في اواخر القرن الماضي، "تسللت" زمرة من المثقفين العراقيين المنفيين والعرب الى كردستان، بعد ان عبرت نهر الخابور بالزوارق. كان ذلك للاحتفال بمئوية الشاعر محمد مهدي الجواهري. ويومها كانت صورة الجلاد لا تزال ترفع في معظم العواصم العربية.
أمس السبت، لم "يتسلل" المثقفون العرب والعراقيون بالزوارق بل هبطوا في مطار اربيل الدولي، في عاصمة اقليم كردستان في شمال العراق، ليشاركوا في "اسبوع المدى الثقافي" الذي أسسه فخري كريم، تحت شعار "ثقافة ديموقراطية... لعراق حر".
المهرجان، الذي يجمع أكثر من 500 مثقف عراقي مع أكثر من 150 مثقفاً عربيا وعراقيا (من المقيمين في الاغتراب)، يسعى على امتداد أيامه العشرة الى اقامة حوارات منتظمة تحت عناوين "التحول من النظام الاستبدادي الى المجتمع الحر والتعددية" و"الموقف من المرأة ودورها في الحياة العامة" و"جدل الثقافي ـ السياسي". وترافق هذه اللقاءات عروض مسرحية عراقية، وعروض سينمائية لأفلام عراقية جديدة، وحفلات غنائية وموسيقية، اضافة الى اقامة معارض تشكيلية وفوتوغرافية ومأثورات شعبية كردستانية.
أمس السبت، جاء رئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني ليلقي كلمة افتتاح المهرجان قائلا: "ان كردستان العراق هي معقل حر للديموقراطية، للعرب والتركمان والكرد والأشوريين والكلدان". وتوجه بكلمته الى "الضيوف العرب" قائلا: "نتمنى ان تكونوا سفراء لكردستان، لتصحيح الصورة... فنحن شعب مسالم ومتسامح وتواق للحرية ويمد يده للأشقاء العرب وللآخرين. نحن في انتفاضة 1991 قاتلنا لديموقراطية العراق ولحقوق كردستان، وأمامنا اليوم فرصة تاريخية لبناء عراق ديموقراطي فيدرالي تعددي... آن الأوان لكي نُحكم من قبل المؤسسات ومن قبل القانون". وأضاف: "كردستان ملاذ لكم ولكل من يريد خدمة العراق".
ومع انتهاء كلمة الرئيس البرزاني، التي القاها بالعربية مستأذناً لذلك الجمهور الكردي، وصلت برقية رئيس جمهورية العراق جلال الطالباني الى قاعة المهرجان، متضمنة رسالة موجهة أيضاً الى المثقفين العرب، وفيها "ان الذاكرة الكردية تحفظ لكم وقوفكم معنا أيام التسلط الديكتاتوري وسنحفظ لكم العرفان والتقدير لمشاركتكم في زياراتكم السابقة ولحضوركم اليوم الى كردستان العراق".
"اسبوع المدى الثقافي" الرابع، يبدو انه اختار كردستان العراق ليس فقط لأنه المكان الأكثر أمناً في العراق، بل لأن القائمين على المهرجان أرادوا توجيه أكثر من رسالة وأكثر من معنى. فهم يسعون الى "تطبيع" بين الحلم الكردي العراقي والثقافة العربية، والى فك العزلة التي يشعر بها مثقفو الداخل العراقي ازاء الثقافة العربية، وأيضاً الى اعادة الروابط والصلات بين المثقف العراقي المغترب والحياة الثقافية العراقية. والأهم هو التأكيد على الصلة الوطنية بين الشمال الكردي والعراق العربي، واضعاً المثقفين العرب شهوداً على هذه التجربة الفيدرالية.
بهذا المعنى، يبدو "عرّاب" المهرجان فخري كريم، كعراقي وكردي وشيعي وشيوعي سابق وصاحب واحدة من اكبر دور النشر العربية، وجريدة "المدى" الواسعة الانتشار، التي بدأت بالصدور في بغداد بعد سقوط النظام السابق مباشرة، وصاحب الأدوار الاستشارية السياسية، من وراء الكواليس، ما بين الزعيمين الكرديين، البرزاني والطالباني، وما بين العرب والأكراد، وما بين العراقيين والعرب... كأنه يروّج خطاباً ثقافياً سياسياً لما يطمح اليه أكراد العراق، ولما يطالب به مثقفو العراق من المثقفين العرب، ولما توده السلطة العراقية الجديدة من الاعلاميين والكتّاب والفنانين العرب من فهم وتفهّم للتحولات التي تجري في العراق (ألهذا السبب تعذر حضور المثقفين السوريين في اللحظة الأخيرة؟)
عبر هكذا مهرجان، ثمة سعي لـ"تصدير" صورة عن مشروع عراق المستقبل، الفيدرالي، التعددي والديموقراطي. صورة بعيدة عن واقع الحال الغارق في الفوضى والارهاب والدم وخطر الاقتتال الأهلي. ولذا، على الأرجح، كان الاصرار على الطابع المبهج والترفيهي . فنحن سنشهد مثلاً حفلاً للفرقة السمفونية العراقية وخمسة معارض تشكيلية وثلاثة عروض مسرحية وحفلات غنائية لسعدون جابر والهام مدفعي وعروض سينمائية في حديقة عامة، بل وندوة عن واقع السينما المصرية يشترك فيها المخرج علي بدرخان ومحمود حميدة وفؤاد التهامي. الى جانب تخصيص كل أيام المهرجان لـ"مؤتمر المثقفين العراقيين" الذي سيسعى لرسم استراتيجية ثقافية شاملة لعراق المستقبل وستُرفع كتوصيات الى الدولة العراقية.
من أربيل تأتي أخبار مغايرة عن أخبار بغداد. وهذا ما قد يشيع بعض التفاؤل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.