8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الكتاب سلطان في الجزائر وأحلام مستغانمي صاحبة الجلالة

صاحبة الجلالة . هكذا خاطبت وزيرة الثقافة الجزائرية خليدة تومي الكاتبة أحلام مستغانمي في حفل تكريم صاحبة ذاكرة الجسد وعابر سرير. تكريم رسمي لـملكة الرواية العربية ـ حسب قول الوزيرة تومي ـ في العاصمة الجزائرية التي تحتفل هذه الأيام بالذكرى الـ 55 للثورة.
ذكرى الثورة وعيدها غلّفا تكريم مستغانمي بهالة الوطنية، فعادت الكاتبة الجزائرية لتكون إبنة الشريف محمد، المجاهد المغوار(...) الذي ترك بصمات الشرف والنبل والشهامة على ابنته. وأحلام مستغانمي، كما تقول الوزيرة، وإن هاجرت واغتربت فإنها بقيت جزائرية حتى النخاع (...) وإن عرفت العديد من التكريمات في العالم العربي والغربي، وقيلت فيها الكثير من خطب الثناء والمدح، فهي كانت تنتظر دائماً ما يقوله فيها أهلها وعشيرتها.
حفل التكريم الذي نظمته الدولة الجزائرية لأبرز نجمة أدبية عربية، أحيته المغنية اللبنانية جاهدة وهبة وفرقتها بأغنيات وطنية جزائرية تنضح كلماتها بالشعر الثوري والجهادي، والرومانسي الوطني، كأنها تلاقي فيها لغة مستغانمي وأدبها وتتلاقى مع معاني العيد الوطني وشعريته، بل وكأن ذكرى الثورة وجدت في المناسبة التكريمية ما يعادلها أدباً وثقافة.
الإحتفاء الرسمي بالكاتبة، الذي أسبغ عليها لقب صاحبة الجلالة، بادلته الكاتبة بكرم مماثل فأعطت لرئيس الدولة صفات الذي كسبته السياسة وخسرته الثقافة، وأعلنت ولاءها المطلق للدولة الجزائرية وإرثها الثوري وسياستها ونهجها.
اللافت أن التكريم هذا، الذي حضره المئات من الوجوه الرسمية البارزة والموظفين الكبار والكتّاب والشعراء والفنانين، غاب عنه معظم الروائيين الجزائريين كرشيد بوجدرة وياسمينا خضرا والطاهر وطار وواسيني الأعرج. هذا الغياب هو الذي تهامس به الصحافيون وأقرانهم من الكتبة وشبان الثقافة والفن.
لكن ليس هذا وحده ما يشغل اليوميات الثقافية الجزائرية، فوزارة الثقافة بأجهزتها، وبالتعاون مع إدارات رسمية كثيرة، منهمكة بمعرض الكتاب في دورته الرابعة عشرة وضيوفه العرب والأوروبيين والأفارقة، تحت شعار الكتاب سلطان.
المعرض الذي أقيم هذه السنة بجوار استاد سانك جوييه (5 تموز)، ملعب كرة القدم الكبير للعاصمة، بدا كأن إدارته راغبة بـجماهيرية لسوق الكتاب توازي جماهيرية كرة القدم هنا، حيث الجزائر تسعى للوصول إلى المونديال على حساب مصر وتخوض معها حرباً كلامية وإعلامية شرسة، فنقرأ في الصحف إفتتاحيات ترد على كلام مصري بأن مصر هي التي علّمت الجزائريين اللغة العربية وهي التي سلّحت الثوار الجزائريين ودعمتهم ولولاها لما انتصرت الثورة، فترد الإفتتاحيات الجزائرية بعبارات من نوع أن حفنة من اليهود قد غلبتكم.
ضغائن كرة القدم ووطنياتها لا تجد ترجمتها في معرض الكتاب مادام أن دور النشر المصرية لها حضورها الواضح في الأجنحة الكثيرة، الموزعة على مساحة تعادل مساحة ملعب فوتبول كبير. والمعرض الجزائري يتصف بظاهرة نمو التعدد اللغوي مع نمو نشاط النشر المحلي وتكاثر دور النشر الجديدة. فالجزائر تبدو في السنوات الأخيرة متصالحة مع تعددها اللغوي ما بين عامياتها المكتوبة وفصحتها وأمازيغيتها وفرنكوفونيتها، وهي تبدو أيضاً متجددة الصلة بروابط جنوب الصحراء الأفريقية. الواضح أن الجزائر الرسمية باتت تشجع على التلوين العربي - الفرنكوفوني لهويتها الثقافية، إذ إن وزارة الثقافة تدعم الآن، بشكل واسع ومنهجي، نشاط الترجمة وبالإتجاهين ما بين العربية والفرنسية، سعياً لإنهاء حال القطيعة بين المثقفين والكتاب الفرنكوفونيين وأقرانهم العروبيين، بعد التخفف من الأثقال الأيديولوجية التي كانت مستحكمة طوال التاريخ الثقافي الجزائري، قبل الثورة وبعدها.
إنه تحول نوعي في سياسة الدولة نجد ترجمته في حقل النشر والكتب، إذ إن أهم دور النشر مثل البرزخ والقصبة وشهاب باتت تصدر كتبها بالفرنسية والعربية معاً، وأحياناً بدعم مباشر من وزارة الثقافة. بل إن كاتباً إشكالياً مثل كاتب ياسين، الذي كان بنظر الدولة والثورة معارضاً ومنشقاً وفرنكوفونياً (أي مشكوك بوطنيته) بات الآن، وعلى نحو شبه رسمي، أحد الرموز الجزائرية الكبيرة.
النجومية ليست ميزة حصرية لكاتبة من طراز أحلام مستغانمي، فهي أيضاً تسبغ على من تستضيفهم الجزائر هذه الأيام كالشاعر الفلسطيني عزالدين مناصرة والكاتبة المغربية خناتة بنونة والكاتب اللبناني علي حرب. إذ ما زالت هنا مكانة الكلمة توازي مكانة السحر في مخيال العامة وتصوراتها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00