الحوار العام بدءاً من النقاش حول النشيد الوطني وصولاً إلى تلك المصالحة الجارية بين العربية والفرنسية. إذ إنتهت تقريباً تلك القطيعة بين اللغتين. ففي مجال النشر باتت سمة أي دار جزائرية هي إنتاجها للكتب الأدبية والفكرية الجزائرية باللغتين الفرنسية والعربية والترجمة عبرهما، فنحن بات بوسعنا أن نقرأ أي نص جزائري باللغة التي نختارها، عدا عن هذا الظهور الملحوظ لدور النشر الأمازيغية. بل أبعد من ذلك، أن دور النشر في فرنسا لم تعد تكتفي بنشر مؤلفات الكتّاب الجزائريين الفرنكوفونيين، وتترجم إلى الفرنسية المؤلفات الجزائرية المكتوبة بالعربية. أي أن التمييز إنتهى وانحلت عقدة كانت تحكم الثقافة الجزائرية لعقود عدة. ودخلت الدولة الجزائرية في هذا الحراك، إذ أنها تتولى اليوم تمويل الترجمة والطباعة والنشر ما بين اللغتين لمعظم المؤلفات الجزائرية في حقول الأدب والإنسانيات. هذا القرار الرسمي الذي اتخذ منذ ثلاث سنوات ظهرت نتائجه سريعاً عبر تأسيس الكثير من دور النشر الخاصة وعبر تضاعف الإصدارات في مجال الرواية والفلسفة والتاريخ والعلوم الإجتماعية.
على هامش صالون الكتاب عمدت وزارة الثقافة إلى تنظيم أكثر من عشرين محاضرة وندوة، تم توزيع عناوينها ما بين ما هو عربي مشرقي وفرنسي وجزائري ومغاربي وأفريقي، مع إهتمام خاص بتلك المراجعات التاريخية لمرحلة ما قبل الإستعمار وخلاله، وتجربة الإستقلال. وذاك ما يدل على الهاجس الذي يعنون الثقافة الجزائرية ويحركها.
المثال الواضح هو الندوة الخاصة التي عقدت بمناسبة صدور الترجمة العربية لكتاب وسيلة تامزالي تنشئة جزائرية. كتاب يروي سيرتها وسيرة عائلتها ذات الجذور العثمانية التي تجمع بين سلالة تجارية وقرصانية وإقطاعية مع مصاهرة اسبانية. سيرة مفعمة بالحنين والمرارة والألم والتجارب المريرة في حقبة الثورة، من المستعمرين ومن الثوريين على حد سواء، ومن تجربة الإستقلال ومغامراته في التعريب وفي تطبيق النظريات الإشتراكية وصولاً إلى سنوات الإرهاب في التسعينات.
كتاب قالت لي كاتبته لا، ليس كتاباً سياسياً أو سوسيولوجياً ... إنه كتاب الشغف والحب. والإحتفاء الجزائري بصدوره محلياً وبالعربية (صدر بالفرنسية عام 2007 عن دار غاليمار بباريس) يبين ما تذهب إليه الآن الجزائر: المراجعة المفتوحة وبلا تابوهات.
ذاك ينطبق فقط على موضوعة الجزائر إذ أن الرقابة على الكتب لا تزال بيد بيروقراطية، بوليسية العقلية، ومحافظة إلى أبعد الحدود. وثمة معاناة ما زالت قائمة بين الناشرين اللبنانيين وأجهزة الرقابة تلك. فمنذ العام 2007 لا تزال شحنة كتب ضخمة للناشرين اللبنانيين عالقة في الجمارك الجزائرية بعدما تم منع إدخالها الى المعرض. ولم تقبل السلطات ارجاعها أو الإفراج عنها، وثمة نزاع بين تلك السلطات والناشرين اللبنانيين حول من سيدفع كلفة الحجز المتمادي في مستودعات الجمارك، إلى درجة أن الناشرين طلبوا إتلاف كل الكمية كحل نهائي للمعضلة.
تناقضات الحالة الجزائرية تلك تقول لنا أنه زمن تحول لا يخلو من تراجعات بقدر ما هو مفعم بروح المراجعات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.