8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عن أربيل المسرعة الى إعمارها في عراق مسرع إلى خرابه

..ونحن نسير على أرض مطار عمان باتجاه الطائرة التابعة للخطوط الجوية العراقية. داهمتنا مشاعر متضاربة في اللحظات القليلة التي استلزمها وصولنا الى الطائرة. فقد شاركنا أصدقاءنا العراقيين، المقيمين في اغترابهم، بهجتهم بأن يروا طيرانهم الوطني وقد ظهر في مطار دولي، كعلامة على عودة دولتهم وكرمز على تحصيل بعض العافية لمؤسساتهم الكبرى. شاركناهم هذا الحبور الذي انتابهم وهم يرون مضيفات عراقيات، أنيقات، وطاقماً عراقياً يقودهم الى بلادهم. ثم اننا أيضاً لم يسعنا تبديد بعض القلق من أن تكون الطائرة على شاكلة أحوال العراق من فوضى واهتراء. لم يكن بوسعنا إشاحة الخوف الطفيف الذي علا وجوهنا إذ انتبهنا الى أننا سنحلّق في سماء خطرة نسبياً. ومع ذلك كان احساسنا أننا نقدم على "مخاطرة" تظل محتملة إزاء رغبتنا بأن نزور العراق في عمل ثقافي يطالبنا به مثقفو العراق، أي أن نؤازرهم في مغامرتهم، وأن نشاركهم مجازفتهم. وأن نشهد على إرادة حياة تجري بعيداً في يوميات العنف والقتل... وكذلك أن نشاطرهم صنع مشهد عراقي مغاير.
ربما بسبب الرغبة الجامحة في تأليف مشهد عراقي مغاير، كان إصرار مؤسسة "المدى" أن تدعو هذا الحشد الكبير من الشخصيات، أن تأتي بنحو 600 مثقف وفنان عراقي وعربي، من أرجاء العراق كله، ومن أرجاء العالم كله، عراقيين من كندا والدنمارك وفرنسا وبريطانيا والسويد وأستراليا، وعرب من الجزائر ومصر ولبنان.
المهرجان الذي يحتضن مؤتمراً للمثقفين العراقيين وسلسلة من الحلقات الثقافية النقاشية والطاولات المستديرة والعروض المسرحية والحفلات الفنية والموسيقية... إلخ. هو في أهدافه وغاياته، المعلنة والمضمرة، الايحاء للدولة العراقية الناشئة، بأن مؤسسة خاصة وحدها تنجز ما تعجز عنه المؤسسات الرسمية. فهي ستعيد الروابط بين الانتليجنسيا العراقية المغتربة مع وطنها ومع مثقفي وفناني الداخل العراقي. وأنها بمقدورها وحدها أن تحيي يوميات ثقافية وفنية، وتنشط الانتاج المسرحي أو السينمائي أو الأدبي أو الفكري. بل وأنها وحدها تستطيع أن تنظم الجسم الثقافي في مؤسسات بديلة عن تلك التي كانت قائمة في عهد صدام حسين.
فالمؤتمر، الذي صاغ برنامجه صاحب "دار المدى" ورتب جدول أعماله، إذ يطرح إنشاء صندوق التنمية الثقافية وخصخصة التجمعات المهنية والنقابية للمثقفين، وإنشاء مجلس أعلى للثقافة... فهذا يعني الانقضاض على "اتحاد الكتاب العراقيين" و"نقابة الفنانين التشكيليين" و"نقابة الموسيقيين" والمؤسسات الأخرى الشبيهة، وتكوين تجمعات ومؤسسات جديدة، تبدو كلها جاهزة وعلى وشك الانطلاق كـ"فروع" لمؤسسة المدى التي يديرها فخري كريم، والذي بادر المؤتمرين، وقبل مناقشة فكرة "صندوق التنمية الثقافية" بتلاوة إنجازات هذا الصندوق وأعماله في الأشهر الماضية، أي جعله أمراً واقعاً قبل أن يعلم بشأنه الآخرون، وصارحهم كيف أتى بالأموال: مئة ألف دولار من رئيس الجمهورية، ومئة ألف أخرى من رئيس إقليم كردستان، و25 ألفاً من رجل أعمال. بمعنى آخر أوحى للمثقفين العراقيين أنه هو الذي يستطيع إقامة الصلة ما بينهم وبين الدولة الناشئة. فيما أوحى، عبر المهرجان، للدولة وأجهزتها بأنه هو الذي يستطيع جمع المثقفين العراقيين وتدبير علاقتهم مع هذه الدولة.
ومن ناحية أخرى فإن مهرجان "المدى" في كردستان العراق، يبث إيحاءات لتطبيع العلاقات ما بين النخبة العراقية والعربية ونخبة الكيان الكردي، والمشروع الفيدرالي، ويعطي انطباعاً بأن مؤسسة المدى قادرة على تدبير العلاقات ما بين كردستان وسائر العراق، وكردستان والعالم العربي، ثقافياً وإعلامياً.
هذا "التطبيع" تبدى رمزياً في حفلة المطرب سعدون جابر، الذي كان مغنياً معتمداً من قبل النظام السابق وصاحب الأغاني الكثيرة الممتدحة لشخص صدام حسين. فهو إذ كان يغني في قاعة "ميديا" بأربيل تحت شعار "ثقافة ديموقراطية. عراق حر" فاجأه أحد الحضور بعلم كردي كبير وضعه على كتفيه، فتقبل المغني هذه البادرة، وما إن انتهى من أداء أغنيته حتى استأذن الجمهور للحظات، ليعود مرتدياً اللباس الكردي التقليدي ومتدثراً أيضاً بالعلم إياه، فهب الجمهور الكردي مبتهجاً صاخباً ومهللاً.
على هذا النحو ذهبنا الى معرض الكتاب الصغير، وجدنا الكتب باللغة العربية، وباللغة الكردية متكدسة معاً. وهذا من مظاهر كردستان الجديدة، منذ أن أفلت الاقليم من قبضة صدام، فبات حراً بتدريس اللغة الكردية وطبع الكتب بهذه اللغة، وإنشاء دور نشر كثيرة تتولى الفيض الهائل من الترجمات الى اللغة الكردية.
الفرقة السيمفونية الآتية من بغداد، المعاد تكوينها بعد غياب وحروب، وهي المتأسسة عام 1949، والفرق الفولكلورية للرقص الشعبي الكردي... سوية في برنامج يدل على الطابع الفيدرالي الذي بدأ العراق يتجه إليه، متخذاً من التجربة الكردية نموذجاً.
ففي إقليم كردستان العراق، بات لمدينة أربيل مطارها الدولي، وبات لديها أيضاً فندق "شيراتون" وسيارات تاكسي خاصة بها، ومصرفاً مركزياً، ومصارف خاصة تفتتح فروعها في أنحاء عاصمة الاقليم، وفي مدن كردستان الأخرى. بات هناك أربع فضائيات تلفزيونية وخمس محطات تلفزيونية محلية (أرضية)، وثماني إذاعات وجريدة يومية واحدة وعشرات الجرائد والمجلات الأسبوعية. هذا ما يكفي هنا لقيام دولة. ما عاد الأمر يستلزم جيشاً قوياً ولا مصانع ضخمة ولا ملاحم تاريخية. ونحن ما ان وصلنا الى المطار الصغير، حتى أنبأتنا الاشارات المكتوبة بالكردية والعلم الكردي الذي يرفرف وحده على السارية، أننا في أرض الأكراد الفخورين بكيانهم السياسي المتوطد يوماً بعد يوم ضمن فيدرالية عراقية مضطربة ومجهولة المستقبل.
كان الأكراد في استقبالنا، نحن الكتّاب والفنانين والصحافيين العرب، وهم مزهوّون بفكرة أننا أتينا لنشهد على نجاحهم في تأمين استقرار مدنهم وازدهارها، وأن أرضهم صارت هي الفسحة العراقية الوحيدة الممكنة لإقامة مهرجان ثقافي عربي ـ عراقي من دون مخاطر تقريباً، بل وإن مدينتهم أربيل هي المكان العراقي المتاح لأن يلتقي فيه مثقفو عراق المهجر بمثقفي عراق الاقامة.
عاصمة الكيان الكردستاني التي يقطنها حوالي مليون شخص، لديها خمس جامعات لعموم كردستان، وقد أناطت بشركة انكليزية مسؤولية "التخطيط المديني"، حيث ورشة إعادة الاعمار والبناء ما يُذكّر بالمشروع اللبناني، لكن من غير تعثر ومن دون عوائق سياسية.
الملمح الأول، أو "الانماء" الأول في أربيل، إعماراً أو تطويراً، هو تلك الحدائق العامة الأربع الكبيرة، فيما العمل جار لإنشاء غابة مترامية تحل مكان القفر الواسع الذي له في الذاكرة الكردية معاني الشر والموت بوصفه أرض معسكرات صدام حسين. غابة للترفيه والنزهات، غابة للتجميل البيئي في المكان عينه الذي كان مصدراً للموت والرعب.
الشغف بالحدائق والتشجير دفع الحكومة المحلية والبلدية للتخطيط لحديقتين كبيرتين إضافيتين. كما لو أن المساحات الخضراء التزيينية في هذه البلاد الزراعية، أولوية لمشروع الاعمار وعنواناً بارزاً في مخطط البناء. إنها الصورة التي يودها الأكراد لمدينتهم وعاصمتهم: مدينة مشجرة، كثيرة الحدائق والزهور.
ما يجري هنا قد يكون غير قابل للتصديق، طالما أننا نتحدث عن مكان عراقي. لكننا نشهد ولادة مدن ودولة ومجتمع، بكل ما لهذه الكلمات من معنى. فهنا، في القرية الملاصقة لأربيل، عينكاوه، المسيحية، تتمركز 158 مؤسسة دولية ويقطنها حوالي 11 ألف أجنبي من الخبراء والتقنيين والمهندسين ووكلاء شركات عالمية.
في باحة الفندق كان المهندسون الأجانب والمحليون يعقدون اجتماعاتهم باستمرار، وبوتيرة يومية، باسطين المخططات والخرائط، كنديون وألمان وأميركيون وأتراك، وبطبيعة الحال رجال الأعمال اللبنانيون، المتواجدون بكثرة قد تثير الاستهجان، لكنهم هنا تجار ومقاولون ووكلاء مصانع ومصرفيون ومستثمرون، إضافة الى المهندسين ومدراء الشركات الناشئة.
الشاب اللبناني المتأنق، أسعد، الذي كان يلتقي بموظفين محتملين لشركة إعمارية ستنطلق أعمالها في كردستان، قال: "أنا هنا منذ ثلاثة أشهر... في مجال بناء المجمعات السكنية، ومنذ الآن نعاني نقصاً في الأيدي العاملة بسبب كثرة المشاريع. بعد سنة سترى أربيل أخرى".
صاحب فندق "أربيل أنترناشونال ـ شيراتون"، هو رجل أعمال أرمني ـ عراقي، لبناني الاقامة، أنشأ أول فندق (خمس نجوم)، وهو مقاول في مشروع إعمار 80 ألف فيللا (ثمانين ألفاً) وعشرة أبراج سكنية، ستنتهي الأعمال فيها بعد سنة تقريباً، ويقول ان حجم الأعمال العقارية في كردستان يقدر بمليارات الدولارات، وأن البنية التحتية التي ستنشأ ستحول أربيل الى مدينة جديدة بالكامل. وأربيل التي تفتقر الآن لأماكن الترفيه والسياحة ستصبح مدينة سياحية من الطراز الأول مع سلسلة من الفنادق الفخمة والمطاعم والنوادي والملاهي: "المجتمع الكردي الجبلي والريفي... يتقبل بسهولة مقتضيات الانفتاح والاقتصاد الحر، خصوصاً وأن شريحة الطبقة الوسطى تتسع بزمن قياسي".
الكل هنا، لديهم جملة واحدة يرددونها: "بعد خمس سنوات أربيل ستصير حلوة". والكثير منهم يغامر ويقول "بل ستكون مثل دبي"... هكذا، مستعجلون للخروج من ذاكرة الأنفال ومذبحة حلبجة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00