8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البرزاني: نأمل من الجوار عدم التدخل السلبي

مع وصولنا الى احد احياء اربيل الراقية، والتي تشهد عملية اعمار ضخمة لمئات الفيلات الفخمة، ادركنا اننا مدعوون الى الغداء من قبل رئيس اقليم كردستان العراق مسعود البرزاني في احد المطاعم الجديدة.
وعلى نحو مفاجئ ايضا تم تدبير لقاء بين مجموعة من الصحافيين والبرزاني، في غرفة جانبية. فرئيس اقليم كردستان الذي ابدى اهتماماً بالغاً بهذا الحضور الاعلامي والثقافي العربي، اراد ليس فقط ان يحضر ويفتتح مهرجاناً ثقافياً بل ان يقيم صلات "شخصية" وحميمة مع الكتّاب والصحافيين الآتين من بيروت وبغداد والقاهرة، ملتقطاً الصور الفوتوغرافية الشخصية معهم، ومبعداً حراسه عنه من اجل دردشات مازحة، او جالساً مع ذاك الباحث العراقي او الباحثة الاكاديمية اللبنانية متبادلاً معها نقاشاً في التنمية والمشاريع الاعمارية... وحقوق الانسان.بدا البرزاني غير مهتم بان يكون اللقاء مؤتمراً صحافياً مدبراً ومنظماً، بل اقرب الى الرغبة في مصارحة جمع الكتّاب والاعلاميين بما يود ان يقوله للمواطن العربي وان يقيم كلاماً اليفاً، على الرغم من جدية كلامه السياسي.
وكان سلوكه غير استثنائي طالما ان الوزراء الاكراد هم بدورهم لا يغيبون كثيرا عن مقاهي وزوايا الفندق، حيث المهرجان، فوزير الثقافة في حكومة كردستان سامي شورش يواظب على جلسات المقهى متعرفاً الى شلل المثقفين ومشاركاً في حواراتهم، وهو الذي عمل طويلا كصحافي في جريدة "الحياة" اللندنية. كذلك فعل وزير حقوق الانسان الذي كان يجالسنا من من دون ان نعرف صفته الرسمية الى ان شاهدناه ممثلاً في فيلم وثائقي عرض علينا.
في اللقاء مع الرئيس مسعود البرزاني اعلن انجاز تشكيل الحكومة الائتلافية الموحدة لاقليم كردستان والتي ستوحد الادارتين بعد بقائهما طويلاً منقسمتين بين منطقتين طالبانية وبرزانية.
واعرب عن اعتقاده ان التهديد التركي باجتياح شمال العراق لمطاردة مقاتلي حزب العمال الكردي، ليس جدياً ولن يحصل.
واكد ان الجيش التركي لم يجتز بعد الحدود وان كل ما يحدث حتى الان ما زال داخل الاراضي التركية.
وشدد في الوقت نفسه على رفض حكومة اقليم كردستان والحكومة العراقية اي محاولة للتدخل في شؤون اقليم كردستان وعموم العراق.
ورداً على سؤال حول ما اذا كانت حماية الاقليم مسؤولية الدولة ام مسؤولية امن الاقليم، اكد البرزاني ان" حماية الاقليم مسؤولية الدولة العراقية اولاً وان اقليم كردستان سيقوم بواجباته في الدفاع عن نفسه".
اما بالنسبة لمدينة كركوك والشائعات التي تقول بان الادارة الكردستانية تقوم بتهجير العرب والتركمان منها، قال البرزاني ان "الحقيقة هي على العكس تماما مما يتم تداوله"، لافتا الانتباه الى ان مدينة كركوك كانت قد شهدت العام 1963 تهجيراً جماعياً للاكراد والتركمان. ثم حدث تهجير جماعي اخر العام 1975. ان كركوك، تاريخياً، هي مدينة كردية لكنها بالتأكيد عراقية شأنها شأن المدن الاخرى. بل ان كركوك هي رمز وشاهد على تاريخ الاضطهاد".
البرزاني شدد على ان المطالبة بعودة الاكراد الى كركوك ليس سببها النفط، "فالنفط هو ملك جميع العراقيين"، مضيفاً "نحن نريد فحسب تصحيح ما جرى من جرائم وظلم وتعسف.. ونطمح لأن نجعل هذه المدينة نموذجاً للتآخي القومي والديني والمذهبي".
ورداً على بعض الاسئلة حول القضية الكردية، اجاب رئيس اقليم كردستان "الاكراد امة واحدة. ما يصيب جزءاً منها يؤثر في اجزائها الاخرى. ونحن في كردستان العراق نتعاطف مع اخواننا الاكراد في الدول الاخرى، لكننا ابدا لا نتدخل في خياراتهم وفي اساليبهم لتحقيق مطالبهم وتحصيل حقوقهم. ودوماً ننصح بعدم استخدام العنف. نحن امة جزئت على الرغم من ارادتها. لكن حل القضية الكردية لن يكون الا بالديموقراطية".
لكن البرزاني شدد في جوابه على سؤال اخر، على ان البيشمركة الكردية ليست ميليشيا، مضيفا "انهم قوة منظمة وساهموا في تحرير العراق" واوضح "لم تتشكل البيشمركة بأمر من الدولة ولن تحل بامر منها" راداً بذلك على التصريح الذي ادلى به رئيس الحكومة العراقية المكلف جواد المالكي قبل ايام، والذي قال فيه انه يجب حل جميع الميلشيات بما فيها البيشمركة.
واشار البرزاني الى ان الدستور العراقي الجديد اقر بحق استمرار وجود البيشمركة بوصفها قوة لحماية اقليم كردستان "وهي موجودة لدعم الدولة العراقية بوجه الارهاب".
وفي سياق اللقاء تطرق الرئيس الكردستاني الى فكرة العلمانية قائلا "الديموقراطية ستوفر مساحة كبيرة لكل التيارات بما فيها العلمانية وانا شخصياً اريد تقوية التيار العلماني في المجتمع والسياسة، وان يسترد عافيته من اجل مجتمع متطور، مدني ومنفتح".
وحول ما يجري في العراق، احتار البرزاني في توصيفه قائلاً "لا ادري كيف نسميه، فوضى، مأساة.. قتل المواطن العراقي ليس الا مأساة كبرى".
وبالحديث عن الفدرالية قال ان "الاستقلال حق مشروع للشعب الكردي لكننا الان نرى ان مصلحتنا تكمن في عراق فدرالي ديموقراطي. ونؤكد اننا لن نكون البادئين بالانفصال".
واذ ابدى احد الحضور استغرابه لمظاهر الفقر في اربيل وعدم وجود اي شيء حرفي او ابداعي كردستاني، سرد البرزاني تاريخ العسف والتدمير الذي طال كردستان طوال حقب مديدة، وقال "لم تقم الحكومات العراقية السابقة بأي مشروع في كردستان على الاطلاق. بل ومنذ مطلع الثمانينات تم مسح وتدمير اربعة الاف وخمسمئة قرية من اصل خمسة الاف قرية في كردستان. وحتى مال النفط كان صدام حسين يحوله الى قنابل ورصاص لقتل شعبنا وتدمير مدننا. وهناك 180 الف مفقود. هذه كانت حالنا بعد انتفاضة 1991. لم تكن لدينا اي موارد او ميزانية. حتى القرار 986 الصادر عن الامم المتحدة يلحظ وفق مذكرة التفاهم بين الامم المتحدة والحكومة العراقية السابقة بأن صرف اي مبلغ من الميزانية المخصصة لكردستان يجب ان يحظى بموافقة حكومة بغداد المركزية. وهذا عملياً ادى الى تعطيل وصول المال الينا وتعطيل اي مشروع".
وتابع البرزاني "الان لدينا برنامج تنموي طموح ومنذ سنتين بدأت الاستثمارات قليلاً، لكننا نشهد الان فورة كبيرة في الاستثمار والمشاريع العمرانية. لدينا ايضا برنامج طموح جدا للانتقال الى مجتمع مدني. وخلال السنوات الاربع المقبلة بعد استكمال تشكيل المؤسسات سيحدث تغيير كبير. عندها نتمنى ان تزورونا لتروا النتائج وكل التحولات والفارق الكبير الذي سيحصل".
وعن العلاقة مع اميركا قال البرزاني "قبل سقوط النظام حصلنا على وعد اميركي صريح وواضح بالعمل لانشاء نظام ديموقراطي. وعلى هذا الاساس تعاونا مع اميركا. صحيح ان اخطاء كثيرة وفوضى حدثت بعد الحرب لكن هذه الحرب هي التي وفرت الفرصة للتخلص من الديكتاتورية ولبناء عراق جديد. تعاوننا مع اميركا هو في هذه الحدود".
ثم تطرق البرزاني للتقصير ولسوء الفهم من قبل الاعلام الغربي والعربي وحتى الكردي في التعبير عن حقيقة مأساة الاكراد وقضيتهم، قائلا "لا بد ان يتحرر الجميع من ثقافة الانتقام والقبول بثقافة التسامح. ونحن اعتمدنا هذه القناعة منذ البداية". واشار الى ان اللغة العربية تدرس في كردستان كما ان الكردية تدرس في بقية مناطق العراق.
وحول قضية الكاتب الكردي كمال قادر الذي حوكم في كردستان وصدر حكم عليه بالسجن بسبب كتاباته، اكد البرزاني انه كان في تلك الفترة في واشنطن وان الحكم على الكاتب تم وفق القانون السابق. وبعد عودته الى اربيل طلب من القاضي ان يعيد النظر، وتمنى على الذين ادعوا ضد الكاتب ان يسحبوا شكواهم، مضيفاً "لم اكن مرتاحاً لما حدث".
واكد "على هذا تم اطلاق سراحه على الرغم من ان مقالات قادر ليست سوى شتائم واهانات شخصية بحقي وبحق شخصيات سياسية كردية وهو اعرب عن ندمه الشديد كما انه الان في النمسا ويود العودة والاستقرار في كردستان".
وبسبب طبيعة اللقاء العفوي عاد رئيس اقليم كردستان في حديثه الى موضوع الفدرالية ونوعها معتبرا انها ليست قائمة على اساس اثني او ديني او قومي بل هي "فدرالية تاريخية جغرافية وكل الاقليات ضمن اقليم كردستان لها كامل حقوقها على قدم المساواة مع سائر المواطنين". واوضح "منذ العام 1961 وشعارنا هو الديموقراطية للعراق والحقوق والحرية لكردستان". وكذلك اكد انه "لن نبني ونتطور بمعزل عن بغداد".
وحول العلاقة مع دول الجوار قال البرزاني "نأمل من دول الجوار عدم التدخل السلبي في شؤون كردستان والعراق.. والا فاننا سنرد بالمثل"
واوضح "بعد الحرب العالمية الاولى جرى تقسيم المنطقة. الاكراد خيروا بين تركيا والعراق. واختاروا العراق. الاكراد الحقوا بالاخرين على نحو قسري رغم ان خيارهم الفعلي كان الاستقلال. لقد حدث ظلم تاريخي كبير. ومع ذلك وبمرور الوقت بات هناك خصوصية لكل جزء من كردستان التاريخية تأثراً بالدولة التي الحق بها".
واكد ان "تسوية هذا الظلم لن تكون ابداً بالعنف. العنف ليس حلاً، لكننا في الوقت نفسه نرفض انكار حقوقنا ووجودنا. المشكلة هي انكار وجود امة كردستانية ونحن لا يسعنا سوى دعم وتأييد حقوق جميع الاكراد. لا نريد ان تكون كردستان العراق مصدر تهديد لأمن دول الجوار، لكن لن نقبل ابدا بهذا الرفض الذي تبديه هذه الدول لحقيقة وجود الاكراد. انهم ينكرون علينا حقيقة ان الاكراد قومية وامة".
واوضح البرزاني "اننا نطلب من الاكراد في ايران وتركيا وسوريا ان لا يستعملوا العنف ويعتمدوا الحل السلمي والطرق السلمية واظن ان الحل السياسي هو الاهم، فالقضاء مثلا على حزب العمال الكردستاني من دون اقرار حقوق الشعب الكردي في تركيا يعني ولادة حزب عمال كردستاني اخر في المستقبل".
وتابع "بالنسبة لنا التجرية اثبتت ان الحل هو الفدرالية. وفي العراق على العرب ان يقرروا شكل فدراليتهم إما ان تكون واحدة (عربية) او اثنتين (وسط، جنوب: سنية، شيعية) وهم احرار".
... وما ان انتهى اللقاء حتى بادر الجميع لأخذ صور تذكارية مع الزعيم الكردي كما لو انه نجم او اكتشاف سياحي او صديق على وشك السفر. وهذا ما يوحي بمقدار التأثر الذي اصاب الحضور بهذه التقاليد الكردستانية الجبلية التي تقيم للألفة والصحبة مقاماً عالياً ما يخفف من الشروط البروتوكولية وطقوسها ويقلل صرامة التراتبية والمراسم الرسمية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00