هل يستعيد شعار "العدالة الاجتماعية" رونقه الذي فقده إثر الاندفاع المحموم نحو اقتصاد السوق والعولمة وروح التنافس طوال أكثر من عقدين؟ وهل تتجدد الأفكار "اليسارية" حول أولوية ردم الهوة بين الفقراء والأغنياء على هاجس الازدهار الاقتصادي؟ والأهم، هل بات على الليبرالية الاقتصادية أن تعيد فحص ضميرها الأخلاقي؟
على ما يبدو، فإن النمو الواسع والسريع ومظاهر الثراء المعممة على المجتمعات الأكثر نجاحاً، ليسا كافيين للقضاء على تزايد أعداد الفقراء والعاطلين، والأدهى أنهما ليسا كافيين لكبح هذا التقلّص الشديد الذي تعانيه الطبقات الوسطى، بحيث لا يبدو في المشهد سوى حفنة من الأغنياء الذين تتصاعد أرباحهم باستمرار تقابلهم غالبية السكان الذين ينحدرون الى الفقر باستمرار.
لكن لا يجب القفز الى استنتاج تبسيطي ومتسرّع في تعيين "الشرير". فحسب روبرت ج. صامويلسون: "لقد جعلنا العولمة عن غير وجه حق كبش فداء في الجزء الأكبر مما يصيبنا. إلقاء اللوم على قوى لا وجه لها خارج حدودنا أسهل وأكثر إرضاء. لكن العولمة، كما تُظهر دراسة صادرة عن صندوق النقد الدولي، ليست المذنبة الأساسية في تفاقم عدم المساواة الاقتصادية. على الأرجح فإن التكنولوجيا الجديدة هي السبب عبر تعميق هوة الأجور بين العمال الماهرين وغير الماهرين. وإذا كانت الصين قد باعت سلعاً رديئة فهذا ما فعلته أيضاً شركات أميركية".
يضيف صامويلسن: "ليست العولمة مساحة خالية من الأسباب التي تدعو الى القلق لكن ينبغي لنا التركيز على مصادر القلق الحقيقية.. إذ ليست كل التنديدات الاعتيادية بالعولمة من جانب السياسيين والنقاد خالية من الأذى. السيكولوجيا مهمة. إذا تخوف المستثمرون العالميون من أن يصبح الاقتصاد الأميركي أقل انفتاحاً على التجارة والاستثمار الخارجيين، فقد تكون النتيجة هبوطاً حاداً في الدولار يخشاه الجميع. كي يحافظ الدولار على مكانته كعملة دولية مركزية في العالم، يجب أن يكون مفيداً في البيع والشراء. كلما فرضنا ضوابط، أصبح أقل فائدة. يجب أن يتذكر ذلك منتقدو العولمة بشكل سطحي. يظنون أنهم يؤدّون أمام جمهور محلي فقط لكن العالم يصغي، وقد لا يعجبه ما يسمعه.
أوروبا وإصلاحاتها
في غضون ذلك، يرى هولغر شميدينغ المسؤول عن الشؤون الاقتصادية الأوروبية في "بنك أوف أميركا" أن أوروبا تعاني خللاً، لكنه أقل بكثير مما في الصين أو أميركا، ومع ذلك يقول: يواجه المستهلكون ارتفاعاً في أسعار النفط والطعام. إذا كان عليهم دفع المزيد لقاء احتياجاتهم الأساسية، سيبقى لديهم مال أقل لإنفاقه على سلع وخدمات أخرى. إن جمعنا بين أقسى شروط الاقتراض وارتفاع سعر اليورو والازدياد الحاد في سعر النفط والطعام، نجد أن تأثير ذلك كبير.
لهذا السبب، وحسب تقرير ستيفان ثيل، "الألمان يفضلون الآن العدالة الاجتماعية بغض النظر عما يعنيه هذا المفهوم".
كافحت أكبر أحزاب العمال الأوروبية، التي نشأت من رحم الصراعات العمالية في القرن التاسع عشر، لكي تحدث نفسها في مواجهة العولمة وفشل دولة الرفاهية القائمة على النمط الأوروبي الغربي. ومع ذلك فإن بعض دهاة السياسيين نجح في ذلك. فحزب العمال الجديد في بريطانيا تخلّص من إيديولوجية إعادة توزيع الثروة، فيما ساعد الاشتراكيون في شمال أوروبا على التخفيف من القيود المفروضة على أسواق العمل. أما المستشار غيرهارد شرودر، الذي ينتمي الى الحزب الاشتراكي الديموقراطي، فقد وضع قانوناً للتخفيض الضريبي وقلّص من المزايا التي يحصل عليها العاطلون عن العمل، وهو ما أثار الكثير من التذمّر في حزبه الذي لا يزال تقليدياً جداً. ولكن في الوقت الذي تستمر فيه بريطانيا وأوروبا الشمالية في الازدهار، نجد أن المتذمرين الألمان قد فازوا، حيث نجحوا فعلياً في دفن أجندة الإصلاح التي عمل عليها شرودر في سنوات حكمه وقضوا على محاولات المستشارة أنجيلا ميركل تحقيق المزيد من التغيير.
والآن نجد أن أجندة شرودر قد دفنت في النهاية، وأن الحزب ـ تحت قيادة كيرت بيك الذي تأكد ترشيحه تقريباً لمنصب المستشار عام 2009 وحاكم ولاية راينلاند بالاتينيت ـ يستطيع الآن ومن كل قلبه أن يناضل من أجل "العدالة الاجتماعية" كما كانت حاله في الأيام السالفة.
الغريب في الأمر أن أحداً لم يتحدث عن الشيء الواضح أمام العيان، وهو أن إصلاحات شرودر بدأت تؤتي ثمارها. ففي الأسبوع الماضي، أفاد مكتب العمل الألماني في تقرير له بأنه تم تحقيق أعلى أرقام للعمالة منذ الحرب العالمية الثانية، وهي معجزة خلق وظائف ألمانية لعبت إصلاحات الحزب الاشتراكي الديموقراطي دوراً كبيراً في تحقيقها. وحسب تقرير مكتب العمل، فإن العمال الأكبر سناً والعاطلين عن العمل منذ فترات بعيدة والذين كانوا قبل شرودر يتلقون الأموال لكي يبقوا بعيدين عن سوق العمل يعودون الآن الى وظائفهم بسرعة كبيرة. يقول يورغن ماتيس، الخبير الاقتصادي في معهد الاقتصاد الألماني في كولون: "إنها حالة نموذجية للإصلاحات الناجحة كما كنت الحال في عهد ريغان أو تاتشر. إنها تستغرق وقتاً لتحقق النجاح، وفي هذه الأثناء تخاطر بخسارة الانتخابات".
الصين.. تفاوت متعمد
عما يجري في الصين بسبب قوى السوق وتدفق الأموال من دون قيود، كتب دانيال غروس:
تسانغ وينغون هو المجرم الأقل خطراً الذي يمكن أن يعكر أجواء الهلوء في هونغ كونغ. ففي يناير، دخل هذا الرجل البالغ من العمر 78 عاماً الى متجر ملوحاً بسكين وطلب الى الموظف الاتصال بالشرطة. وعندما وصل رجال الشرطة، استسلم تسانغ على الفور واعترف. لقد اقترف هذه "الجريمة" بعدما قطعت عنه دفعات الإعانة الاجتماعية البالغة 460 دولاراً شهرياً، ظناً منه أن اعترافه سيدخله الى السجن، وهو ما يتيح له الحصول على أمور لم يعد بإمكانه تحمّل نفقاتها كالوجبات اليومية ومكان دافئ لينام فيه.
تسانغ ليس وحيداً في معاناته هذه. فواحد من كل ثلاثة مسنين في هونغ كونغ يعيش في الفقر. وتظهر الإحصاءات الرسمية أن عدد "الفقراء العاملين" ـ أي الذين يجنون أقل من نصف الدخل المتوسط ـ تضاعف خلال السنوات الـ10 منذ عودة هونغ كونغ الى السيادة الصينية. وذلك في مدينة تتباهى بنتاج محلي إجمالي يبلغ 27.000 دولار للفرد الواحد، وسوق أسهم مزدهرة، وعدد كبير من أصحاب البلايين، واقتصاد بلغ معدل نموه 8 في المئة سنوياً خلال السنوات الثلاث الماضية.
معاناة تسانغ تجسد مفارقة عالمية مثيرة للقلق. ففي العام السادس من النمو المطرد، ازداد حجم الاقتصاد العالمي بمعدل غيرمسبوق. لكن الأثرياء هم المستفيدون الأساسيون منه. فضلاً عن ذلك، انهم يستغلون نفوذهم للاستمرار في الحصول على حصصهم من هذا الاقتصاد قبل ان يتمكن الفقراء من الاستفادة منه. فالنمو المذهل الذي تشهده الصين والهند، اضافة الى النمو المطرد لدول مجموعة السبع، ليس موزعا بشكل متساو. والتفاوت في المداخيل يزداد في كل انحاء العالم بدءاً بالاقتصادات الأكثر تقدماً (مثل الولايات المتحدة وهونغ كونغ) وصولاً الى الاقتصادات النامية.
ان نسبة سكان العالم الذين يعيشون بأقل من دولارين في اليوم الواحد تدنت من 67 بالمائة عام 1981 الى 47 بالمائة عام 2004. وفقاً للبنك الدولي (مع ان هناك عدداً قياسياً من الفقراء في آسيا: نحو 1.9 بليون أو 60 بالمائة من السكان). وعدد الأثرياء أيضاً اكبر من اي وقت مضى، فعدد الأغنياء في العالم (الذين تتجاوز قيمة اصولهم مليون دولار، اذا استثنينا منزلهم الأساسي) ارتفع بنسبة 8.3 بالمائة عالميا عام 2006 الى 9.5 مليون، بحسب تقرير الثراء العالمي الذي اعدته شركة "كابجيميناي". غير ان الطبقة المتوسطة تتقلص داخل البلدان. يقول بيكيتي: "بالرغم من تراجع التفاوت المادي بين البلدان الى حد كبير. فقد ازداد التفاوت داخل البلدان".
ان الهوة بين الأغنياء والفقراء كبيرة جدا في المناطق التي اعتنقت الرأسمالية المسرعة من دون تردد. لا سيما في الولايات المتحدة والصين، لكن الهوة المتزايدة ليست مرتبطة فقط بقوى العولمة الجامحة والتغييرات التكنولوجي، التي غالبا ما يلقي اللوم عليها. يبدو انه يمكن السيطرة على التفاوت، على الأقل جزئياً، والقرارات السياسية التي تتخذها الحكومات اليمينية المؤيدة للأسواق الحرة بشكل متزايد، فأقمت الوضع خلال السنوات الأخيرة. ان لائحة اصحاب البلايين في العالم ممتلئة الآن بأقطاب قطاع الموارد الطبيعية المعينيين من قبل الحكومات. فالأنظمة الضريبية الأقل تصاعدية وسياسات الخصخصة التي وضعت الموارد العامة تحت سيطرة القطاع الخاص وافتقار العمال الى الحماية، كلها عوامل ساهمت في قلب الموازين لمصلحة الأثرياء في الأسواق النامية مثل الصين وروسيا. ليس من قبيل المصادفة انه بالرغم من اتساع الهوة بين المداخيل في كل انحاء العالم، فهي اصغر في الهند (بفضل استمرار السياسات التجارية الحمائية) وفي ألمانيا (بفضل الاعانات الاجتماعية) منها في الولايات المتحدة والصين.
مفارقات الهند
لكن في حين ان الأثرياء يستفيدون من السياسات العامة المؤيدة لهم، فان هذه السياسات في الكثير من الاقتصادات تلحق الأذى بالفقراء بشكل واضح. أنيل كارناني، وهو عالم اقتصاد في جامعة ميشغان، يشير الى "الاعجاب الذاتي" في الهند بسبب ازدهار القطاع الخاص، مع توفر السلع الاستهلاكية مثل الهواتف الخلوية، لكنه ينتقد فشل البلد في تقديم الرعاية الصحية والبنى التحتية الاجتماعية لمواطنيه. يقول: "صورة الهند المعاصرة لا تتمثل بالهاتف الخلوي، بل بالتغوط في الشارع. ففي مومباي، عاصمة الأعمال في الهند، يتغوط 50 بالمائة من الناس في الهواء الطلق".
شتى أنواع الخدمات متوفرة للأثرياء، بدءاً بالمستشفيات العالمية المستوى وصولاً الى محال السلع المترفة، لكن بالنسبة الى معظم السكان البالغ عددهم 1.1 بليون. الذين يعيش معظمهم في الأرياف. فان الازدهار الجدي مجرد وهم، في كل انحاء العالم، اصحاب رؤوس الأموال بحالة جيدة والعمال يعانون المصاعب والاقتصادات النامية ـ الكثير منها من البلدان الاشتراكية السابقة التي يزعم ان احزابا عمالية كانت تديرها ـ باتت تشبه اميركا في تسعينات القرن الـ 19، حيث لم تكن توجد نقابات عمالية قوية، وقوانين سلامة العمال قليلة، وتطبيق القوانين التي تفرض حداً أدنى للأجور شبه معدوم. وتشير اللجنة الوطنية الهندية للمؤسسات التجارية في القطاع غير المنظم الى ان 394.9 مليون عامل، او 86 بالمائة من مجمل سكان الهند العاملين، لا ينتمون الى نقابات، و80 بالمائة تقريبا من هؤلاء العمال يعيشون بأقل من 20 روبية يوميا (نحو 50 سنتا). وفي الصين، انخفضت حصة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي من 53 بالمائة إلى 41 بالمائة بين عامي 1998 و2005، بحسب دراسة أجراها خبيرا الاقتصاد لويس كويجس وهي جيانوو.
الإحصاءات الرسمية تشير الى أن العامل العادي كان يجني 240 دولاراً في الشهر عام 2006. لكن بنك ستاندرد شارتر خلص الى أن الاستطلاعات الرسمية تضخم المداخيل من خلال التركيز على أقلية ميسورة تتضمن عمال المؤسسات الحكومية وموظفي القطاع العام وأصحاب المهن وهي قطاعات توظف ثلث القوة العاملة المدينية الصينية المؤلفة من 330 مليون شخص،. الكثيرون منهم نازحون من الأرياف ويتقاضون أجوراً متدنية ولا يحصلون على مكاسب، ولا يحظون بأي ضمانات وظيفية.
... اليابان أيضاً
في غضون ذلك يجني الأثرياء أرباحاً هائلة من ثرواتهم الطائلة. وقد كتب ستيفن غرين، وهو خبير اقتصادي لدى ستاندرد شارترد يقيم في شنغهاي: "ان حصة الارباح من نمو الصين التي يستفيد منها العمال تتضاءل؛ والذين يصبحون اثرياء من خلال استثمار أموالهم (أو أموال مفترضة) يكسبون حصة أكبر من الأرباح".
حتى في بلدان تتميز بالمساواة والمنافع الاجتماعية، تتضاءل الضمانات، فعدد اليابانيين الذين يتقدمون بطلبات للحصول على دفعات اعانة اجتماعية وصل الى معدل قياسي. اليوم، ثلث العمال اليابانيين موظفون بدوام جزئي معظمهم من الشباب الذين يعملون عادة بموجب عقود مؤقتة لا توفر لهم الكثير من ضمانات العناية الصحية او التقاعد... وفي ألمانيا الغربية، بعد اصلاحات هارتز 4 العمالية التي قلصت من دفعات البطالة الطويلة الأمد، بدأت مطابخ تقديم الطعام المجاني للفقراء بالازدياد.
القلق والعيش بكرامة
ان نسبة التفاوت في المداخيل التي غالباً ما تكون منفرة بسبب حدثها تقلق حتى بعض اشد المؤمنين بالنظام التجاري الدولي. وقد قال الآن غرينسبان، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأميركي لنيوزويك، وفي وقت سابق من هذا الخريف: "مسألة العدالة المزعومة في توزيع المكافآت المتأتية من الرأسمالية اثارت قلقاً لدى كل الاشخاص المرتبطين باقتصادات السوق الحرة. لهذا السبب لم يتم الاعتراف بحسنات الرأسمالية بعد، بالرغم من هذه المكاسب المدهشة". وقد عبر عن مخاوفه من أن ينقلب الناس على نظام السوق الحرة اذا وجدوا ان الأسواق غير قادرة على تلبية حاجاتهم المادية.
بعضهم ينقلب عليها الآن. ففي أميركا اللاتينية، انتخب الناس في فنزويلا والاكوادور وبوليفيا وتشيلي والبرازيل والارجنتين قادة شعبويين ايديولوجيين في السنوات الأخيرة.، وفي الولايات المتحدة تزداد معارضة الاسواق الحرة، حتى بين الناخبين الجمهوريين وتشهد الصين آلاف التظاهرات الكبيرة سنوياً، معظمها بسبب مسائل اقتصادية تتراوح بين مصادرات اراض مشبوهة وعدم دفع الأجور والتلوث الصناعي الفاضح. وفي نيبال، التي لديها أعلى "معامل جيني" (مقياس الهوة) في آسيا، ادى التفاوت الى تمرد ماوي دام لم يتوقف منذ منتصف تسعينات القرن الماضي. وفي الهند، تقوم المجموعات الراديكالية العنيفة (المعروفة بشكل عام بالمجموعات النكسالية) التي تلتزم بايديولوجية الصراع الطبقي الماوية، بتفجير الطرقات وزرع الألغام على المسارات التي تسلكها قوات الأمن وتشن هجمات على دوريات الشرطة وتبتز سكان القرى. والعام الماضي، أعلن رئيس الوزراء مانموهان سينغ أن النكساليين يشكلون "أكبر تهديد داخلي للأمن الهندي منذ الاستقلال".
في هونغ كونغ، العاصمة الاقتصادية العصرية لآسيا المزدهرة، لم تحصل (حتى الآن) انقلابات دامية أو تظاهرات علنية. مع ذلك، يزداد القلق وكذلك الاحساس بأن الأمور لا يمكن ان تستمر على هذه الحال. فملايين الناس الذين كانوا يتقدمون اجتماعياً اصبحوا الآن في حالة جمود ويكافحون ليس فقط لمضاهاة ذويهم، بل للعيش بكرامة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.